بمجرد دخولك إلى المغرب عبر مطار محمد الخامس في الدار البيضاء سيلفت انتباهك لافتات كتبت بأحرف غريبة إلى جانب الأبجدية العربية واللاتينية. هذه الأحرف تسمى "تيفيناغ" يعود تاريخها إلى أكثر من 3 آلاف سنة قبل الميلاد.
ويقول الناشط الأمازيغي المغربي أحمد عصيد إن تيفيناغ أخذت من الطوارق، أمازيغ الصحراء الكبرى، اللذين ساهمت عزلتهم في الحفاظ على حرف تيفيناغ الأصيل. ويضيف أن هذه الأحرف لا علاقة لها بالفينيقيين وإنما هي أحرف اللغة الأمازيغية الأصيلة.
ويدعم رأي الناشط الأمازيغي صخرة منقوشة وجدت في تونس وتتواجد اليوم في متحف بريطاني، هذه الصخرة تتضمن نصوصا بالفينيقية وبحروف تيفيناغ، أي أن الكتابة الأمازيغية ليست مشتقة من الفينيقية.
بعد قرون من الإهمال، عادت تيفيناغ إلى المغرب منذ النصف الثاني من القرن الماضي من خلال جمعيات تدافع عن الحقوق الثقافية واللغوية الأمازيغية. في ثمانينيات القرن العشرين اعتمدت الجزائر حروف تيفيناغ لكتابة الأمازيغية في الجزائر، ثم اعترفت منظمة التوحيد القياسي بحرف تيفيناغ يوم 24 يونيو 2004.
صادق العاهل المغربي الملك محمد السادس على طلب مجلس إدارة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بشأن اعتماد هذا الحرف الرسمي لكتابة اللغة الأمازيغية. ثم في عام 2011 عقب سقوط نظام معمر القذافي، ستعترف ليبيا بحروف تيفيناغ وباللغة الأمازيغية التي كان يسجن كل من يدافع عنها في عهد القذافي.
فماهي حروف تيفيناغ؟ ما هي لغة تيفيناغ؟ متى أعتمد حرف تيفيناغ؟ وما تاريخه وأصوله؟
حرف تيفيناغ
تيفيناغ هو نظام كتابة قديم جدا يستخدمه أمازيغ شمال إفريقيا منذ العصور القديمة. هذه الأبجدية التي تسمى أيضا الليبية، صمدت ووصلت إلينا من خلال السكان الأصليين لهذه المنطقة الشاسعة الذين استمروا في استخدامها ونقشها على الصخور التي ما تزال محفوظة حتى اليوم.
يعود استخدام تيفيناغ في شمال إفريقيا على الأقل إلى نهاية العالم القديم، المعروف بظهور حضارات الكتابة الأولى. على الرغم من اختفائها في المنطقة الشمالية من العالم الأمازيغي، استمر استخدامها بين الطوارق الذين يعتبرونها أبجدية خاصة بشعوبهم وتميزهم عن العرب وغيرهم من السكان المجاورين.
انتشرت تيفيناغ القديمة على مساحة شاسعة تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب النيجر ومن جزر الكناري إلى سيوة في مصر. ميز الباحثون بين 4 عصور تاريخية، ثم كشفوا عن 4 أنواع رئيسية من الأبجدية: شرق ليبيا وغرب ليبيا، وتيفيناغ القديمة وتيفيناغ الحديثة.
ميّز بعض الباحثين بين الليبية وتيفيناغ، لكنهما أكدا أنهما نوعان مختلفان من الأبجدية نفسها. يتضمن كل منهما متغيرات فرعية. استخدم المصطلح الليبي من قبل الباحثين الأوائل لتسمية النقوش المكتشفة في الجزء الشمالي من شمال إفريقي، لا سيما في المواقع الأثرية القديمة مثل وليلي في المغرب، تيبازة في الجزائر أو دقة في تونس.
استخدم مصطلح تيفيناغ مرة أخرى على وجه التحديد فيما يتعلق بنقوش الطوارق، وهم شعب أمازيغي تمتد أراضيهم إلى صحراء الجزائر ومالي، والنيجر، والتشاد، وبوركينا فاسو، وليبيا.
في عام 1967، صدرت أول مجلة دورية كُتبت بحروف تيفيناغ اسمها "إيمازيغن"، واقترحت تصميم العلم الأمازيغي الذي أصبح رمزا للحركات الأمازيغية في جميع أنحاء شمال إفريقيا.
تاريخ حرف تيفيناغ
بالنسبة لتاريخ الكتابة نفسها، كشف المؤرخ الفرنسي جبرائيل كامبس عن نقش تيفيناغ في موقع Azib-n-Ikkis في ياغور، الأطلس الغربي الكبير. وقال إنه يمكن أن يعود حرف تيفيناغ إلى القرنين الخامس والسابع قبل الميلاد. قدم علماء الآثار فيما بعد ثلاثة تواريخ تقريبية لأصل الحرف: الألفية السابعة والخامسة والثالثة قبل الوقت الحاضر.
أحد النصوص النادرة المؤرخة بدقة لحرف تيفيناغ تعود لضريح للملك ماسينيسا في مدينة الخروب الجزائرية. ويعتبر ماسينيسا أول ملوك نوميديا الذي حكم عام 139-138 قبل الميلاد.
بشكل عام لا يزال أصل الكتابة الأمازيغية غير معروف. بالتأكيد يجب استبعاد فرضية التكوين المحلي، دون أي تأثير خارجي، ولا يمكن أن تولد الأبجدية فجأة بدون عملية سابقة طويلة للتحسين من أنواع أخرى من الكتابات.
بعض الفرضيات تشير إلى تأثر تيفيناغ بالكتابة الفينيقية، لكن باحثين قالوا إن الكتابتين مختلفتان، الأولى تكتب أفقية والثانية تكتب بشكل عمودي.
وفقًا لسالم شاكر، المتخصص اللغة الأمازيغية، "كان للأمازيغ خط أبجدي خاصا بهم منذ التاريخ البدائي. يمكن تأريخ أقدم النقوش إلى القرن السادس قبل الميلاد. تم توثيق هذه الكتابة في العصور القديمة في الفترتين البونيقية والرومانية.
أما عن تاريخ اختفائ+ها فيعود إلى القرنين السابع والثامن، مع استمرار الحفاظ عليها بين "التوارك" أو الطوارق الذين يسمونه تيفيناغ.
استخدم الطوارق في التاريخ المعاصر التواصل الشفهي كوسيلة للتعبير سواء في الأدب، أو التاريخ، أو الأساطير، أو سن القوانين، أو السياسية. يتم التعبير عن غالبية الأمور الحياتية والمجتمعية شفويا.
أما استخدامات تيفيناغ فكانت تقتصر على المعاملات المالية في أحيان كثيرة. كتب الطوارق تيفيناغ على الجلود والعظام والصخور ربما ليوثقوا لغة وأبجدية كانت تقاوم الاندثار.
أنواع تيفيناغ
يمكن تقسيم حروف تيفيناغ إلى أربعة أنواع رئيسية هي:
- حروف تيفيناغ الشرقية: تنتشر هذه الكتابة في شمال تونس وشرق الجزائر، وتنتمي المنطقتان إلى مملكة نوميديا التي شهدت إشعاع اللغة الأمازيغية والحضارة الأمازيغية. في تلك الفترة التاريخية أصدرت عملة نقدية تحمل تيفيناغ، واستخدمت في معاملات مع مجتمعات أجنبية. يُعدّ النوع الشرقي من تيفيناغ أكثر الأنواع دراسة ويتكون من 23 حرفا.
- حروف تيفيناغ الغربية: هذا النوع موجود في المغرب وغرب الجزائر، عثر عليه في مناطق عدة من ضمنها: نواحي تارودانت، نواحي الراشيدية، ليكسوس، وليلي. عدد حروف هذا النوع أكبر من تيفيناغ الشرقية.
- حروف تيفيناغ الصحراوية: ينتشر هذا النوع في صحراء الجزائر، مالي، النيجر وليبيا. يتميز بتنوعه خطه بقدر تنوع الخصائص الجغرافية والتاريخية للمناطق التي يتواجد فيها. هذا النوع ونقوشه نفضت الغبار على معطيات مهمة من تاريخ الأمازيغ.
منذ ستينيات القرن الماضي ظهرت أنواع جديدة لتيفيناغ. كان الهدف منها تطوير تيفيناغ القديمة وتوحيد أنواعها القديمة ليصبح لدى الأمازيغ كتابة معيارية موحدة تتناسب مع مختلف لهجات اللغة الأمازيغية.
خصائص تيفيناغ
- حرف تيفيناغ عريق: اللغة المكتوبة والمقروءة تظهر قوة الحضارة ورمزيتها وتساهم في استمراريتها وجعلها جزءا من الهوية.
- خط تيفيناغ بسيط: رموز الأبجدية الأمازيغية تتميز ببساطتها في الكتابة، ليست معقدة أو مركبة.
- حرف تيفيناغ واضح: أي أن كل ما ينطق له حرف وكل صوت يقابله حرف.
تعلم حروف تيفيناغ
تكونت أبجدية تيفيناغ الأصيلة من الصوامت، لا تتضمن حروف إشباع مثل الكتابات العربية القديمة. فيما بعد سيتم إضافة ما يسمى بـ "تيدياكين"، وهي مثل الفتحة والضمة والكسرة.
حسب دراسات ميدانية قام بها المعهد الملكي المغربي للثقافة الأمازيغية في عامي 2010 و2012، فإن حروف تيفيناغ لكتابة اللغة الأمازيغية ليست صعبة التعلم أو القراءة في المؤسسات التعليمية.
ويشير المعهد الملكي إلى أن حروف تيفيناغ تكتب من اليسار إلى اليمين. وتتكون من 33 حرفا، منها 29 من الصوامت و4 من الصوائت.
الجدول التالي يظهر حروف اللغة الأمازيغية ومقابلها في العربية واللاتينية:

ⴻⵕⵄⵖⵃⵠⵁⴿⵞⵒⵇⵚⴽⵅⵥ، الحروف التالية تمثل أبجدية اللغة الأمازيغية المعيارية الموحدة.
أما هذه الحروف ⵜⵟⴰⴷⴹⵣⵔⵓⵉⵢⵊⵏⵎⵙⴳⵛ ، فتمثل أبجدية أمازيغ الصحراء أو الطوارق الأصلية.
رقمنة تيفيناغ
منذ الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس في عام 2001 في أجدير، استمرت أهمية نص تيفيناغ في النمو. بعد دسترة اللغة الأمازيغية في المغرب عام 2011، ستشهد حروف تيفيناغ استخداما في مجالات عدة.
ويحتفل المغرب في 24 يونيو من كل عام بذكرى اعتراف المنظمة الدولية للتوحيد القياسي بحرف تيفيناغ. وذلك بهدف إبراز الجهود والإنجازات الرامية إلى رقمنة الأمازيغية.
ومنذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالإضافة إلى بعض الباحثين تيفيناغ في العالم الرقمي. وبُذلت جهود لتكييف Tifinagh مع لوحة مفاتيح الحاسوب، وإدخاله في تطبيقات الترجمة والمواقع الإلكترونية.
ومنذ ظهور منصات التواصل الاجتماعي، خصصت مجموعات على فيسبوك تكتب بـ "تيفيناغ"، ومجموعات أخرى تعلم اللغة الأمازيغية بأبجدية التيفيناغ.
حروف تيفيناغ تشبه طائر الفينيق، جددت نفسها واستمرت رغم الصعاب التي واجهتها. هرعت إلى الجبال والصحاري هربا من التأثير العربي، وبعده الاستعمار الفرنسي.
كان للنساء دور أساسي في استمرار تيفيناغ، كن مسؤولات عن تعليم أبنائهن، لم يقمن فقط بتدريس الحروف لأطفالهم، بل قمن بإدماجها في رموز الوشوم الأمازيغية المميزة والمعقدة على أجسادهن. وكانت تلك الحروف أساسية في تصاميم الأواني، والمجوهرات، والنسيج، والسجاد.
تُظهر هذه العلاقة العميقة بين الشعوب ورموز كتابتهم مدى الخطأ في التفكير بالكتابة على أنها مجرد وسيلة لتسجيل أصوات الكلام. بين الأمازيغ، كما هو الحال في ثقافات أخرى، للكتابة مكانة كبيرة. مثل نقوش النقود المعدنية أو الطوابع البريدية، أو ألوان وأشكال العلم.