ظهر حنان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على "أبنائه عشاق اللعبة" بوضوح بعد اعتماده قواعد تحكيمية صارمة بدأ بتطبيقها في مونديال 2026 بهدف تسريع إيقاع المباريات وتقديم وجبات دسمة لـ"الحضور الكريم".
وفي إطار عملية "نثر الحنان"، جرى إجبار اللاعبين على تنفيذ رميات التماس وركلات المرمى في غضون 5 ثوانٍ. وفي حال التأخير المتعمّد، تُمنح رمية التماس للخصم، فيما تتحول ركلة المرمى إلى "ركنية".
ويتوجب على اللاعب المستبدل مغادرة الملعب خلال 10 ثوانٍ. وإن تعمد البطء، سيُجبر البديل على الانتظار دقيقة كاملة خارج الملعب.
وإذا طلب لاعبٌ تلقي العلاج داخل الملعب، فسيُجبر على البقاء خارجه لـ60 ثانية بعد استئناف اللعب.
هذا غيض من فيض. فقد امتد كرم "فيفا" إلى اللاعبين. أقرّ قانوناً تاريخياً يقضي بتوقف إلزامي لشرب المياه مرتين في كل مباراة. نعم. ويستمر التوقف 3 دقائق كاملة.
هذا القانون يُطبَّق في المباريات كافة بغض النظر عن حالة الطقس أو درجة الحرارة، حتى لو كانت المواجهة تُقام داخل ملاعب مغلقة ومكيفة. الهدف: ضمان تكافؤ الفرص والعدالة بين المنتخبات. فعلاً، "فيفا" صارم في ما خصّ المصلحة العامة.
هذا القرار له فائدة على المدربين أيضاً، إذ باتوا قادرين على التواصل مع رجالهم في ما يشبه "الوقت المستقطع" في كرة السلة.
لحظة. بعملية حسابية، الاتحاد الدولي يتفادى إضاعة الوقت في المباريات. جميل. فجأةً، يضيف 6 دقائق عليها لشرب المياه، أمراً وليس فضلاً. أي أنه، بلغة الوقت، لم يفعل شيئاً.
"الفترة المنعشة"
ماذا يجري خلال هذه "الفترة المنعشة"؟ لا شيء؟ يحصل القليل جداً. أنت كلاعب تتجرّع المياه وتدعو للـ"فيفا" بطول العمر، في وقت سمح فيه الأخير للقنوات الناقلة، للمرة الأولى في تاريخ المونديال، بقطع البث الحي أو استخدام الشاشات المنقسمة لعرض الإعلانات التجارية خلال دقائق التوقف الست. عادي. هنا أيضاً، لم يفكر "فيفا" فقط بالجمهور واللاعبين والمدربين، بل بجيب شبكات البث التي ستحقق أرباحاً هائلة.
المدرب الألماني، يورغن كلوب، انتقد التوقفات: "يتم احتجاز كرة القدم كرهينة من قبل أصحاب البدلات الرسمية في المكاتب المكيفة".
ما دفعه على هذا القول هو واقعة مثيرة للجدل حدثت في المباراة الافتتاحية عندما أقدم الحكم على منع اللاعبين من استئناف اللعب بعد انتهاء استراحة شرب المياه. السبب أن قناة تلفزيونية ناقلة لم تكن قد انتهت بعد من عرض إعلاناتها.
وقال كلوب: "تم تسويق الاستراحات على أنها لحماية اللاعبين من الحرارة، لكنها تحولت إلى قفص ذهبي بُني للمُعلنين". وأضاف: "يجب أن تتدفق مباراة كأس العالم مثل النهر، لكننا بدل ذلك، نبني السدود في منتصفها لتمر الإعلانات". وختم هجومه: "تحولت اللعبة إلى ما يشبه مركز تسوق يحظى فيه صوت آلة تسجيل الأرباح باحترام أكبر من المباراة نفسها".
تُدر توقفات شرب المياه عوائد هائلة تُقدر بـ7 إلى 9 ملايين دولار إضافية لكل قناة ناقلة رئيسية طوال فترة البطولة. وفي أسواق ضخمة مثل السوق الأميركية، تُباع الـ 30 ثانية الإعلانية خلال المباريات الكبرى بمئات الآلاف من الدولارات.
يحصل "فيفا" على النصيب الأكبر والأساسي من هذه الأرباح. من حرصه، لا يترك هذه المسائل للصدفة، بل يمتلك منظومة تجارية وقانونية تُحكم سيطرته على كل قرش يتم جينه خلال المونديال، ويحصل على حصته مسبقاً وبشكل غير مباشر عبر تضمين هذه المساحات الإعلانية في عقود بيع حقوق البث وحِزَم الرعاية الكبرى.
6 دقائق إضافية في كلٍّ من المباريات الـ104 سمحت للاتحاد الدولي برفع قيمة عقود البث بنسبة تتراوح بين 15 و20%.
لولا الأوقات المستقطعة التجارية، لما تمكن الاتحاد الدولي من تحقيق قفزة في إيرادات البث التلفزيوني وحدها لتتجاوز 4.3 مليار دولار في الدورة التسويقية الأخيرة.
حنون هذا الـ"فيفا"، حنون على الجميع، خصوصاً على "روحية اللعبة".
في وقتٍ يشرب فيه اللاعبون مياهاً، يكون عدّاد الاتحاد الدولي ينتفخ حناناً ملغوماً.. وأموالاً.