يقول المثل الألماني: "لا ينمو الجسد إلا بالطعام والرياضة ولا ينمو العقل إلا بالمطالعة والتفكير"، وبالحديث عن المطالعة فقد أصبحت ضرورة غائبة يحتاجها العقل ويرفضها السلوك.
وكشفت دراسة حديثة أنّ المواطن التونسي يقضي أغلب وقته في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث يخصّص 82 ساعة شهريا لمتابعة فيسبوك مقابل 4 ساعات فقط يخصصها للقراءة.
أرقام وإحصاءات تكشف تراجع نسب القراء والمهتمين بعالم الورق والمطالعة بشكل كبير وهجرة الأغلبية دون رجعة نحو مواقع التواصل، نتائج تؤكد، على ما يبدو، أن الكتاب لم يعد خير جليس في الزمان.
"فيسبوك" يستحوذ
بحسب الدراسة التي أجرتها مؤسسة أمرود كونسلتينغ أُثبت أنّ 72% من التونسيين يمتلكون حساب "فيسبوك" ويقضون 82 ساعة شهريا في تصفحه، وقد سجلت هذه المدة ارتفاعا مقارنة بالسنة الماضية، حيث أضاف التونسي 9 ساعات كاملة شهريا إلى جدول يوم ليقضيها داخل العالم الافتراضي الأزرق.
أما الذين يستعملون "إنستغرام" فيستغرقون 66 ساعة شهريا مقابل 54 ساعة في العام الفارط، وبالنسبة لتطبيق "تيك توك" فيمضي في مشاهدة محتوياته، التونسيين،57 معدّل ساعة شهريا.
فيما تسجل بقية التطبيقات تراجعا في مدة الاستهلاك فيحصل "يوتيوب" على 45 ساعة لهذا العام مقابل 54 ساعة في العام الماضي، ويستهلك "سناب شات" 26 ساعة من وقت التونسي فيما كان يستهلك 32 ساعة في السنة الفارطة ويتذيل تطبيق "تويتر" القائمة باستغراق 22 ساعة شهريا في تصفحه فقط، مقابل 42 من العام الماضي.
ويقول نبيل بالعمّ مدير عام مؤسسة "أمرود كونسلتينغ" خلال حديثه مع منصة "المشهد"، إنّ انتشار الهواتف الذكية والإنترنت وجميع الأجهزة الالكترونية هو ما وطّد علاقة التونسيين بالشبكات الاجتماعية وأنتج هذا الارتفاع في الاستهلاك من عام لآخر.
وتُنفّذ هذه الدراسة كل عام وتتزامن مع المعرض الدولي للكتاب وترصد علاقة التونسي بالكتاب والمطالعة من ناحية مؤشر امتلاك الكتاب ومؤشر اقتناء الكتاب ومؤشر القراءة.
هجرة كونية
لا شكّ في أنّ هيمنة الرقمنة والديجيتال أثر بشكل واضح على طرق الاتصال والتواصل والبحث عن المعلومة واكتساب المعرفة لدى البشرية عموما وفي تونس بالخصوص، ولم تُستثن الكتب والمكتبات من هذا التغيير، وتقدّم دراسة "أمرود كونسلتينغ" أرقاما صادمة عن عزوف التونسيين عن القراءة.
وبحسب نبيل بالعمّ (المدير العام) فإنّ نسب القراءة لا تزال ضعيفة لسنة 2023 وتبلغ 25% فقط، إلا أنها تعتبر جيدة مقارنة بما كانت عليه سنة 2015 التي لا تتجاوز 12%. فيما بلغت نسب امتلاك الكتب 33% لهذا العام، موضحا أنّ هذه الإحصاءات تخص الكتب فقط دون اعتبار الجرائد والمجلات والمصحف الشريف.
وبيّن مدير عام مؤسسة "أمرود كونسلتينغ" خلال حديثه، أن معدل القراءة بلغ نحو 4 ساعات شهريا فقط لدى التونسيين وهو مؤشر يعكس نتائج قضاء الوقت في المطالعة للقراء خلال الـ 12 أشهر الماضية.
على الرغم من هذه الأرقام المتدنية، يعتبر بالعمّ أنّ هناك عودة للاهتمام بالقراءة مؤخّرا في تونس، إلا أنها لم تصل النسب إلى مستوى مأمول، مشيرا إلى أنّ فترة الجائحة لعبت دورا كبيرا في تغيير نمط العيش وهو ما أثر إيجابا على سلوك الكثيرين بحيث كانت القراءة ملجأ للبعض وتحولت إلى نشاط ممتع لدى البعض الآخر.
ظاهرة الهجرة من عالم الورق والكتابة إلى العالم الرقمي يصفها نبيل بالعمّ "بالظاهرة الكونية، حيث يعيش العالم احتقانا كبيرا مع مواقع التواصل الاجتماعي على عكس الكتب".
ولا تستثنى تونس من ارتفاع أعداد الحاملين للهواتف الذكية والمهتمين المحتوى المسموع والمرئي في صيغته الجديدة، الأمر الذي أثر على مستويات الاهتمام بالقراءة والتوجه للمطالعة كمصدر لقضاء الوقت واكتساب المعرفة.
إقبال ضعيف
ولئن ترجمت تلك الصفوف الغفيرة التي تنتظر للدخول إلى معرض الكتاب الدولي بتونس في دورته 37 لهذا العام، مثلا، وفاء التونسيين للقراءة والكتب، فإنّ الإقبال على شراء الكتب كان ضعيفا بحسب مراد خليفة عضو الهيئة المديرة ورئيس لجنة العارضين بالمعرض الدولي للكتاب.
وفي تصريح من خليفة لمنصة "المشهد" أكّد المتحدث أنه قد تم تسجيل دخول 110 آلاف زائر إلى المعرض خلال 10 أيام من العرض.
وبيّن أن هناك إقبالا على زيارة المعرض، لكن ليس هناك إقبال على الشراء، وذلك يعود لسبب رئيسي وهو غلاء أسعار الكتب رغم تنفيذ تخفيض على الأسعار بقيمة 20% بقرار من إدارة المعرض، ويعود ذلك إلى ارتفاع سعر الورق الذي تضاعف 4 مرات وهو ما أثر بشكل أساسي على سعر الكتاب وطنيا وعربيا.
ويعتبر خليفة أنّ عملية الشراء لم تنجح بسبب ضعف القدرة الشرائية لدى التونسيين، إلا أنه يدافع عن أصدقاء الكتاب في نفس الوقت معتبرا أنّ النسب المقدّمة عن القراء في تونس لا تمثل الواقع.
ويشدد على أنّ محبّي المطالعة يحافظون على هذا النشاط ويحفظون هذه الهواية والحاجة في ظل الهيمنة الرقمية.
أكتب لأخلد أثرا
رغم التحديات التي يعيشها عالم الكتب إلا أنّ قلم الكتّاب لم يجفّ ولم يتأثر بالأرقام والإحصاءات التي تنذر بتقلص أعداد القراء.
جاسر عيد كاتب تونسي صاعد، مشارك في مبادرة "روايات الجيب التونسية"، يقدّم رأيه بنظرة متفائلة حول ظاهرة العزوف عن القراءة في تونس من وجهة نظر كاتب، على الرغم مما يلحظه من تحوّل اقتناء وقراءة الكتب إلى ترف فكري يقتصر على صاحب القدرة المالية على شرائه.
وبسؤال جاسر عيد عن دوافع عزمه على الدخول والتمسك بهذا المجال يقول عيد في تصريح لمنصة "المشهد": "في بداية المشوار كنت متخوفا من فكرة أن الجمهور لا يقرأ، ولكن من الجانب الآخر هناك، على الرغم من قلتهم، مجموعة أخرى من الوفيين للكتاب وللقراءة وهم من دفعوني وقدموا لي التشجيع الكافي للتمسك بهذه الخطوة والمضي في تنفيذ مشروع الكتابة، فأصبحت أكتب وأصبحوا هم جمهوري ووجدت من يتعلق بمنشوراتي".
ويرى عيد أن مقارنة "فيسبوك" أو جل تطبيقات التواصل الاجتماعية بالكتب من حيث الإقبال هي مقارنة غير عادلة، مضيفا "أنني مقتنع بفكرة قرأتها سابقا لأحد الأدباء، أعجبتني والتي تقول في معناها أن الكتب لا تكتب للحاضر فقط أنما وجدت لتخلّد، على عكس محتويات فيسبوك أو مواقع التواصل بشكل عام القابلة للإزالة في أي وقت ولأي سبب".
وأضاف: "مستقبلا سأكون سعيدا بانتفاع ولو فرد واحد بكتاباتي ويسعدني أن أكون ممن خلّدوا أثرا في هذا العالم ببضعة أسطر أو بعدد من الكتب".
ويرى عيد أن الحلّ في استرجاع القراء المهاجرين نحو الشبكات الاجتماعية يكمن في تقديم البديل، وهو حلّ عزم على تنفيذه في أعماله الأدبية والتي تتميّز بكتابة شبابية سهلة وسلسة قريبة من الكتابة السينمائية، تجذب القراء وتنجح في استقطاب القارئ الوفيّ وتارك الكتب على حدّ سواء.