كشف مسبار "باركر" الشمسي التابع لوكالة ناسا عن نمط مغناطيسي غير متوقع داخل الرياح الشمسية، في اكتشاف قد يساعد العلماء على فهم طبيعة الاضطرابات المغناطيسية التي تحدث مع تدفق الجسيمات المشحونة من الشمس، وآليات انتقال الطاقة داخلها.
بنية مغناطيسية
وأظهرت بيانات المسبار أن المجال المغناطيسي للرياح الشمسية يلتف في اتجاه معين عند مقياس محدد من التموجات، ثم ينعكس اتجاه التفافه عند تموجات أصغر بنحو النصف، بما يكشف عن بنية منظمة وسط الاضطرابات التي طالما بدت عشوائية.
وقاد ماساتومي إيزاوا، من جامعة براونشفايغ التقنية، الدراسة بالتعاون مع نوبوميتسو يوكوي من جامعة طوكيو، وباحثين من 10 دول، بينهم ستيوارت بيل من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، المسؤول عن الجهاز الذي جمع القياسات.
وقال إيزاوا إن البيانات كشفت عن بنية واضحة في الطيف المغناطيسي، رغم أن الاضطرابات التي تتسم بها الرياح الشمسية تبدو في ظاهرها غير منتظمة.
وتُعرف خاصية دوران المجال المغناطيسي أثناء انتقاله في الغاز بمصطلح "الهليسية المغناطيسية" (Magnetic Helicity)، وهي تصف اتجاه التفاف المجال، سواء مع عقارب الساعة أو عكسها، مقارنة باتجاه حركة الغاز.
ولم يتمكن العلماء، منذ ثمانينيات القرن الماضي، من رصد نمط واضح لهذه الخاصية في التموجات الكبيرة والبطيئة للرياح الشمسية، إذ ظهرت اتجاهات الالتواء بنسب متقاربة، بما يعكس سلوكا يبدو عشوائيا.
لكن القياسات التي جمعها مسبار "باركر" بين أواخر سبتمبر ونوفمبر 2021 أظهرت وجود قمتين مغناطيسيتين واضحتين عند الاقتراب من الشمس؛ الأولى عند تردد 10 تموجات في الثانية، والثانية عند 20 تموجا في الثانية، مع اختلاف اتجاه الالتواء بينهما.
ويشير هذا التباين إلى وجود بنية مغناطيسية منظمة تُعرف باسم "البنية ثنائية الحلزون" (Bihelical Structure)، وهي ظاهرة تنبأت بها النظريات الفيزيائية، لكن رصدها المباشر ظل محدودا.
تمدد الرياح الشمسية
ولم يقتصر الاكتشاف على رصد البنية المغناطيسية، إذ أظهرت مقارنة القياسات المأخوذة على مسافات مختلفة من الشمس أن القمتين انتقلتا تدريجيا نحو ترددات أقل، بما يشير إلى ازدياد حجم البنى المغناطيسية مع ابتعادها عن الشمس.
واستمر هذا التغير حتى مسافة تعادل نحو 0.4 من المسافة بين الأرض والشمس، لكنه جاء بمعدل أسرع مما يمكن تفسيره بتمدد الغاز أثناء انتقاله في الفضاء.
واعتبر الفريق أن هذه النتائج تشير إلى أن التفاعلات بين مقاييس مختلفة داخل البلازما، وليس الظروف المحلية وحدها، قد تكون وراء تطور البنية المغناطيسية، واصفاً هذه الظاهرة بأنها سلوك "غير محلي".
انتقال الطاقة
وتكتسب النتائج أهمية إضافية في ضوء نظرية علمية تفترض أن الالتواء المغناطيسي قد يعطل سلسلة انتقال الطاقة داخل الاضطرابات، عند الحد الفاصل بين السلوك السائل والسلوك الجسيمي للبلازما، ما يؤدي إلى تراكم الطاقة ودفعها نحو مقاييس أكبر بدلا من استمرار انتقالها إلى المقاييس الأصغر وتحولها إلى حرارة.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآلية قد يسهم في تطوير النماذج العلمية التي تفسر سلوك الرياح الشمسية وتفاعلاتها مع البيئة المغناطيسية للأرض.
ورغم أهمية النتائج، فإن الدراسة تشير إلى قيود في عملية الرصد؛ إذ بدأت القمتان المغناطيسيتان في التلاشي عندما تجاوز المسبار مسافة تعادل نحو نصف المسافة بين الأرض والشمس.
ويرجح الباحثون أن يكون عبور المسبار طبقة التيار الفاصل بين نصفي المجال المغناطيسي للشمس قد أسهم في اضطراب هذه البنية، لكنهم لا يستبعدون أن يكون اختفاؤها مرتبطا بمسار المسبار نفسه.
كما أن القياسات التي يجمعها مسبار واحد تقتصر على نقطة محددة في الفضاء، ولا تكشف البنية المغناطيسية ثلاثية الأبعاد بصورة كاملة. ولم يتمكن الفريق كذلك من رصد انتقال الطاقة مباشرة، بسبب محدودية سرعة أجهزة قياس الجسيمات مقارنة بأجهزة رصد المجالات المغناطيسية.
ويقترح الباحثون الاستعانة بمركبة "سولار أوربيتر" الأوروبية، التي تستطيع التحليق فوق مستوى مدارات الكواكب وتحته، للتحقق مما إذا كان اختفاء النمط المغناطيسي ظاهرة فعلية أم نتيجة مرتبطة بمسار مسبار "باركر".



