hamburger
userProfile
scrollTop
مقالات رأي

إنفاق إيران ضاع في الأنفاق.. فسقط "حزب الله"

آخر تحديث:

إيران أنفقت أموالًا هائلة لتثبيت نفوذها في لبنان، لكنها لم تستطع شراء الاستقرار اللبناني (رويترز)
إيران أنفقت أموالًا هائلة لتثبيت نفوذها في لبنان، لكنها لم تستطع شراء الاستقرار اللبناني (رويترز)
verticalLine
fontSize

على مدى عقود، لم تتعامل إيران مع لبنان بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة فحسب، بل بوصفه إحدى أهم ساحات مشروعها الإقليمي. وفي قلب هذا المشروع كان "حزب الله"، الذي تحوّل تدريجيًا من تنظيم مسلح إلى قوة سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية تمتلك نفوذًا واسعًا داخل الدولة اللبنانية. وبينما كانت إيران تضخ الأموال والسلاح والخبرات في هذا المشروع، كان اللبنانيون يدفعون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أثمانًا متزايدة لهذا النفوذ.

نفوذ "حزب الله" انتهى

اليوم، تبدو الصورة أكثر قسوة بالنسبة إلى طهران. فبعد عشرات السنين من الاستثمار المالي والسياسي والعسكري، تجد إيران نفسها أمام واقع لبناني شديد التعقيد:

  • نفوذ "حزب الله" لم يعد يبدو كما كان.
  • البيئة التي سمحت له ببناء ما يشبه "دولة داخل الدولة" تعرضت لهزات عميقة، فيما يتزايد السؤال حول جدوى مليارات الدولارات التي أُنفقت باسم مشروع لم ينجح في بناء دولة لبنانية قوية، بل ساهم في تكريس الانقسام والارتهان والصراع.

مليارات على مشروع لا يبني دولة لا توجد أرقام علنية دقيقة تكشف الحجم الحقيقي لكل الأموال الإيرانية التي وصلت إلى "حزب الله" على امتداد العقود الماضية، كما تختلف التقديرات باختلاف المصادر والفترات الزمنية. لكن المؤكد أن الدعم الإيراني للحزب لم يكن رمزيًا، بل كان جزءًا أساسيًا من إستراتيجية إقليمية طويلة الأمد.

أموال، أسلحة، تدريب، مؤسسات اجتماعية، وشبكات خدمات؛ كل ذلك ساعد "حزب الله" على بناء منظومة نفوذ متكاملة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا كانت النتيجة النهائية لكل هذا الإنفاق؟

هل أصبح لبنان أكثر استقرارًا؟ هل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر قوة؟ هل تحسن الاقتصاد اللبناني؟ هل تراجعت الانقسامات الداخلية؟

الجواب المؤلم للبنانيين هو أن الأزمات المتراكمة تقول العكس.

فلبنان الذي كان يُفترض أن يكون ساحة للاستثمار والتنمية والازدهار، أصبح لسنوات طويلة ساحة تجاذب إقليمي، فيما عانى من الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي وتراجع الخدمات العامة وهجرة الشباب.

وبدلا من أن تتحول الموارد التي أُنفقت إلى مدارس وجامعات ومستشفيات ومصانع وفرص عمل، تحولت أجزاء كبيرة من المشروع إلى بنية نفوذ عسكرية وسياسية لا تستطيع حماية نفسها من التحولات الكبرى التي تضرب المنطقة.

إيران استثمرت في النفوذ لا في الدولة المشكلة الأساسية في السياسة الإيرانية تجاه لبنان أنها بنت حساباتها على قوة الحليف، لا على قوة الدولة.

فالدول عادةً تستثمر في المؤسسات والعلاقات الاقتصادية والتنمية طويلة الأمد. أما طهران، فقد ركزت بصورة كبيرة على بناء قوة حليفة تستطيع استخدامها ضمن صراعها الإقليمي مع خصومها.

وهذا النموذج قد يحقق مكاسب سريعة في النفوذ، لكنه يحمل في داخله نقطة ضعف خطيرة: عندما تتغير موازين القوى، يصبح الاستثمار كله معرضًا للاهتزاز.

وهنا تظهر المفارقة.

إيران أنفقت أموالًا هائلة لتثبيت نفوذها في لبنان، لكنها لم تستطع شراء الاستقرار اللبناني. دعمت قوة عسكرية وسياسية ضخمة، لكنها لم تستطع منع الانهيار الاقتصادي. بنت شبكة نفوذ واسعة، لكنها لم تستطع إلغاء الدولة اللبنانية أو إنهاء اعتراض قطاعات واسعة من اللبنانيين على هذا الدور.

والأخطر أن كل ما بُني خلال عقود يمكن أن يتراجع في سنوات قليلة عندما تتغير الظروف الإقليمية والدولية.

"دولة حزب الله" أمام امتحان التاريخ

لطالما وُصف نفوذ "حزب الله" في لبنان بأنه أقرب إلى دولة داخل الدولة. امتلك الحزب السلاح، وشبكة واسعة من المؤسسات والخدمات، ونفوذًا سياسيًا، وقدرة على فرض نفسه لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

لكن أي "دولة" لا تستطيع أن تكون مستقلة عن الدولة الأم إلى الأبد.

فالدولة الحقيقية تقوم على المؤسسات والاقتصاد والقانون والسيادة، لا على السلاح وحده. والقوة العسكرية قد تمنح تنظيمًا قدرة على فرض شروطه في لحظة معينة، لكنها لا تمنحه بالضرورة شرعية دائمة.

من هنا، فإن تراجع نموذج "دولة حزب الله" لا يعني بالضرورة اختفاء الحزب بين ليلة وضحاها، لكنه يعني أن النموذج الذي سعى إلى تكريسه طوال عقود يواجه أزمة وجود سياسية ووطنية عميقة.

فلبنان لا يستطيع أن يستمر إلى الأبد بمنطق وجود سلطتين: دولة رسمية، وقوة موازية لها قرارها وسلاحها وحساباتها الإقليمية.

وإذا كان سقوط هذا النموذج يعني عودة القرار اللبناني إلى مؤسسات الدولة، فإن ذلك قد يكون، رغم كل الألم، بداية ضرورية لاستعادة لبنان عافيته.

أين ذهبت كل هذه الاستثمارات؟

هنا تكمن المفارقة الكبرى.

الأموال التي أنفقتها إيران لم تنتج حليفًا قادرًا على تغيير وجه لبنان بصورة نهائية. أنتجت نفوذًا قويًا، نعم، لكنها لم تنتج استقرارًا دائمًا.

والنفوذ ليس هو الدولة.

يمكنك أن تمتلك السلاح، وتسيطر على مناطق، وتبني شبكة سياسية واجتماعية، ولكنك لا تستطيع شراء التاريخ إلى الأبد.

اليوم، عندما ينظر الإيرانيون إلى لبنان، فإنهم لا يرون فقط ما بنوه؛ بل يرون أيضًا حدود ما استطاعوا بناءه.

فالاستثمار السياسي والعسكري الذي امتد لعشرات السنين لم يمنح طهران سيطرة كاملة على لبنان، ولم يحمِ حليفها من التحولات الكبرى، ولم يمنع اللبنانيين من إعادة طرح السؤال الأساسي: من يقرر مصير لبنان؟

وهذا السؤال هو الأخطر بالنسبة إلى المشروع الإيراني.

الخسارة ليست مالية فقط

إذا كان الحديث عن مليارات الدولارات مهمًا، فإن الخسارة الإيرانية المحتملة أكبر من الحساب المالي.

إيران لا تخسر فقط أموالًا أنفقتها على مدى سنوات، بل تواجه احتمال خسارة نموذج كامل من النفوذ الإقليمي.

فإذا أصبح "حزب الله" أقل قدرة على فرض شروطه، وإذا استعادت مؤسسات الدولة اللبنانية مساحة أكبر من القرار، فإن طهران ستجد نفسها أمام واقع مختلف تمامًا عما أرادته عندما بدأت بناء نفوذها في لبنان.

وهنا يمكن القول إن الاستثمار الإيراني قد يتحول من أصل إستراتيجي إلى عبء سياسي.

أما "حزب الله"، فعليه أن يواجه السؤال الأصعب: ماذا بقي من المشروع الذي قيل للبنانيين إنه يحميهم ويقودهم إلى مستقبل أفضل؟

فالسلاح لا يحل أزمة الاقتصاد، والنفوذ لا يعالج البطالة، والشعارات لا تبني مؤسسات، والانتصارات العسكرية لا تكفي وحدها لصناعة دولة.

لبنان لا يحتاج وصاية جديدة

المطلوب اليوم ليس استبدال نفوذ إيراني بنفوذ خارجي آخر، ولا تحويل لبنان إلى ساحة انتقام سياسي.

المطلوب ببساطة هو لبنان الدولة.

لبنان الذي يكون فيه القرار العسكري والأمني والسياسي خاضعًا لمؤسسات شرعية، وتكون فيه الحدود والاقتصاد والسياسة الخارجية من اختصاص الدولة، ويستطيع المواطن أن يختلف سياسيًا من دون أن يخشى قوة مسلحة تفوق قدرة المؤسسات الرسمية.

إذا كان هناك درس واحد ينبغي أن تستخلصه المنطقة من التجربة اللبنانية، فهو أن بناء النفوذ على حساب الدولة قد ينجح لعقود، لكنه لا يستطيع ضمان المستقبل.

قد تستطيع إيران أن تموّل تنظيمًا، وأن تسلحه، وأن تدعمه سياسيًا، لكنها لا تستطيع أن تشتري ولاء بلد بأكمله إلى الأبد.

ولهذا فإن المشهد اللبناني الراهن، بكل تعقيداته ومآسيه، قد يكون بداية نهاية مرحلة طويلة من الاستثمار الإيراني في مشروع "دولة حزب الله".

الأموال ذهبت، والسلاح استُهلك، والسنوات مضت، لكن لبنان بقي واقفًا.

أما المشروع الذي أراد تحويل نفوذ "حزب الله" إلى واقع دائم، فيبدو اليوم أمام امتحان تاريخي: إما أن يقبل بمنطق الدولة، أو يواصل مقاومة حقيقة أثبتها التاريخ مرارًا، وهي أن لا قوة موازية تستطيع أن تحل إلى الأبد مكان دولة كاملة.

قد تستطيع الأنفاق أن تخفي السلاح، لكنها لا تستطيع أن تخفي حقيقة الانهيار السياسي. وقد تستطيع الأموال أن تبني نفوذًا، لكنها لا تستطيع أن تبني وطنًا.

وفي نهاية المطاف، قد يكون أكبر ما تخسره إيران في لبنان ليس مليارات الدولارات التي أنفقتها، بل الوهم بأن النفوذ يمكن أن يكون أبديًا.

ولعل سقوط "دولة حزب الله"، إذا اكتمل مساره، لا يكون سقوطًا للبنان، بل فرصة للبنان كي يستعيد الدولة التي غابت طويلًا خلف ظلال السلاح والمحاور الإقليمية.

news_suggested_videos_حرب التكنولوجيا تشتعل.. سامسونغ تسخر من أول هاتف قابل للطي لآبل!
play