في بلد تتبدل فيه الملامح بسرعة تفوق قدرة الناس على التكيّف، يصبح الفن أكثر من مجرد مساحة عرض؛ يتحول إلى موقف، وإلى شكل من أشكال البقاء. في لبنان، حيث تتداخل السياسة بالحياة اليومية، وحيث لا تنفصل الأزمات عن التفاصيل الصغيرة للناس، يظل المسرح أحد آخر المساحات التي يمكن أن تقال فيها الحقيقة بوجه خفيف أحيانًا، وبوجع عميق أحيانًا أخرى.
من هذا السياق تحديدًا، تولد مسرحية حَنّة، التي تعيد طرح أسئلة الهوية والإنسان والذاكرة، ولكن من زاوية ساخرة تكشف أكثر مما تُخفي. وبين الضحك والمرارة، تقف الممثلة اللبنانية ندى أبو فرحات لتقدّم عملا لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يفتح بابا للتأمل في معنى الاستمرار نفسه.
وفي حوار خاص لمنصة "المشهد"، تتحدث ندي أبو فرحات عن علاقتها بالنص، وعن الكوميديا كوسيلة لمواجهة الألم، وعن الفن كفعل مقاومة يومي في وجه واقع لا يمنح الكثير من اليقين، كما توجه رسالة مؤثرة إلى شعبها.

مسرحية "حنة" تنطلق من فكرة فقدان الهوية… هل ترين أن هذا الضياع فردي أم أنه انعكاس لحالة جماعية؟
ليس فقط في لبنان بل في العالم كله. هناك من يتخلى عن هويته، وهناك من يتمسك بها. وهناك من يحمي نفسه ويختبئ خلف أقنعة مختلفة حسب المجتمع الذي ينتمي إليه.
لكن السؤال الأهم: ما هي الهوية أصلًا؟ أهي التي تُعطى لنا عند الولادة، أم التي نخلقها نحن بوعي؟
ما الذي حمسك لتقديم هذه المسرحية وكيف جاءت فكرتها؟
النص والشخصية ونوع الكوميديا التي اختارها الكاتب كانت أسبابًا كافية لقبولي من دون تردد. ما جذبني هو القدرة على نقل واقع مؤلم يعيشه الناس، لكن بخفة وبساطة داخل حبكة مدروسة. والأجمل أن الشخصيات مكتوبة بطريقة تسمح للممثل أن يبتكر ويخلق تفاصيل جديدة، وهذا ما حدث معي فعلًا.
تؤدين شخصية امرأة مسنة تتظاهر بالخرف… كيف كان التحضير لها؟
سبق أن لعبت دور امرأة عجوز في مسرحية "أسرار الست بديعة"، لكن التحدي في "حَنّة" كان أن أخلق شخصية مختلفة تمامًا، ركزت على جعلها تجربة جديدة كليًا في الصوت والجسد والانفعالات، والعلاقة مع باقي الشخصيات ساعدت أيضًا في بناء ملامحها بشكل أعمق.

هل اكتشفت شيئا جديدا عن نفسك كممثلة من خلال هذا الدور؟
نعم، التحدي الحقيقي كان في خلق عجوز جديدة بالكامل، مختلفة عن أي تجربة سابقة. هذا الدور جعلني أستكشف أدواتي التمثيلية بشكل أوسع، سواء في الصوت أو الحركة أو التفاعل مع الآخرين على الخشبة.
كيف ترين تقديم الوجع من خلال الإضحاك؟
الكوميديا من داخل الألم هي أهم طريقة لتجاوزه.نحن نعيش في لبنان ظروفًا صعبة منذ سنوات طويلة، لذلك أصبح الضحك وسيلة للبقاء وليس مجرد ترف.الفن بالنسبة لي مساحة حرية، أعبّر فيها عن شعور بلد كامل بطريقة غير مباشرة، لكن مؤثرة.

وما الرسالة التي توجهينها لبلدك لبنان وشعبه؟
عشقي للبنان يمنحني الصبر والقدرة على النهوض بعد كل انهيار. الأمل موجود دائمًا، وهو المحرك الأساسي للاستمرار.نحن نواجه الخوف وعدم الاستقرار، لكن القوة تُبنى بالعلم والثقافة والفن وجمال الحياة.
هل تعتبرين الاستمرار في التمثيل نوعًا من المقاومة؟
نعم، رفضي مغادرة هذا الوطن هو مقاومة بحد ذاته. كل يوم نعيشه في هذه الظروف هو شكل من أشكال المقاومة. الفن يغذي الممثلة في داخلي، ويجعل الطريق الصعب أكثر معنى.

هل تفكرين في نقل تجربتك خارج لبنان؟
طبعًا، مثل معظم أعمالي السابقة.هناك تعطش كبير للأعمال اللبنانية في الخارج، سواء لدى المغتربين أو حتى الأجانب، خصوصًا في المسرح والسينما.
ماذا عن مشاريعك القادمة؟ وهل من الممكن أن نراك في الدراما المصرية؟
أعمل على مشاريع عدة وأنتظر الوقت المناسب للإعلان عنها. أما في مصر، فقد سبق أن خضت تجربة مع مخرجين مصريين وكانت تجربة ممتعة جدًا، وأنا منفتحة للعودة متى سنحت الفرصة المناسبة.