استعاد الصحفي السوري هادي العبدالله محطات قاسية من حياته خلال حواره مع الإعلامية هبة حيدري في برنامج "منا وفينا"، عبر قناة ومنصة "المشهد"، كاشفًا تفاصيل لم يتحدث عنها سابقًا، بدءًا من هويته الحقيقية ورحلته من دراسة التمريض إلى العمل الإعلامي، مرورًا بمواجهته نظام بشار الأسد و"حزب الله".
من محمد إلى هادي.. كيف غيّرت الثورة مسار حياته؟
لم يكن العمل الصحفي ضمن أحلام هادي العبدالله قبل اندلاع الثورة السورية. فقد وُلد باسم محمد في مدينة القصير بريف حمص، ونشأ في بيئة بسيطة، وكان يطمح إلى استكمال دراسته العليا والعمل في المجال الأكاديمي.
درس هادي العبدالله التمريض، وتخصص في العناية المركزة، وحصل على ترتيب متقدم في كليته، ثم عُيّن معيدًا مع بداية عام 2011، استعدادًا لاستكمال الماجستير والدكتوراه.
لكن الثورة قلبت خططه رأسًا على عقب. وشارك هادي العبدالله في المظاهرات الأولى بحمص، ومنها مظاهرة 25 مارس 2011 في ساحة الساعة، التي شهدت إطلاق النار وملاحقة المتظاهرين واعتقال عدد منهم.
وروى كيف اعتقد، في لحظة من اللحظات، أن الحراك في حمص انتهى قبل أن يبدأ، قبل أن تتوافد مجموعات كبيرة من المتظاهرين إلى الساحة، في مشهد أعاد إليه الأمل.
وقال عن تلك التجربة: "عمري ما كنت متخيل إني أبقى شخص إعلامي؛ ده ما كانش شغلي، ولا حلمي، ولا أسلوبي، وما كانش يعجبني". إلا أن رغبته في إيصال ما حدث إلى العالم دفعته إلى إرسال رسالة عبر قناة الجزيرة مباشر، يخبر فيها عن سقوط شهداء وجرحى في المظاهرة.
وعندما ظهرت الرسالة على الشاشة، شعر بأنه حقق شيئًا مهمًا، لأن ما جرى لم يعد حبيس شوارع حمص.
ومع تطور الأحداث، بدأ المشاركة في التغطيات الإعلامية، مستخدمًا أسماء مستعارة لحماية نفسه وعائلته.
واختار اسم "عبد الرحمن"، ثم "سمير فتحي"، قبل أن يظهر باسم "هادي العبدالله". ولم يكن تغيير الأسماء مجرد حيلة إعلامية، بل وسيلة لتجنب الملاحقة الأمنية، خصوصًا بعدما بدأ النظام يتتبع الأشخاص الذين ينقلون أخبار الاحتجاجات.
وكشف أن والدته كانت الوحيدة التي تعرف حقيقة عمله في البداية، وكانت تحرس باب غرفته أثناء مداخلاته التلفزيونية حتى لا يكتشف أحد هويته.
أما والده، فأخبره بالحقيقة لاحقًا، بعدما قرر الظهور بالصوت والصورة عام 2012، رغم إدراكه أن الخطوة قد تعرض الأسرة للخطر.
العالم كله لازم يعرف.. توثيق المجازر ومواجهة النسيان
تحولت الكاميرا بالنسبة إلى هادي العبدالله إلى وسيلة لمواجهة محاولات طمس ما يجري في سوريا.
وخلال الحوار، تحدث عن مجازر كثيرة لم يتمكن من الوصول إلى مواقعها أو توثيقها، بسبب الحصار والقيود الأمنية، مشيرًا إلى أن بعض القصص بقيت خارج عدسات الصحفيين رغم فداحة ما حدث فيها.
واستعاد جانبًا من تغطيته لحي باب عمرو في حمص، حيث كان القصف وتدمير المنازل وسقوط الضحايا يتكرر يوميًا، حتى باتت المأساة، بحسب وصفه، خبرًا عاديًا لدى قطاعات من الجمهور.
وقال في إحدى مداخلاته القديمة التي استعادها البرنامج: "بس العالم كله لازم يعرف اللي بيصير لهم"، رافضًا أن تتحول مشاهد الموت والدمار إلى تفاصيل اعتيادية يفقد الناس حساسيتهم تجاهها.
ولم تكن التغطية بالنسبة إليه مجرد نقل للأحداث؛ إذ تحدث عن عجزه أحيانًا عن مواصلة التصوير عندما يرى الأطفال بين الضحايا أو يشاهد آباء وأمهات يودعون أبناءهم. وأوضح أن الأبوة جعلته أكثر تأثرًا بهذه المشاهد، وأنه كان ينهار من التعب والألم بعد الانتهاء من بعض التغطيات.
وأضاف أن الصحفي قد يصور المأساة ثم ينتقل إلى قصة أخرى بعد أيام، بينما تظل العائلات تعيش الفقد كل يوم.
مواجهة حزب الله.. الفيديو الذي كشف التدخل في سوريا
من أبرز المحطات التي توقف عندها الحوار إصرار هادي العبدالله على توثيق مشاركة حزب الله في القتال داخل سوريا، وهي قضية قال إنها عرّضته لتهديدات مباشرة.
وأوضح أنه كان يحاول إثبات ما يراه على الأرض بالأدلة المصورة، بدل الاكتفاء بالشهادات، حتى يتمكن من مواجهة النفي الإعلامي لتدخل الحزب.
وروى أنه حصل، بمساعدة مقاتلين من الجيش السوري الحر، على مقطع يوثق جثة مقاتل تابع للحزب، ثم عمل على التحقق من هويته عبر المعلومات التي عثروا عليها والتواصل مع أسرته.
وبحسب روايته، تبيّن أن المقاتل هو حسين صلاح حبيب، المعروف باسم "أبو علي رضا"، وأنه كان قائدًا في الحزب.
بعد انتشار الخبر، تلقى هادي العبدالله اتصالات تطالبه بعدم نشر الفيديو، وتحدث عن عروض مالية وإمكانية تأمين اللجوء له ولأفراد من عائلته مقابل التخلي عن نشره. لكنه رفض تلك العروض، مؤكدًا أنه لا يريد مغادرة بلده، وأن هدفه كان وقف التدخل الذي يراه سببًا في معاناة السوريين.
وقال إن التهديدات لم تثنه عن قراره، بل زادت تمسكه بنشر المادة المصورة، معتبرًا أن توثيق الحقيقة أهم من المكاسب الشخصية.
وأشار إلى أن نشر الفيديو أثار ضجة إعلامية واسعة، وأن قيادة حزب الله أقرت لاحقًا بمشاركة مقاتليها في سوريا.
غير أن المواجهة، وفق شهادته، لم تتوقف عند التهديدات. فقد تحدث عن نزوح أسرته من القصير، واعتقال والده في لبنان وتعذيبه بسبب صلته به، إلى جانب فقدان أصدقاء وأقارب وتعرض أفراد من عائلته للإصابة.
وقال إن ما آلمه بشدة أن والده عوقب على فعل لم يرتكبه، موضحًا أن "جريمته الوحيدة إنه أبو عبد الله، وهذا كل شي".
محاولة اغتيال وفقدان خالد.. جراح لم تلتئم
لم تقتصر خسائر هادي العبدالله على ما عاشه في التغطيات الميدانية. فقد استعاد خلال اللقاء محاولة اغتياله في حلب عام 2016، عندما انفجرت عبوة ناسفة عند مدخل المبنى الذي كان يسكنه. وكان برفقة رفيقه خالد، الذي استُشهد في الانفجار، بينما أُصيب هادي العبدالله بجروح خطيرة، وبقي نحو 35 دقيقة تحت الأنقاض.
وأوضح أنه خضع لعمليات جراحية وعلاج استمر أشهرًا، وأن إصابة ساقه خلّفت فقدانًا في العظم وعجزًا استمر حتى وقت الحوار. لكن الجرح الأعمق، كما وصفه، كان فقدان خالد، الذي جمعته به علاقة وثيقة وشراكة في العمل والتغطية.
وقال عنه: "خالد كان شخص طبيعيًا نظيف القلب. ممكن يحول أي وجع لنكتة وضحكة"، مؤكدًا أن خسارته قسمت حياته إلى مرحلتين: ما قبل خالد وما بعده.
واعترف بأنه أصبح أكثر خوفًا من فقدان الأشخاص الذين يحبهم، وأن التجارب التي عاشها تركت آثارًا نفسية لا يشعر بالخجل من الاعتراف بها.
سقوط الأسد.. نصر لا ينهي مسؤولية السوريين
عندما سقط نظام بشار الأسد، كان العبدالله في حمص، المدينة التي شهدت بدايات رحلته مع الثورة والعمل الإعلامي. وروى أنه تابع تطورات الأحداث لحظة بلحظة، قبل أن يدرك أن النظام الذي اعتقد كثيرون أنه لن يسقط قد انهار بالفعل. وكان وصوله إلى ساحة الساعة في حمص، وسط فرحة الناس، لحظة استثنائية بالنسبة إليه، لأن المكان ارتبط بذكريات المظاهرات الأولى والدماء التي سقطت فيها.
ورغم هذا التحول، لم يتحدث هادي العبدالله عن سوريا بوصفها تجاوزت كل أزماتها. بل أكد أن سقوط النظام يمثل بداية طريق طويل، وأن الحفاظ على النصر يتطلب مسؤولية سياسية واجتماعية، ومواجهة التحريض الطائفي والانقسام، بدل إعادة إنتاج الصراعات التي أنهكت البلاد.
وأوضح أنه لا يطمح إلى منصب سياسي، وأنه يفضّل الاحتفاظ بصوته المستقل، كاشفًا أن البرلمان عُرض عليه لكنه لم يرغب في تولي المنصب، لأنه يخشى أن تحد المسؤولية الرسمية من قدرته على انتقاد الأخطاء.
كما عبّر عن رغبته في العودة إلى حياته البسيطة واستكمال حلمه القديم في الدراسة، قائلًا إنه يتمنى العودة إلى الجامعة ومتابعة الماجستير والدكتوراه.
وفي رسالته الأخيرة، دعا السوريين إلى التمسك ببلدهم رغم اختلافاتهم، والتمييز بين الاعتراض على الحكومة ومعاداة الوطن. وقال: "اللي بده يعارض الحكومة، يبعد يعارضها. هيدا حقكم"، لكنه شدد على أن الخلافات السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للاستعانة بأعداء البلاد أو تهديد وحدتها.
واختتم هادي العبدالله حديثه بالتعبير عن أمله في أن يعيش الأطفال السوريون حياة مختلفة عن تلك التي عاشها جيله، بعيدًا عن الخوف والإهانة وفقدان الأحبة.



