وقال بوتين في تصريحات صحفية في 17 مارس الماضي: "سيحاول الغرب الاعتماد على ما يسمى بالطابور الخامس، على الخونة الوطنيّين، وعلى أولئك الذين يكسبون المال هنا معنا، ولكنهم يعيشون هناك.. وأعني العيش هناك ليس بالمعنى الجغرافيّ للكلمة، ولكن وفقًا لأفكارهم، ووعيهم الخاضع".
ما هو الطابور الخامس؟ ومتى ظهر؟ وما خطورته على أيّ دولة؟ تابع القراءة للتعرف إلى معلومات عن الطابور الخامس.
وما معنى الطابور الخامس؟
هو مجموعة سرية أو فصيل من العملاء التخريبيّين الذين يحاولون تقويض وحدة الأمة وإثارة الناس ضد حكوماتهم.
وبحسب الأستاذ مشارك في العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن، هاريس ميلوناس، فإنّ "الطابور الخامس" هم "جهات فاعلة محلية تعمل على تقويض المصلحة الوطنية، بالتعاون مع المنافسين الخارجيّين للدولة.
وقال ميلوناس إنّ أنشطة الطابور الخامس يمكن أن تكون علنية أو سرية، كما أنّ القوات التي تم جمعها سرًا يمكن أن تتجمع بشكل علنيّ للمساعدة في هجوم خارجي.
ويمكن أن تتضمن الأنشطة السرية لهذا التنظيم، أعمال تخريب أو تضليل أو تجسس يتم تنفيذها داخل خطوط الدفاع من قبل متعاطفين سرّيين مع قوة خارجي.
كيف يعمل الطابور الخامس؟
بطريقة تقليدية، يعمل الطابور الخامس من خلال التسلل إلى الأمة، وإدخال مؤيديه في مواقع الثقة والتأثير التدريجيّ على السياسة العامة والقضايا العسكرية. كما يمكن لعناصره أيضًا التأثير على شعب الأمة من خلال نشر الشائعات والخوف.
ومع ذلك، يمكن أيضًا استخدام فكرة "الطابور الخامس" لخلق الخوف وانعدام الثقة بين أبناء الأمة. في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، على سبيل المثال، حذرت صحيفة نيويورك بوست بشدة من وجود "طابور خامس" يعمل في الولايات المتحدة ويعمل على إسقاط البلاد.
وقالت الصحيفة: "مكتب التحقيقات الفدراليّ يبحث عن مئات الرجال داخل الولايات المتحدة يشتبه في قيامهم بدور في شبكة أسامة بن لادن الإرهابية. شبكة الدعم التي جعلت هجمات الأسبوع الماضي ممكنة هنا، مختبئة داخل المجتمعات العربية والإسلامية في الأحياء الأميركية. لأول مرة في التاريخ الأميركي، لدينا دليل قاطع على وجود طابور خامس مولود بالخارج خطير وفاعل في العمل على الأراضي الأميركية".
لم تكن "واشنطن بوست" أول من أصدر تحذيرات بشأن طابور خامس يعمل في الولايات المتحدة. قبل عقود، حذر الرئيس الأميركيّ فرانكلين ديلانو روزفلت، من وجود "طابور خامس" من المتعاطفين مع النازية، يعملون داخل الولايات المتحدة حيث كانوا، وقال إنهم يخططون للقيام بأعمال تجسس وتخريب.
متى ظهر مصطلح الطابور الخامس ؟ وما علاقته بالحرب العالمية الثانية؟
هو مطلح ظهر في الأدبيات السياسية والاجتماعية في ثلاثينات القرن الماضي أثناء الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936 و1939.
ويُنسب المصطلح إلى الجنرال الإسبانيّ إميليو مولا فيدال، قائد القوات الزاحفة نحو العاصمة مدريد، وكانت تتكون من 4 طوابير من العسكريّين، وقال فيدال وقتها إنه يوجد "طابور خامس" داخل المدينة، في إشارة إلى أنصاره المتشددين داخل العاصمة الذين سيعملون على تقويض الحكومة في الداخل.
بحلول أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما أصبحت مشاركة أميركا في الحرب في أوروبا أكثر احتمالية، واستُخدم هذا المصطلح بشكل شائع للتحذير من الفتنة المحتملة وعدم الولاء داخل حدود الولايات المتحدة.
وتفاقم الخوف من الخيانة مع الانهيار السريع لفرنسا في عام 1940، والذي ألقى البعض باللوم فيه على الضعف الداخليّ و"طابور خامس" مؤيد لألمانيا.
كما نشرت سلسلة من الصور في عدد يونيو 1940 من مجلة لايف حذرت من "علامات الطابور الخامس النازي في كل مكان".
في خطاب ألقاه أمام مجلس العموم في الشهر نفسه، طمأن ونستون تشرشل أعضاء البرلمان بأنّ "البرلمان منحنا الصلاحيات لإخماد أنشطة العمود الخامس بيد قوية".
في يوليو 1940، أشارت مجلة تايم إلى طابور خامس على أنه "ظاهرة قومية".
في أغسطس 1940، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز "موجة الخوف الأولى التي ولّدها نجاح الطابور الخامس في البلدان الأقل حظًا".
وشكلت منظمات الأقليات الألمانية في تشيكوسلوفاكيا فيلق "السوديت الألماني الحر"، الذي ساعد ألمانيا النازية. وزعم البعض أنهم كانوا "تشكيلات للدفاع عن النفس"، تم إنشاؤها في أعقاب الحرب العالمية الأولى ولا علاقة لها بالغزو الألمانيّ بعد عقدين من الزمان.
ما خطورة الطابور الخامس؟
يرى معهد كاتو، مركز أبحاث ليبراليّ أميركيّ مقره في واشنطن العاصمة، أنّ الخطر الحقيقيّ للطابور الخامس ليس الدمار والخراب الذي يسببه الخونة والعملاء السريون، بل الخوف والذعر الذي ينشرونه بين الناس.
وقال المعهد: "لم تسقط العاصمة مدريد أثناء الحرب الأهلية في أيدي القوميّين، لكنّ الخوف من هذا التنظيم دفع الحكومة الجمهورية برئاسة فرانسيسكو كاباليرو إلى التخلي عن مدريد والانتقال إلى فالنسيا، وأدى ذلك إلى مذبحة السجناء القوميّين في مدريد، خلال المعركة التي تلت ذلك. لذا فإنه ليس مجموعة خبيثة من الجواسيس أو الخونة، بقدر ما هو تهديد مثل هذه المجموعة الذي يتسبب في سوء تقدير السلطة الحالية والمبالغة في رد فعلها".
من المتوقع أن يشهد هذا الخطاب تصاعدًا ملحوظًا في الحملات الانتخابية المقبلة، ما سيخلف تداعيات سياسية بالغة الخطورة، ويهدد بتقويض الاستقرار الداخليّ والخارجي. ففي الولايات المتحدة، من شأن هذا الخطاب أن يقوّض الثقة المتبادلة بين مختلف الفئات المجتمعية، ويعمق حالة الاستقطاب، ويُضعف النسيج الوطني.
وعالميًا، قد يستغل أعداء الدول وجود الطابور الخامس لتأجيج الصراعات الداخلية، وزيادة التوتر بين الدول، بل وربما يؤدي إلى أعمال عنف واسعة النطاق، كما حدث في العديد من الصراعات التاريخية.
ما مدى انتشار فكرة الطابور الخامس في العالم؟
بحسب تقرير لمجلة فورين أفيرز الأميركية، فقد أصبح لقب الطابور الخامس منتشرًا في أغلب أماكن العالم.
وأشار التقرير إلى أنّ بعض الدول مثل البرازيل والصين والهند وإيران واليابان وتركيا، سعت إلى ممارسة نفوذها داخل الأنظمة الإقليمية غير المستقرة، من خلال دعم مجموعة قومية أو عرقية صديقة في دولة مجاورة تطمح إلى تقرير المصير أو الحكم الذاتي.
كانت هذه الديناميكيات واضحة في الدعم الإيرانيّ الفعليّ أو المشتبه به للحوثيّين في اليمن، والدعم الصينيّ لـ "وحدات الطابور الخامس" في تايوان.
كثيرًا ما يتهم السياسيون الغربيون روسيا بدعم الحلفاء الأيديولوجيّين في العديد من الدول الأوروبية، والصين، بشراء ولاء السياسيّين في أستراليا وكندا والولايات المتحدة بالمثل.
كيف يتم استخدام مصطلح الطابور الخامس لتشويه الأقليات؟
غالبًا ما تستخدم بعض الحكومات هذا المصطلح لتشويه بعض المجموعات العرقية أو الأقليات المحلية.
على سبيل المثال، صورت بعض الحركات اليمينية في أوروبا المسلمين الغربيّين على أنهم "طابور خامس"، يسعون بشكل جماعيّ لزعزعة استقرار هوية الدول الغربية وقيمها، لصالح حركة إسلامية دولية عازمة على إقامة خلافة في الدول الغربية.
بعد هجوم 2015 من قبل مسلمين فرنسيي المولد على مكاتب شارلي إبدو في باريس، قال زعيم حزب الاستقلال البريطانيّ نايجل فاراج، إنّ أوروبا لديها "طابور خامس يعيش داخل بلداننا".
كما حذر بعض اليساريين من أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يُنشئ "طابورًا خامسًا" في جميع أنحاء أوروبا.
وقالوا إنّ بوتين قد شكل تحالفات مع العديد من الأحزاب السياسية الأوروبية اليمينية المتطرفة وقادتها، الذين قدموا التزامًا ثابتًا بالمصالح الروسية حتى عندما يتعارض ذلك مع بعض مواقفهم السابقة.
وأضافوا أنّ "هذه الأحزاب اليمينية المتطرفة تستفيد من الأزمات الاقتصادية والأمنية في أوروبا، لبناء دعم شعبيّ والعمل الآن كطابور خامس يقوض النظام الليبراليّ الغربيّ من الداخل".
وقال سكوت رادينتز، الأستاذ المساعد في كلية الدراسات الدولية بجامعة واشنطن جاكسون، إنه يمكن أن تعرّض الأقليات والمجموعات العرقية للاضطهاد والتمييز لمجرد أنّ الحكومة ادعت وزعمت أنهم "طابور خامس".
وخلال السنوات الماضية، أظهر رجال أقوياء مثل بوتين وإردوغان وأوروبان، كيف يمكن أن يؤدي استخدام هذا الخطاب إلى نجاح انتخابيّ وتوحيد تحالفات الأغلبية حول التهديدات الثقافية والأمنية المتصورة.
ولكنّ المثير للعجب بطريقة مثيرة أنّ بعض الأحزاب في الديمقراطيات القديمة قد تبنت تكتيكات ممثلة لحشد الناخبين، على سبيل المثال ما تقوم به الأحزاب اليمينية المتطرفة من تصوير الإسلام والمسلمين كتهديد وجوديّ لأسلوب الحياة الفرنسي.
كيفية التعامل مع انتشار سياسة الطابور الخامس؟
ويرى المحللون أنه استمرت الأوضاع والاتجاهات السياسية العالمية بهذا الشكل، ستصبح سياسة الطابور الخامس سمة مميزة للجغرافيا السياسية والدبلوماسية في العالم كله.
ولهذا طالبت مجلة فورين أفيرز العلماء وممارسي حل النزاعات، بالاهتمام بسياسية وحملات حرب الطابور الخامس، ومحاولة فهم كيف يمكن أن يؤدي تزامن الأزمات الدولية مثل الحروب مع الاحتقان الداخليّ الناجم عن الدعاية ضد الطابور الخامس إلى عواقب وخيمة.
وتطالب المجلة أن يدرك صانعو السياسات ذوي النوايا الحسنة كيف يمكن أن تؤدي خطاباتهم عن المشكلات الأمنية إلى تزايد مشكلات الأقليات والفئات المهمشة.
وشددت على ضرورة وضع المنظمات الدولية أنظمة إنذار مبكّر لتتبع اتهامات الطابور الخامس. ويجب أن تعاقب أيّ زعيم يستخدم الخطابات السياسية التي تعتمد على الطابور الخامس لتأجيج الكراهية ضد طائفة معينة أو فئة من السكان.
وتؤكد المجلة أنه إذا نجحت هذه السياسات البغيضة في نشر الكراهية والعنف ضد جزء من الشعب، فإنّ العمل على فضح هذه الاستراتيجية والرد عليها قد يسهل من أضرارها وخطورتها.