أظهر الحمض النووي المستخرج من أسنان لإنسان النياندرتال عُثر عليها داخل كهف ستاينيا في جنوب بولندا أقدم مجموعة معروفة من إنسان النياندرتال تم العثور عليها على الإطلاق في وسط أوروبا، وفقاً لدراسة حديثة.
تحليل الحمض النووي
تم تحليل الحمض النووي المأخوذ من 8 من أصل 9 أسنان اكتُشفت في الموقع، ووجدت أن ما لا يقل عن 7 أفراد مختلفين من إنسان النياندرتال عاشوا في الموقع في وقت ما.
واستخدمت الدراسة التي نُشرت في مجلة Current Biology تقنية تقصير الفروع الجزيئية، وهي تقنية تحسب العمر بناءً على معدل تراكم الطفرات في الحمض النووي مع مرور الوقت.
وتمكّن الباحثون من تحديد أن الأفراد الـ7 جميعهم عاشوا تقريباً خلال المرحلة النظيرية البحرية الخامسة (MIS)، أي منذ حوالي 130 ألف إلى 71 ألف عام.
ولم يُستخدم في الدراسة التأريخ بالكربون المشع لأن الأسنان تعود إلى أكثر من 100 ألف عام.
وأوضحت الدراسة أن 3 من الأسنان، 2 تعودان لطفلين وواحدة لشخص بالغ، أُخذت من طبقات رسوبية مختلفة داخل الكهف، وأن جميعها تشترك في حمض نووي ميتوكوندري متطابق.
ووفقاً للدراسة، فإن العثور على حمض نووي متطابق في أسنان من طبقات رسوبية مختلفة يُظهر أن التربة داخل الكهف تعرضت لاضطرابات كبيرة على مر السنين.
قبل 100 ألف عام
وقال أندريا بيتشين، الأستاذ في جامعة بولونيا ومنسق البحث: "هذه نتيجة استثنائية لأنه، ولأول مرة، أصبح بإمكاننا ملاحظة مجموعة صغيرة تضم ما لا يقل عن 7 من إنسان النياندرتال من وسط وشرق أوروبا عاشوا قبل نحو 100 ألف عام".
وأضاف: "في معظم الحالات، تأتي البيانات الجينية الخاصة بإنسان النياندرتال من أحافير منفردة أو من بقايا متناثرة عبر مواقع وفترات مختلفة. أما في ستاينيا، فعلى النقيض، فقد أصبح من الممكن إعادة بناء مجموعة صغيرة من الأفراد، مما يوفر لأول مرة صورة جينية متماسكة لإنسان النياندرتال في هذا الجزء من أوروبا".
النتائج تتعارض مع دراسة عام 2024
أوضحت الدراسة أن الحمض النووي الذي تم تحديده من الأسنان في كهف ستاينيا ليس فريداً من نوعه في بولندا، بل يرتبط بمادة جينية عُثر عليها لدى إنسان النياندرتال في جنوب شرق فرنسا وشبه الجزيرة الأيبيرية ومنطقة القوقاز.
وبالإضافة إلى ذلك، أشارت الدراسة إلى أن نتائج كهف ستاينيا تتعارض مع نتائج دراسة أُجريت عام 2024 على أحد أفراد إنسان النياندرتال المعروف باسم "ثورين"، والذي اكتُشف في كهف ماندرين بجنوب فرنسا.
ووجد الباحثون أن الحمض النووي الميتوكوندري الخاص بثورين يضعه على الفرع نفسه من شجرة عائلة إنسان النياندرتال الذي ينتمي إليه الأفراد الذين عُثر على أسنانهم في الكهف البولندي، وهو ما يعني، باستخدام التأريخ الجزيئي، أنه عاش قبل نحو 100 ألف عام.
إلا أن دراسة عام 2024 استخدمت التأريخ بالكربون المشع وقدّرت عمر ثورين بما يتراوح تقريباً بين 42 ألفاً و50 ألف عام.
التعامل بحذر شديد
وشرحت ساهرا تالامو، الأستاذة في جامعة بولونيا والمنسقة المشاركة للدراسة: "تُعد دراستنا تذكيراً بأن أقدم التسلسلات الزمنية يجب التعامل معها بحذر شديد، فعندما تقترب قيم الكربون المشع من حد المعايرة، يصبح من الضروري عدم إضفاء دقة أكبر مما يمكن للبيانات أن تدعمه فعلياً."
وأضافت: "في مثل هذه الحالات، تصبح المقارنة بين علم الآثار والتأريخ بالكربون المشع وعلم الوراثة أمراً بالغ الأهمية".