انتشرت في سماء بغداد، يوم أمس الاثنين، السُحب الصفراء المحمّلة برائحة غاز الكبريت، التي يشتكى منها سكان العاصمة منذ عدة أشهر، إلا أنه ورغم المحاولات الرسمية للحد منها، إلا أن الجهود الحكومية لم ترق إلى مرحلة التقليل من تلوث الهواء.
ويعاني سكان بغداد، من انتشار رائحة الكبريت بين الحين والآخر، التي تختلط بالهواء لتنتج رائحة تشبه رائحة البيض الفاسد، ويؤثر استنشاقها بشكل مباشر على الجهاز التنفسي، كما يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض التنفسية الخطيرة.
ونتيجة لتكرار انتشار رائحة الكبريت المصحوبة بالسُحب الصفراء في سماء العاصمة، وجه رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، بداية شهر أكتوبر الماضي، بتشكيل لجنة متخصصة لدراسة حالة التلوث وتكرار انبعاث رائحة الكبريت في بغداد والمحافظات المجاورة، وبيان أسبابها ومعالجتها.
ورغم أن اللجنة باشرت أعمالها وأصدرت بيانها، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء فوري لوقف انتشار رائحة الكبريت في بغداد، ما دفع ناشطين بيئيين للمطالبة بإيجاد حلول سريعة لوقف الأنشطة النفطية التي تؤدي إلى تلوث الهواء وانتشار رائحة الكبريت في الأحياء المكتظة بالسكان في بغداد.
مخلّفات النفط
ويقول المتنبئ الجوي صادق عطية، لمنصة "المشهد" إن ظاهرة انتشار غازات الكبريت في سماء بغداد أسبابها كثيرة، إلا أن السبب الرئيسي هو انتشار المعامل العشوائية التي تستخدم مخلّفات النفط (النفط الأسود)، بالتالي عندما تسكن الرياح أو تتحول إلى جنوبية شرقية، تتركز هذه الملوثات قرب سطح الأرض وتزداد كثافتها، ولأن معظم المعامل النفطية تنتشر جنوب شرق بغداد، أي سكون للرياح سيركز هذه الروائح في سماء العاصمة.
ويؤكد عطية، أن انتشار غازات الكبريت في الهواء، يؤدي لأضرار جسيمة على البيئة في مقدمتها النباتات والحيوانات، إضافة إلى أن الأمطار الحمضية التي تنتج عن وجود أكاسيد النتروز والكبريت أسفل هذه السُحب، إذاً أي قطرات مائية ستتفاعل مع هذه الأكاسيد وتنتج ما يسمى بالمطر الحمضي، لذلك لا بد من الانتباه لعدم استخدام مياه الأمطار للشرب، خصوصا المطرة الأولى التي تسحب معها الملوثات من السُحب إلى الأرض، مضيفاً: "تشير خرائط التلوث البيئي العراقي إلى زيادة في كميات ثاني أوكيسد الكربون تبلغ 60 ملغم/متر".
ورغم أن وزارة البيئة العراقية، أعلنت في بيانٍ لها، أن رائحة الكبريت التي تؤرّق أهالي بغداد، تعود إلى حرق الوقود الثقيل المتمثل بالنفط، وأن النفط العراقي يحتوي على نسبة عالية من الكبريت، وعند حرقه يولّد غازات سامة، إضافة إلى وجود أكثر من 250 معملا للأسفلت والطابوق في حزام بغداد، إلا أن مختصين أرجعوا السبب الرئيسي لرائحة الكبريت إلى مصفى الدورة ومحطة الطاقة الكهربائية في الدورة.
ويدور الجدل حول مصفى الدورة، منذ بداية انتشار رائحة الكبريت في بغداد والمحافظات المجاورة، ويطالب بعض الناشطين في مجال البيئة بنقله من حي الدورة في قلب بغداد إلى خارجها، بينما يرى آخرون أن طريقة حرق الوقود واعتماد المصفى على النفط الأسود الأرخص ثمناً، هي الأسباب التي أدت لتلوث الهواء.
وكانت مصادر مطلعة صرّحت لمواقع عراقية محلية، أن رئاسة مجلس الوزراء تدرس مقترح لنقل مصفى الدورة إلى خارج العاصمة، وعرض مساحة المصفى لمشروع استثماري.
فساد سياسي
وكشف عضو مجلس محافظة بغداد ورئيس لجنة النفط والغاز صفاء الحجازي، لمنصة "المشهد" أن الفساد والإهمال وعدم مراقبة عمل المعامل، هو الذي أدى إلى انتشار رائحة غاز الكبريت في سماء بغداد، لأن هذه المعامل تستخدم النفط الأسود السام، لأن سعره أرخص من النفط العادي بأكثر من 5 أضعاف.
وأوضح الحجازي أن عدد معامل النفط المرخّصة الموجودة في محيط بغداد هي 44 معملا فقط، في حين ينتشر أكثر من 200 معمل غير مرخص في حزام بغداد، جميعها تستخدم النفط الأسود السام، سواء معامل الروانية أو المحمودية أو أبوغريب، كلها تستخدم هذا النفط. إضافة إلى مصفى الدورة الضخم الذي يستخدم النفط الأسود أيضاً.
ويرى الحجازي أن المولدات الكهربائية، لها دور رئيسي في انتشار السُحب الصفراء المحمّلة بغاز الكبريت، لأن محافظة بغداد تضم أكثر من 25 ألف مولدة، جميعها تستخدم النفط الأسود، الذي يُنتج عند حرقه كميات كبيرة من غاز الكبريت والنفايات السامة، أثناء مراحل تكريره ونقله، ويؤدي إلى تلوث الهواء والماء والتربة بمستويات ضارة حيوياً.
ويؤكد الحجازي أن مجلس محافظة بغداد، راسل الحكومة المركزية، وبيّن الأسباب التي تؤدي لانتشار غاز الكبريت في الهواء، إلا أن الحكومة المركزية لم تُصدر أي قرار، مضيفاً: "رغم تشكيل لجنة مختصة بهذا الشأن، إلا أنه لم يصلنا أي كتاب رسمي يتضمن خطة مبدئية لحل مشكلة انتشارغاز الكبريت في الهواء".
ويرى حجازي أن هنالك جهات حزبية مستفيدة من وجود هذه المعامل واستخدامها للنفط الرخيص الثمن، يقول: "هذه المعامل تابعة لجهات متنفذة في الدولة، وشخصيات حزبية وسياسية مستفيدة مادياً من تشغيلها، وغير مهتمة بصحة الناس أو تلوث الهواء"، مؤكداً أنه منذ فترة طويلة تعمل هذه الجهات الحزبية على تحويل المساحات الخضراء إلى معامل نفطية.
تأثير الكبريت على الانسان
ويقول عضو الهيئة العامة لجمعية حُماة نهر دجلة أمير ناجي الناصري، لمنصة "المشهد" إن غاز الكبريت الذي ينتشر في سماء بغداد بين الحين والآخر، له تأثير مباشر على البيئة في مقدمتها تشكيل الأمطار الحمضية المحمّلة بهذه الغازات، إضافة الدخان والروائحة السامة، ما يؤدي لارتفاع نسبة تلوث الهواء، ويزيد من تأثر العراق بالتغير المناخي.
وعن مخاطر هذه الغازات على صحة الإنسان، يجيب الناصري: "غاز الكبريت بالتأكيد غير ملائم للجهاز التنفسي لدى الإنسان، لأن ثاني أوكسيد الكربون يهيج الجهاز النتفسي ويؤدي للسعال خاصة لمرضى الربو والقلب والشرايين"، مضيفاً: "رصدنا بعض الحالات التي وصلت إلى مستشفيات البصرة وبغداد نتيجة استنشاقها لهذه الغازات السامة المنتشرة في الهواء".
وعن دور جمعية حُماة دجلة في إيجاد حلول سريعة لإيقاف تلوث الهواء، يقول الناصري: "نحن كمنظمة مجتمع مدني مهتمة بقضايا البيئة، بدأنا بالتوعية بوجود كتلة صفراء في الهواء ورائحة كبريت قوية وملحوظة، أطلقنا حملة على منصاتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتوعية بمخاطر تلوث الهواء، إلا أن مراكز صنع القرار في بغداد، كانت استجابتها دون المطلوب، اقتصرت على مجرد تصريحات إعلامية دون أي حلول أو خطة لتخفيف تلوث الهواء وتقليل انتشار الكبريت".
وأفاد تقرير نشره موقع "نومبيو" المعني بالمستوى المعيشي لدول العالم، منتصف العام الحالي، أن مؤشر التلوث في العراق مازال مرتفعاً رغم انخفاضه عن العام 2019، حيث بلغ مؤشر تلوث الهواء في العراق 66%، وبلغ مؤشر التلوث بشكل عام 73%.