يقدّر علماء الآثار أنّ الطفل كان بين 5 و7 سنوات عند الوفاة، وأنّ الاحتياطات الموجودة في دفنه، هي احتياطات ضد مصّاصي الدماء.
تم العثور على البقايا على بعد أمتار قليلة من الهيكل العظمي لامرأة "مصّاصة دماء"، اكتُشفت العام الماضي، ودُفنت في الوقت نفسه تقريبا، بمنجل فوق رقبتها وقفل مشابه على قدمها.
وفقا للتقاليد في ذلك الوقت، كانت هذه الأقفال تهدف إلى تأمين جثة في قبرها، ووفقا لداريوش بولينسكي، عالم الآثار بجامعة نيكولاس كوبرنيكوس في تورون، فإنّ وجود القفل يوضح أنّ الناس كانوا يخافون من تلك الجثث بعد وفاتها. والآن، لا بد لنا أن نتساءل: هل مصّاصو الدماء حقيقة؟
بداية مصاصي الدماء
سمات مصّاصي الدماء المعاصرين راسخة بشكل جيد. لديهم أنياب، يشربون دم الإنسان، ولا يمكنهم رؤية أنفسهم في المرايا، ويمكن دحرهم بالثوم. لكنّ مصّاصي الدماء لم يبدأوا بشكل واضح. يشك العلماء في أنّ المفهوم الحديث لمصاصي الدماء، قد تطوّر من معتقدات تقليدية مختلفة كانت موجودة في جميع أنحاء أوروبا. تركزت هذه المعتقدات حول الخوف من أنّ الموتى، بمجرد دفنهم، يمكن أن يؤذوا الأحياء.
في كثير من الأحيان، نشأت هذه الأساطير من سوء فهم لكيفية تحلل الأجسام. عندما يتقلص جلد الجثة، يمكن أن يبدو أنّ أسنانها وأظافرها قد نمت لفترة أطول. وعندما تتحلل الأعضاء الداخلية، يمكن أن يتسرب سائل داكن من الأنف والفم. قد يفسر الأشخاص غير المعتادين على هذه العملية هذا السائل، على أنه دم، ويشتبهون في أنّ الجثة كانت تشربه من الأحياء.
لم تكن الجثث الملطخة بالدماء هي السبب الوحيد للشك. قبل أن يفهم الناس كيف تنتشر أمراض معيّنة، كانوا يتخيّلون أحيانا أنّ مصاصي الدماء يقفون وراء القوى غير المرئية التي تدمر مجتمعاتهم ببطء.
وبسبب هذا، تميل مخاوف مصّاصي الدماء إلى التزامن مع تفشّي الطاعون. في عام 2006، اكتشف علماء الآثار جمجمة تعود للقرن السادس عشر في البندقية، إيطاليا، كانت مدفونة بين ضحايا الطاعون، مع وجود لبنة في فمها. كان من المحتمل أن يكون الطوب أسلوب دفن لمنع مصاصي دماء أو ساحرات إيطاليين، من مغادرة القبر لأكل الناس.
استمرت حكايات مصاصي الدماء في الازدهار في دول جنوب وشرق أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ما أثار استياء بعض القادة. بحلول منتصف القرن الثامن عشر، أعلن البابا بنديكتوس الرابع عشر، أنّ مصاصي الدماء "خيالات خادعة للخيال البشري"، وأدان حاكم هابسبيرغ ماريا تيريزا، معتقدات مصاصي الدماء ووصفها بأنها "خرافات وتزوير".
ومع ذلك، استمرت جهود مكافحة مصاصي الدماء. يقدّر المؤلف الفلكلوري مايكل بيل، أنّ هناك 60 مثالا معروفا لطقوس مناهضة مصاصي الدماء في نيو إنغلاند، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والعديد من الأمثلة الأخرى في أماكن أخرى من البلاد.
تلاشى ذعر مصاصي الدماء في القرن العشرين، حيث حلت هذه الوحوش الخيالية محل المعتقدات الشعبية، ومع تحسن المعرفة الطبية.
هل مصاصو الدماء حقيقة؟
الإجابة المختصرة هي لا.
في العديد من الأساطير والقصص، يُنظر إلى مصاص الدماء على أنه مرض ينتشر من مصاص دماء إلى ضحية مع كل لدغة، لذلك ربما لا يكون من المفاجئ معرفة أنّ الأصل المحتمل لوجود مصاص الدماء، هو مرض واقعي بحدّ ذاته.
السبب الأكثر ترجيحا هو مرض في الدم يسمى البورفيريا. البورفيريا هو اسم لمجموعة من الأمراض التي لا تزال موجودة حتى اليوم، وعلى الرغم من عدم وجود علاج معروف حتى الآن، فإنّ علاجها وتشخيصها أفضل بكثير الآن مما كان عليه في العصور الوسطى.
يصف البورفيريا مشكلة في كيفية إنتاج الكبد ونخاع العظام "الهيم"، وهي مادة تشكل جزءا من الهيموغلوبين في الدم الذي يحمل الأكسجين في جميع أنحاء الجسم. بالعودة إلى العصور الوسطى، قبل أن يُعرف أيٌّ من هذا، كانت التفسيرات الخارقة للطبيعة تُعطى غالبا لأشياء لم تكن مفهومة جيدا.
أحد الأعراض الرئيسية لنوع معين من البورفيريا، هي الحساسية للضوء. لن يشعر المريض فقط بالألم عند تعرّضه لأشعة الشمس، وبالتالي يريد الابتعاد عنه جيدا، بل غالبا ما يتحول لون بشرته إلى اللون الأسود سريعا تحت أشعة الشمس أيضا، وهو أحد السمات المشهورة عن مصاصي الدماء.
غالبا ما تسبب البورفيريا في حدوث تشوّه، ما يدفع المرضى إلى تجنّب المرايا بأيّ ثمن، وبما أنّ الثوم يحتوي على الكبريت الذي يمكن أن يؤدي إلى هجوم مؤلم للغاية من البورفيريا، فإنهم عموما يبتعدون عن الثوم أيضا. أضف إلى ذلك، حقيقة أنّ انحسار اللثة (وكذلك الأسنان المكشوفة أكثر) هو عرض آخر لهجمات متكررة من المرض.
عند وضع جميع هذه الأعراض معًا، تنشأ صورة ذهنية مشابهة تماما للصورة المنتشرة عن مصاصي الدماء.
لكن ماذا عن الدم؟ هذا جزء كبير من أسطورة مصاص الدماء، فهل يمكن ربط ذلك بالبورفيريا أيضا؟ في الواقع نعم، فأول ارتباط هنا، هو أنّ بول مرضى البورفيريا غالبا ما يكون لونه أحمر غامقا، ما دفع البعض للاعتقاد بأنه لا بد أنهم كانوا يشربون الدم لتحقيق ذلك. بالإضافة إلى ذلك، نظرا لأنّ البورفيريا ناتجة عن مشكلة في دم شخص ما، فقد اقترح بعض الأطباء في العصور الوسطى، أنه يجب على المرضى بالفعل شرب الدم لتعويض ما ينقص من دمائهم. كان هذا بالطبع دماءً حيوانية، لكنّ الأمر استغرق فقط من السكان المحليين سماع الاقتراح أو رؤية الدم يُسحب إلى المنزل، حتى تبدأ القيل والقال بالانتشار كالنار في الهشيم.
إذن، الكائنات التي تشرب الدم، لا تخرج إلا في الليل وتحترق بأشعة الشمس، لديها أنياب بارزة، وتتجنّب المرايا والثوم بأيّ ثمن؟ يبدو كل شيء إلى حدّ ما مصّاص دماء، أليس كذلك؟ وحول هذا "المرض" الغامض، فليس من المستغرب أن تصبح الحكايات خيالية وخارقة للطبيعة بمرور الوقت، وسقطت في الفولكلور، فقط ليتمّ التقاطها مرة أخرى بعد قرون، من قبل مؤلف يبحث عن فكرة لكتاب.
في النهاية، في حين أنّ مصاصي الدماء قد لا يكونون موجودين، فإنّ المرض الذي قد يكون سبب وجود الأسطورة في المقام الأول، موجود بالتأكيد. لكن لحسن الحظ، يعرف الاطباء الآن ما يكفي عن البورفيريا لعلاجها، لذلك ليست هناك حاجة للهرب بالصراخ بعيدا عن أيّ شخص مصاب بهذا المرض.