في زمن الأزمات الكبرى، حين تعلو أصوات البنادق ويخيّم عدم اليقين على المشهد الدولي، تبقى الحكمة ضوءاً يهدي الأمم في أكثر اللحظات ظلمة. وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مُلهِماً لدولة آمنت بأن الاستقرار فعل شجاعة، وبأن البناء في زمن الأزمات هو أرقى أشكال القوة والمسؤولية. فمن إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة إلى تعزيز المبادرات الإنسانية والتنموية، أثبتت الإمارات أن القرار الواعي والذكاء الإستراتيجي هما ما يحمي الدولة ويصنع المستقبل.
الحكمة كخيار إستراتيجي في عالم مضطرب
يقول الجنرال شارل ديغول في كتابه ذكريات الحرب إن "عظمة الدول لا تُقاس بردود أفعالها في الأزمات، بل بقدرتها على الحفاظ على توازنها عندما يفقد الآخرون توازنهم". وفي عالم تتسارع فيه الحروب وتتراجع فيه لغة العقل، تبدو هذه المقولة توصيفاً دقيقاً لجوهر المقاربة القيادية الإماراتية، حيث تُدار الأزمات بعقل الدولة وتُصاغ القرارات برؤية إستراتيجية بعيدة المدى. ومن هذا المنطلق، تُحوّل الإمارات التحديات الراهنة إلى فرص لصناعة مستقبل آمن ومستدام، ومُلهم للأجيال المقبلة، مؤكدة أن قوة الدولة لا تُقاس حصراً بقوتها الصلبة أو مواردها المادية، بل بحكمتها ورؤيتها الإستراتيجية المتوازنة.
فمن أوكرانيا إلى اليمن، مروراً بالحرب في غزة وما يشهده السودان من اقتتال داخلي، تتبدّى ثوابت الموقف الإماراتي بوضوح. فعلى اختلاف الساحات وتعقّد السياقات، بقيّ خيار الإمارات واحداً لم يتبدل: التهدئة أولاً، والتهدئة دائماً. إذ دعمت أبوظبي، في مختلف هذه الأزمات، طرفاً واحداً لا غير: طرف الاستقرار والأمن، في مواجهة الفوضى والدمار وتغذية الانقسام، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلام ليس موقفاً ظرفياً، بل إستراتيجية طويلة الأمد.
ثوابت السياسة الإماراتية: السلام قبل كل شيء
ومنذ قيام الاتحاد عام 1971، تبنّت دولة الإمارات العربية المتحدة عقيدة سياسية واضحة في علاقاتها الإقليمية والدولية، قوامها السلام ولا شيء غير السلام. فمنذ عهد الأب المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عملت أبوظبي على صياغة سياسة خارجية متوازنة، قامت على 3 مرتكزات أساسية: دعم الاستقرار، وتعزيز الأمن، والمساهمة في التنمية والازدهار.
وانطلاقاً من هذه العقيدة، حرصت الإمارات على الالتزام بهذا النهج على امتداد تاريخها الحديث، فجعلت من الحكمة والسلام أساس حضورها الخارجي، وكرّست ذلك بقاعدة ذهبية واضحة: نبذ الحروب وتجنّب الانخراط فيها. ويمكن القول إن هذه القاعدة لم تُكسر إلا مرة واحدة، عندما شاركت الإمارات في الحرب في اليمن، استجابةً لطلب من الشقيقة المملكة العربية السعودية.
وعلى الرغم من التحفّظ الإماراتي المبدئي تجاه الحروب عموماً، جاءت المشاركة انطلاقاً من اعتبارات تتعلّق بأمن الخليج العربي، وبمبدأ التضامن العربي، وبهدف المساهمة في حماية الأمن القومي الخليجي، إلى جانب تقديم الدعم للشعب اليمني الشقيق للخروج من حالة الفوضى والانقسام نحو أفق الاستقرار.
اليمن.. حين تُقاس القيادة بالمسؤولية لا بالمغامرة
وفي تلك الحرب، قدّمت أبوظبي ما استطاعت ضمن إطار التحالف العربي، واضعةً نصب عينيها تقليص الكلفة الإنسانية للصراع، ودعم مؤسسات الدولة، والمساهمة في إعادة الاستقرار إلى المناطق المتضررة. وقد دفعت الإمارات ثمناً باهظاً لهذه المشاركة، إذ قدّمت شهداء من أبنائها، في تأكيد على أن قراراتها، حتى في أصعب الظروف، كانت دائماً محكومة باعتبارات المسؤولية، لا بروح المغامرة أو السعي إلى النفوذ.
واليوم، ومع الخروج الكامل والنهائي لدولة الإمارات من اليمن، تعود أبوظبي إلى موقعها الطبيعي ونهجها الثابت، مؤكدة أن هذا القرار لم يكن تراجعاً، بل تعبيراً عن حكمة سياسية وشجاعة قيادية في احتواء أزمة طويلة ومعقّدة، مع الحفاظ على استقرار المنطقة وصون العلاقات الأخوية والإستراتيجية مع المملكة العربية السعودية.
يقول الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن: "في أوقات الشدّة، لا نُظهِر فقط من نكون، بل نحدّد أيضاً أي مستقبل نريد أن نتركه". ومواقف القيادة الإماراتية وقراراتها في مختلف الأزمات تذهب بوضوح في هذا الاتجاه، إذ اختارت دائماً طريق العمل، والتعاون، وبناء المستقبل، بعيداً عن منطق المغامرة والصدام.
فالقيادة تُختبر في الأزمات، والحكمة هي معيارها الحقيقي. ومن هذا المنطلق، تقدّم الإمارات اليوم درساً قيادياً في كيف يُدار الاستقرار بعقل إستراتيجي ورؤية مستقبلية. فهي دولة تعرف وزنها الحقيقي، وتدرك أن الحكمة ليست ضعفاً، بل أعلى درجات القوة: قوة القرار المتزن، وقوة الرؤية البعيدة، وقوة الإيمان بأن المستقبل يُبنى بالعقل لا بالانفعال.
اليوم تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مميزاً للدولة الناجحة والمزدهرة والفاعلة بطريقة إيجابية في منطقة مليئة بالحروب والمآسي والأزمات التي لا تنتهي. أما عماد هذا النموذج الإماراتي فهو الاستقرار والأمن والتعاون الإقليمي والدولي. وعليه، تدرك أبوظبي جيداً أنه في عالمٍ تحكمه الانفعالات السياسية، وتُدار فيه الأزمات غالباً بردود فعل متسرّعة، هناك طريق واحد لحماية هذا النموذج والذهاب بخطى ثابتة نحو المستقبل، وهو: طريق الحكمة، وضبط النفس، والعمل الهادئ بعيداً عن الضجيج.
لذا، من المنصف في ختام هذه الكلمات القول إن "حِكمة" الإمارات في زمن الحروب والأزمات ليست توصيفاً إعلامياً، بل حقيقة سياسية تتجلى يوماً بعد يوم، وتؤكد أن الدول التي تُحسن إدارة الأزمات هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.