في الرياضة، ثمة رموز لا تُمسّ. الأرجنتيني ليونيل ميسي ومواطنه دييغو مارادونا وربما البرازيلي بيليه، لا يقترب منهم أحد في معشر كرة القدم.
الأميركي مايكل جوردان يشكّل الوجه الثاني لـ "عملة كرة السلة" مع منافسة نسبية من كوبي براينت، كريم عبدالجبار وليبرون جيمس.
في التنس، تفرض أسماء نفسها مثل السويدي بيورن بورغ، الأميركي بيت سامبراس، السويسري روجيه فيدرر، الصربي نوفاك ديوكوفيتش والإسباني رافايل نادال.
في الملاكمة، لا خلاف على الأميركي محمد علي كلاي، وربما مواطنه مايك تايسون.
أمّا في عالم "فورمولا 1"، فيبدو الأمر مختلفاً، خصوصاً أن ثمة آلة مدفوعة بمحرك يعمل بالوقود. قدرات السّائق حاسمة لكن الأمر مرتبط أيضاً بالمقومات التقنية للسيارة، بالمتغيّرات التنظيمية، وبظروف قد ترافق سباقات معينة وتؤدي أحياناً إلى تحديد هوية الفائز أو حتى حسم اللقب.
من هنا، يجدر التعاطي مع إشكالية اختيار أفضل سائق في تاريخ "الفئة الأولى" وفق معطيات خاصة، قد لا ترتبط بالانتصارات والألقاب، بل بقدراتٍ فنية وتَحَمُّلٍ وشجاعةٍ على الحلبة.
قدرة فريدة
النقاش حول ما إذا كان الهولندي ماكس فيرستابن السائق الأفضل في تاريخ الرياضة الميكانيكية النخبوية هو واحد من أكثر المواضيع إثارة للجدل والاهتمام.
بعيداً عن الأرقام والبطولات، فإنّ ما يميز فيرستابن المتوّج بطلاً للعالم 4 مرات (2021، 2022، 2023، 2024) يتمثل في أسلوب القيادة الاستثنائي والقدرة التقنية الفريدة على استخراج أقصى طاقة من السيارة، وهو ما تؤكده بيانات الـ"تيليمتري" (نظام بث لاسلكي فوري لبيانات سيارة إلى مرآب الفريق خلال السباق)، وتصريحات كبار المهندسين.
بدأت رحلة فيرستابن نحو النجومية منذ أن وضع قدمه في عالم سباقات الـ "كارتينغ" حيث لفت أنظار الخبراء الذين رأوا فيه طاقة فنية استثنائية.
هو ابن سائق "فورمولا 1" السابق جوس فيرستابن، وابن صوفي كومبين التي اعتُبرت، ذات يوم، واحدة من أفضل سائقات الـ "كارتينغ" في العالم.
خضع ماكس لبرنامج تدريبي صارم من والده منذ سن الـ4. علّمه كيفية "الإحساس بالسيارة" ميكانيكياً، ورفض إعطاءه إعدادات جاهزة للمركبة، بل أجبره على فهم المشاكل التقنية بنفسه وشرحها للميكانيكيين منذ نعومة أظافره. هذا البناء المبكر منحه نضجاً هندسياً يفوق عمره.
في 2013، تُوج بطلاً للعالم في الفئة الأعلى من الـ"كارتينغ". وبعدها بسنة، انتقل إلى سباقات المقعد الأحادي في بطولة "فورمولا 3 الأوروبية" وهو في سن الـ16، إلى أن جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء. ففي سباق نوربورغرينغ 2014 في ألمانيا، وفي ظروف جوية ماطرة، فاز فيرستابن بـ6 سباقات متتالية. أسلوبه في القيادة وسط المطر، وقدرته على إيجاد خطوط تماسك حيث كان الآخرون ينزلقون، أرسلا إشارات صادمة لفرق "فورمولا 1" وأدرك الجميع أن "الفتى" يمتلك "إحساساً فيزيائياً" نادراً بالسيارة.
رقم قياسي
بعد أداء لافت في "فورمولا 3"، اشتعلت حرب الحصول على ماكس، وكانت الغلبة لـ"ريد بُل" التي تقدمت بعرض جريء تمثل في تصعيده مباشرةً إلى المقعد الأساسي في "فورمولا 1" مع الفريق التابع لها، "تورو روسو"، في 2015، متخطياً فئة "فورمولا 2".
وعندما خاض أول سباق في جائزة أستراليا الكبرى 2015، كان في الـ17 عاماً و166 يوماً، فاصبح أصغر سائق في تاريخ "فورمولا 1". رقم قياسي رغم أنّ الاتحاد الدولي قرر لاحقاً منع السائقين دون 18 عاماً من المشاركة.
في أول موسم له بسيارة متوسطة القوة، قام بتجاوزات على منعطفات مستحيلة، مثل تجاوزه الشهير للإسباني فرناندو ألونسو من الخارج في منعطف "بلانشيمونت" (بلجيكا) بسرعة تفوق 300 كلم/ساعة.
في 2016، وبعد ترقيته للفريق الأساسي (ريد بُل) في منتصف الموسم، فاز بأول سباق له في إسبانيا وهو في سن الـ 18، بعد صموده 20 لفة أمام ضغط بطل العالم السابق، الفنلندي كيمي رايكونن.
رأى الجميع في فيرستابن بطلاً مستقبلياً لأنه أثبت أنّ الموهبة والسرعة الفطرية قادرتان على كسر المفاهيم التقليدية بعدما دمج بين جرأة الشباب والتحليل التقني للسائقين الكبار.
الاستقرار الفوقي
بعد تتويجه باللقب 4 مرات، تحوّل فيرستابن إلى أحد رموز "فورمولا 1" وإن كان يتخلف بثلاثة ألقاب عن المتصدرَين، الألماني مايكل شوماخر والبريطاني لويس هاميلتون (7 لكل منهما).
تشير تحليلات فنية للبيانات إلى ركائز عدة يعتمد عليها أسلوبه، أبرزها القيادة على حافة "عدم الاستقرار الفوقي"، إذ توضح بيانات الاتصال والتحكم أنه يفضل سيارة ذات جزء أمامي حاد وقوي جداً وجزء خلفي غير مستقر. معظم السائقين يكرهون هذا الإعداد لأنه يتسبب في انزلاق الجزء الخلفي، لكن ماكس يستغله لتدوير السيارة بسرعة فائقة في منتصف المنعطف وتوجيه مقدمتها نحو الخروج قبل الآخرين.
ركيزة أخرى تتمثل في استغلاله 98% من الحد الأقصى للتماسك دون التسبب في قفل الإطارات أو إتلافها بشكل كارثي مقابل 95 في المئة لسائقي النخبة الآخرين.
من الكاميرا الأمامية لسيارته، تبدو القيادة سلسة، لكن بيانات المقود تظهر قيامه بمئات التصحيحات المجهرية في ثوانٍ للحفاظ على ثبات المركبة وهي تنزلق ببطء.
وتشير البيانات إلى قدرة ماكس على الكبح في نقطة مبكرة بشكل طفيف لكنه يضغط على دواسة الوقود في وقت أبكر بكثير من منافسيه، ما يكفل له سرعة خروج مرعبة تمنحه التفوق في الخطوط المستقيمة التالية.
قدرة خارقة
عند استبعاد عدد الألقاب والتركيز على المهارة الفنية والقدرة على تطويع التكنولوجيا أو التغلب على عيوب السيارة، يبرز 4 منافسين للهولندي تاريخياً، أولهم شوماخر "المبرمج الإنساني" الذي نقل "فورمولا 1" إلى العصر الحديث تقنياً وبدنياً. قدرة خارقة على القيادة بأساليب مختلفة تماماً مثل فيرستابن الذي كان يفضل، كما الألماني، سيارة ذات مقدمة حادة جداً. كما كان مايكل يقضي ساعات مع المهندسين لتطوير الأنظمة الإلكترونية والميكانيكية لسيارة فيراري، وهو ما يتشابه مع هوس فيرستابن بالقيادة والمحاكاة.
يبرز أيضاً البرازيلي أيرتون سينا، "ملك الإحساس المطلق بالتماسك" و"الموهبة الخام". اشتهر بتقنية الضغط المتقطع والسريع جداً على دواسة الوقود داخل المنعطفات. وفي الأجواء الماطرة، بدا الراحل سينا وكأنه يرى خطوط تماسك لا يراها غيره. فيرستابن أثبت مهارة مشابهة في المطر، ما يجعلهما الأقرب في إحساس التحكم عند انعدام الجاذبية والتصاق الإطارات.
المنافس الثالث هو هاميلتون، "ملك المرونة الفنية والكمال في المنعطفات". يمتاز بأسلوب كبح متأخر للغاية مع الحفاظ على خط هندسي مثالي يعتمد على إدخال أكبر قدر من السرعة إلى قلب المنعطف دون الإضرار بالإطارات الخلفية. قادر على تغيير أسلوب القيادة ليتناسب مع أجيال مختلفة من السيارات، بدءاً من تلك بمحركات V8 ذات الديناميكية الهوائية العالية إلى تلك الهجين V6 المعقدة وسيارات المؤثرات الأرضية الحديثة.
ولا ننسى "الحرباء الفنية" فرناندو ألونسو الذي اشتهر مع "رينو" بأسلوب قيادة عدواني يتعمد فيه إدارة المقود بعنف لإجبار الإطارات الأمامية على التماسك. ألونسو ينافس فيرستابن في قدرته الفنية على قراءة السباق واستخراج 100 في المئة من سيارة سيئة أو متوسطة.
معدلات الكفاءة
في 2023، حقق ماكس نسبة فوز بلغت 86.36 في المئة من سباقات الموسم (فاز بـ 19 سباقاً من أصل 22)، كاسراً رقماً قياسياً صمد قرابة 70 عاماً.
لكن بعيداً عن الأرقام، يركز المحللون على "معدلات الكفاءة" التي حققها في عصر يشهد منافسة شرسة، وقد أثبت قدرته على إنهاء السباقات دون أخطاء ميكانيكية أو بشرية لمواسم متتالية.
كانت قيادته "مستحيلة" تقنياً. سيارات "ريد بُل" الحديثة بُنيت لتكون سريعة جداً بيد أنّها غير مستقرة بتاتاً في جزئها الخلفي بيد أن ماكس يمتلك سرعة رد فعل عصبية تمكنه من موازنة الانزلاق وتحويله إلى سرعة دوران مرعبة داخل المنعطف. هو الوحيد القادر على ترويض سيارة يراها البقية "غير قابلة للقيادة".
يتميز الهولندي بإتقان "سباقات المحاكاة الرقمية الافتراضية"، ويعتبر ابن الجيل التكنولوجي الجديد، ويمتلك ميزة لم تكن متاحة لشوماخر أو سينا. يقضي ساعات في سباقات المحاكاة الرقمية الافتراضية مع فريقه الاحترافي حيث يختبر آلاف السيناريوهات ويتعلم كيفية التعامل مع التآكل الافتراضي للإطارات وتغير نسب الكبح بدقة. وعندما يدخل الحلبة الحقيقية، يكون عقله قد "بُرمج" بالفعل.
يُعتبر ماكس سائق "الظروف المستحيلة". الجميع يقود بسرعة عندما تكون السيارة مثالية والطقس مشمساً، بيد أن عبقريته تظهر عندما تفشل التكنولوجيا، أي في الأجواء الممطرة وعند حدوث مشاكل في علبة التروس أو نظام تصريف الطاقة. هو أسرع سائق في التاريخ يخرج من المرآب ويحقق زمناً قياسياً من اللفة الأولى.
من يعتبره الأفضل في التاريخ، لا ينظر إلى "كم بطولة لديه"، بل إلى ما يفعله خلف المقود، ويرى فيه "النسخة الفيزيائية المثالية للسائق" بعدما دمج بين سرعة سينا وانضباط شوماخر، وقدرة الهيمنة لدى هاميلتون، مع عقلية رقمية تواكب تكنولوجيا القرن الـ 21.
قد لا يتفق الجميع على اسم واحد، لكن المؤكد هو أن فيرستابن أعاد التعريف بمفهوم "القيادة المثالية" في العصر الحديث، وأثبت أن حدود ما يمكن للسيارة أن تفعله لا تحدده الآلة وحدها، بل أيضاً من يجلس داخل قمرة القيادة.



