الزواج هو ميثاق تعاقدي بين امرأة ورجل، والتزام قائم على المودة والرحمة يهدف إلى تكوين بيئة معيشية دائمة مشتركة بين الرجل والمرأة وبين الوالدين والأطفال.
اتخذ الزواج أشكالا مختلفة عبر تاريخ المجتمعات وتم تنظيمها وفقا للقواعد التي تطورت جنبا إلى جنب مع الزواج نفسه.
كان الغرض في كل حقبة تاريخية إيجاد أفضل طريقة لإبرام هذا العقد من أجل ضمان المصالح الاجتماعية والاقتصادية والقانونية المشتركة.
مؤخرا ظهر نوع جديد من الزواج أثار جدلا في الأوساط الدينية والقانونية في عدة دول عربية، يطلق عليه اسم زواج البارت تايم أو الزواج الجزئي.
فما أصل هذا الزواج؟ ما هي شروطه؟ ما الفريق بينه وبين زواج المتعة والزواج العرفي؟ وما رأي فقهاء الدين والقانون والاجتماع في الزيجات الجزئية؟
ما هو زواج "البارت تايم"؟
لا شك في أن الزواج رباط مقدس يجمع شخصين، يتطلب منهما تقديم التزام حصري لبعضهما البعض على مر السنين معا. قد يكون أشبه بمهنة بدوام كامل، تتجلى مهامها في الحب الدائم والتقدير المتواصل.
لكن ماذا لو كان مهنة بدوام جزئي أو "بارت تايم"، هل يسمى هذا زواجا حقيقيا؟
قصة زواج البارت تايم بدأت من خلال منشور على فيسبوك للمحامي المصري أحمد مهران، الذي قال فيه إن "الزواج الجزئي سيقلل من الطلاق، إذ يوجد في مصر أكثر من 2,5 مليون مطلقة".
سرعان ما أثار زواج البارت تايم جدلا في مصر والعالم العربي ليتصدر علميات البحث في موقع غوغل.
وبموجب المقترح المثير للجدل يمكن للزوج أن يتزوج زوجة ثانية بشرط ألا يعيش معها بشكل دائم. بدلا من ذلك، يمكن للزوج زيارة زوجته الجديدة في منزلها لبضع ساعات في الأسبوع، وبإمكانه أن يقضي معظم وقته مع زوجته الأولى.
لم يتوقف المحامي المصري عن هذا الحد، بل طالب المتزوجات بإعارة أزواجهن إلى صديقاتهن ليوم واحد في الأسبوع بموجب عقد زواج.
شروط زواج "البارت تايم"
زواج البارت تايم موجود قبل أن تتم تسميته من قبل المحامي المصري أحمد مهران، وتتجلى شروطه فيما يلي:
- الزوجان يتفقان على عقد زواج شرعي لكن محدد الوقت.
- تتنازل الزوجة على المبيت أو الإقامة الدائمة في بيت الزوجية.
- تحديد يوم في الأسبوع أو بضع ساعات يلتقي فيها الزوج والزوجة.
- قد يتفق البعض على عدم الإنجاب خلال زواج البارت تايم.
- على زوجة "البارت تايم" أن تقبل بتعدد الزوجات.
لم يتقبل عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي هذا المقترح، واعتبروه معارضا لتعاليم الدين وللقيم المجتمعية، لكن المحامي المصري أصر على أن زواج البارت تايم يحظى بدعم رجال الدين ومن شأنه أن يحد من آفة اجتماعية خطيرة.
حلال أم حرام؟
دار الإفتاء المصرية دخلت على خط الجدل الذي أثاره زواج البارت التايم، وعلقت في تغريدة لها على "تويتر"، جاء فيها " لا ينبغي الانسياق وراء دعوات حداثة المصطلحات في عقد الزواج التي ازدادت في الآونة الأخيرة، والتي يكمن في طياتها حب الظهور والشهر وزعزعة القيم مما يحدث البلبلة في المجتمع".
واعتبرت دار الإفتاء المصرية هذا الزواج باطلا ومحرما شرعا، مبينة أن الزواج الشرعي هو "ما يكون القصد منه الاستمرارية وعدم التأقيت بزمن معين، وإلا كان زواج محرم ولا يترتب عليه آثار الزواج الشرعي".
في المقابل، قال أستاذ الفقه المقارن في الأزهر أحمد كريمة إنه "لا يمكن تحريم زواج البارت تايم أو تجريمه، لأن عقده مستوفي للأركان والشروط وليس زواج متعة"، موضحا أن "شروط الزواج في الشريعة الإسلامية تتمثل في رضا الطرفين والإشهاد وتسمية الصداق أو المهر، وإذا توافرت هذه الشروط فيترتب على هذا الزواج حقوق التوارث والمعاشرة بالمعروف والاستمتاع على الوجه المشروع".
حلال بشروط!
في الإطار نفسه، اشترط مستشار وزير الأوقاف المصري السابق د. سلامة عبد القوي، ألا يكون عقد زواج البارت تايم محددا بمدة زمنية ليكون حلالا شرعا. لأنه إن كان كذلك فيعتبر زواج متعة وزواج المتعة حراما.
وأضاف الشيخ الأزهري أنه "إذا كانت المرأة والرجل يريدان الزواج لإشباع رغبتهما الجنسية من دون تحديد موعد لانتهاء عقد الزواج فهما في علاقة غير محرمة تستوفي أركان العقد الشرعي".
ورفض عبد القوي، في فيديو له على قناته في "يوتيوب" أن "يكون زواج البارت تايم مهينا للمرأة"، معتبرا أن "الإهانة الحقيقة أن تعيش لوحدها، أما أن تصبح في عصمة رجل فهذا تكريم لها وحماية لعرضها"، حسب قوله.
زواج مخالف للقانون؟
من ناحية قانونية، أكد المحامي اللبناني زياد جعفيل أن "الزواج المؤقت ليس هو زواج البارت تايم، الأول محدد المدة وموقف الطائفة السنية منه ثابت ومعلوم وهو التحريم، أما الزواج الجزئي فالمغزى منه هو اتفاق الزوج والزوجة بموجب عقد على عدم إلزامية تواجدهما معا دائما وإنما يمكن تحديد يوم أو ساعات في الأسبوع للقاء".
وتابع: "مما يعني في حال عقده أنه عقد صحيح تتوافر فيه أركانه، أما ما قد يتضمنه من اشتراطات مدة اللقاء فهي باطلة لمخالفتها الشرع والقانون".
وشدد جعفيل في تصريح لمنصة "المشهد" على "أهمية التوعية وإصلاع مفاهيم مغلوطة عن الزواج لتقل نسب الطلاق وليس من خلال ابتكار زيجات مخالفة للقانون"، داعيا إلى "ضرورة التخلي عن فكرة مفادها أن المطلق أو المطلقة شخص فاشل وإنما يجب اعتباره شخصا مر بتجربة فاشلة يمكنه أي يمر بأخرى ناجحة".
"حيلة لتفريغ المكبوتات"
من جانبه اعتبر أستاذ علم النفس الاجتماعي محسن بن زاكور أن "أي إبداع في مجال الزواج هو زواج ذو خلفية جنسية يتحايل من خلالها صاحبها على الدين والقانون".
وأشار بن زاكور في تصريح لمنصة "المشهد":
- مؤيدو هذا النوع من الزيجات ليست لديهم الجرأة للحديث عن الممارسة الجنسية للراشد.
- يتم التخفي وراء الشرعية الدينية لتفريغ المكبوتات، وإلا ما معنى أن يكون عقد الزواج لساعات أو لأيام.
- إذا كان مفهوم الزواج في جميع الديانات والقوانين الدولية هو الاستقرار والاستمرارية والرغبة في تكوين أسرة، فإننا نتساءل لأي غاية يغير زواج البارت التايم هذا المفهوم؟
- قد يكون السبب التخوف من المسؤولية لو كنا نتحدث في سياق غربي، لكن في السياق المشرقي والعربي فالسبب هو الغاية الجنسية.
ونفى بن زاكور أن "تكون الأسباب المادية مثل غلاء المهر هي الدافع الأساسي لزواج البارت تايم، موضحا أن عقود الزواج العادية تسمح بالتخلي عن المسألة المادية وعدم وضع اشتراطات مالية".
الفرق بين زواج "البارت تايم" وزواج المتعة
إلى ذلك، يعتبر زواج المتعة أحد الموضوعات الفقهية المختلف عليها بين السنة والشيعة.
فالطائفة الأولى تحرمه فيما تحلله الطائفة الثانية. ولا فرق بين زواج المتعة والزواج المؤقت، فكلاهما محددان بمدة زمنية هدفها المتعة. لكنهما يختلفان عن زواج البارت التايم الذي يحدد وقت اللقاء بين الزوجين، لكنه لا يحدد وقت انتهاء عقد الزواج. وغالبا ما يرادف زواج المتعة الزواج بنية الطلاق، هذه النية تغيب في زواج البارت تايم.
الفرق بين زواج "البارت تايم" والزواج العرفي
الزواج العرفي هو زواج سري بمعنى أنه غير موثق بوثائق رسمية، كما تقوم فيه الفتاة بتزويج نفسها دون إخبار أهلها لكن بحضور شهود على العقد. وهو اتفاق مكتوب لا يلزم الزوج بأي حقوق شرعية تجاه زوجته. في المقابل، زواج البارت تايم هو مقترح عقد علني يوثق في المحاكم ويمكن الاتفاق فيه على شروط معينة شريطة ألا تتنافى مع الفكرة الأساسية التي قوم عليها الزواج الجزئي، وهي اللقاء بين الزوجين لساعات معينة في الأسبوع أو ليوم واحد مع قبول التعدد.
الفرق بين زواج "البارت تايم" وزواج التجربة
زواج التجربة وزواج البارت تايم كلاهما أثارا جدلا في مصر ودول عربية أخرى، وصاحب مقترح زواج البارت تايم هو نفسه مقترح زواج التجربة. المحامي هران دعا الأزواج إلى "تحديد مدة عقدهما للنظر في إمكانية نجاح زواجهما أم فشله، من خلال هذا العقد لا يمكن لأي طرف أن يطلق أو يخلع إلا بعد انتهاء العقد في التاريخ المحدد سلفا، وذلك بشرط تحديد مدة العقد ومبدأ اختبار الزواج أمران لا يقوم عليهما زواج البارت التايم فهو زواج جزئي يمكنه أن يكون دائما وليس مؤقتا".
أسباب زواج "البارت تايم"
الزواج الذي يتم عقده لغرض مثل نقص معدلات الطلاق، مثلما هو الحال في زواج البارت تايم لا يمكن اعتباره إلا زواج مصلحة يتم عقده من أجل منفعة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وليس من أجل المودة المتبادلة بين الطرفين. وتتجلى أسباب هذا النوع من الزيجات فيما يلي:
- التنشئة الاجتماعية: في كثير من الأحيان، تقوم الأمهات اللواتي تعلمن خطورة عدم الاستقلالية المادية بتلقين بناتهن منذ الطفولة الحاجة إلى الزواج من أي رجل كيفما كان من أجل المال.
- الزوجة "الخزنة": بعض الرجال الباحثين عمن يوفر لهم حياة جيدة وسهلة يلجؤون إلى نساء عازبات مستقلات ماديا لاستغلالهم وإغوائهم. هؤلاء النساء غالبا كبيرات في السن، حققن نجاحا كبيرا في حياتهن المهنية، لكنهن غير سعيدات في حياتهنّ الشخصية.
- تهمة المطلقة: في بعض المجتمعات العربية تعتبر المطلقة امرأة "عاهرة"، لأنها افترقت عن الرجل الذي يصون كرامتها ويحفظ شرفها، هذا التصور الخاطئ يدفع كثيرات إلى تأييد زواج البارت التايم. لكن في النهاية عقد الزواج سيحميها من عار الطلاق ولو لزم الأمر تنازلها عن أبسط حقوقها.
يرى البعض أن زواج المصلحة قد يكون أقوى من زواج المحبة، إلا أنه لا يجب أن ننسى أن الرفاهية المالية والمنافع الاجتماعية يمكن تحقيقها بأنفسنا.
ويعتقد البعض الآخر أن العلاقة الزوجية القائمة على الحب والاحترام لا تقدر بثمن فلا داعي لاستبدالها بالمال والمنفعة، لكن هذا لا بعني أبدا إغفال العقل أثناء اختيار شريك الحياة والاحتكام للعاطفة فقط.
فيما يشير فريق ثالث إلى أن الزيجات كانت منذ الأزل عبارة عن عقود تجارية واجتماعية أكثر من كونها عبارة عن عقود مودة ورحمة، على سبيل المثال كانت الزيجات الملكية تدور حول التحالفات وكانت بمثابة محاولة للوصول إلى اتفاق سلام بين قبيلتين أو شعبين.