hamburger
userProfile
scrollTop

تاريخ القهوة… حكاية دولة عربية احتكرت أسرار البن

المشهد

اليمن صدّر أجود أنواع القهوة في العالم لمئات السنين (رويترز)
اليمن صدّر أجود أنواع القهوة في العالم لمئات السنين (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • في القرن 14 تذوق العرب في مدينة هرر شرق إثيوبيا أول مشروب قهوة محمصة.
  • في القرن 16 حُرّمت القهوة بفتوى دينية مما ساهم بانتشارها في مناطق عربية.
  • في القرن 17 دخلت حبوب البن الأولى إلى أوروبا عن طريق التجار الإيطاليين.

"عذراء الصباح" كما وصفها محمود درويش، محفزة فلسفة إيمانويل كانت، وثاني أكثر سلعة يتم تداولها في العالم بعد البترول.

إنها القهوة التي لا يختلف في حب سوادها اثنان ومعشوقة العرب التي انبهر بها الغرب.

كواحدة من أكثر المشروبات شعبية في العالم، من الطبيعي أن نتساءل عن تاريخ القهوة، متى وكيف تم اكتشاف البن؟ ما أصل القهوة العربية؟ وما دور دول عربية في تجويد البن ونشر ثقافته عبر العالم؟

أصل القهوة

تتنوع أشكالها ومنتجاتها إلا أن شعبيتها تعزى أساسا إلى تأثيرها المنشط الذي ينتج عن مادة الكافيين الموجودة في القهوة. هذا التأثير اكتشفته البشرية منذ زمن بعيد.

القهوة في إثيوبيا

يحكى أنه منذ أكثر من ألف عام، تذوق راعٍ يدعى خالدي في بلاد الحبشة، لأول مرة في العالم، طعم البن. القصة بدأت حين تناول الماعز ثمار شجيرة غريبة أثارت فضول خالدي، فقرر استهلاكها بنفسه، ثم أدرك الراعي قوة البذور المنشطة في منطقة كافا جنوب إثيوبيا.

منذ ذلك الحين وحتى اليوم، استخدم الإثيوبيون القهوة في كل شيء تقريبا، تم نقع الأوراق وطهيها واستخدم اللب المجفف كمغلي. باختصار كانت القهوة عنصرا أساسيا في نظامهم الغذائي، سواء كمشروب أو كنكهة رئيسية في تحضير الأطباق الشعبية في البلاد.

القهوة في اليمن

حين تفكر في أكثر دول العالم ارتباطا بتاريخ القهوة، ربما لن يتبادر إلى ذهنك اليمن، لكن هذه الدولة العربية يدين لها العالم بانتشار ثقافة القهوة والرفع من جودتها. يقال إن الصوفيين غرب اليمن، هم أول من استخدم المشروب الساحر في عام 1450.

بحلول القرن الثامن عشر ميلادي، كان اليمن في أوج ازدهاره، بعد أن قررت تصدير القهوة إلى العالم.

كانت معظم مداخيل البلد تأتي من صادرات البن، فجميع إمدادات القهوة إلى العالم تأتي من البلد الواقع جنوب شبه الجزيرة العربية.

ولا غرابة اليوم أن تجد مزارعين يمنيين يعملون في زراعة البن لعدة أجيال يعود بعضها إلى 500 عام.

من ميناء المخاء أو "موكا" اليمني، كانت تنطلق القوافل المحملة بالبن، لذا ستجد نوعا شهيرا من مشروبات القهوة يسمى موكا Mocha.

وأسرار صناعة البن كانت حكرا على اليمنيين من القرن الرابع عشر حتى القرن الثامن عشر، لكن سرعان ما استثمر الأوروبيون في مصانع القهوة باليمن، وتحديدا الهولنديين عام 1720.

في مطلع القرن 19، سينتهي احتكار اليمنيين لأسرار القهوة، لكنهم سيحافظون على تصديرهم لأفضل أنواعها.

تاريخ القهوة

ووصلت القهوة لأول مرة إلى أوروبا من العالم العربي، وتحديدا شبه الجزيرة العربية، خلال القرن السابع عشر.

سحر المشروب السحري للعرب الأوروبيين والأميركيين، وتفوق على المشروبات الكحولية، لتصبح القهوة في غضون قرن من الزمن، جزءا من الحياة اليومية للبشر.

أول مقهى في العالم

وعام 1530، افتتح أول مقهى بالعالم في دمشق ثم بغداد.

وفي عام 1531 سيفتح ثالث مقهى في القاهرة، لكن سرعان ما سيتم تحريم البن من طرف الأزهر بناءً على فتوى خطيب القسطنطينية عام 1511، حيث أوضح أن القهوة مثل الخمر مسكرة وبالتالي محرمة.وتم حرق المقاهي والحكم على شاربها وبائعها بالجلد، وسيثبت علماء الدين لاحقا بطلان فتوى تحريم القهوة.

القهوة العربية

في القرن الرابع عشر، تذوق التجار الأفارقة والعرب في مدينة هرر شرق إثيوبيا فنجان القهوة المحمصة لأول مرة، لتصبح القهوة من الثقافة العربية الأصيلة.

انتقلت القهوة من اليمن إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1414، وبعد قرابة 100 عام ستصل حبوب البن إلى مصر في 1517، حيث ستساهم فتوى تحريم البن في انتشار المشروب السحري في مناطق عربية مختلفة.

القهوة في أوروبا

يعود تاريخ القهوة في أوروبا إلى بداية القرن السابع عشر، عن طريق التجار الإيطاليين، دخلت حبوب البن الأولى إلى القارة العجوز.

وانتشرت القهوة أولا بين الرهبان والتجار في مدينة البندقية، ثم انتشر بين عامة الناس، ثم وصلت القهوة بسرعة إلى دول أوروبية عدة، مثل هولندا وإنجلترا والنمسا.

تم إنزال أولى أكياس القهوة عام 1644 بمدينة مارسيليا الفرنسية، لكن الفرنسيين لن يعرفوا كيفية صنع مشروب القهوة حتى عام 1671.

في القرن 18 وقبل أن تصبح القهوة ضمن الثقافة الأوروبية، كان المشروب المفضل للفرنسيين هو الجعة.

ونظرا لأن إمدادات المياه كانت ملوثة، فإن معظم الناس سيعانون من ارتفاع السكري والخمول.

بمجرد شرب القهوة، استيقظوا من كسلهم وأصبحت عقولهم متيقظة ليثوروا ضد لويس السادس عشر.

ولهذا السبب أعطى بعض الباحثين الفضل للقهوة كأحد العوامل التي حفزت الفرنسيين والأميركيين للقيام بالثورة.

كان السبب الثاني وراء هذا الحماس الفكري هو المقاهي، التي كانت مكان تجمع الرجال لمناقشة الأفكار والأحداث وقرارات الملك. في المقهى دبروا مؤامراتهم، واندثرت الخلافات بين أطياف المجتمع، فتمت الإطاحة بالنظام الملكي.

"لا شيء يتم دون قهوة"، يقول مفكر عصر التنوير فولتير الذي كان يستهلك 12 كوبا كبيرا من القهوة على الأقل يوميا، لكن في السنوات الأخيرة زاد عدد أكواب القهوة التي يشربها إلى 54 كوبا، والجرعة الزائدة من الكافيين أنهت حياته في عامه الـ 84.

القهوة في أميركا

يبدأ تاريخ القهوة في أميركا اللاتينية عام 1720، حيث وصلت القهوة بداية إلى منطقة بحر الكاريبي.

وهناك انتشرت زراعتها بسرعة في جميع أنحاء أميركا الجنوبية، وتحديدا في البرازيل وكولومبيا وفنزويلا.

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت البرازيل أهم منتج للقهوة، إذ قام مزارعو البن الأوائل بحرق الغابات الاستوائية لإفساح المجال لمزارع القهوة، والتي زادت الإنتاج بسبب تراكم الدبال على مدى قرون.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن تاريخ القهوة بدأ في منتصف القرن السابع عشر، وكان الشاي أكثر شهرة في المستعمرات الأميركية.

وغيّرت الثورة الأميركية في ثقافة الشعب، التي حاولت تجنب أي شيء له علاقة بالثقافة البريطانية.

بفضل حفلة شاي في بوسطن عام 1773، ستصبح القهوة المشروب الأكثر شهرة من الشاي البريطاني، وسيعتبر شرب القهوة واجبا وطنيا.

أما بالنسبة للمقاهي فستشتهر في بداية القرن العشرين، بفضل عبارة تنسب لثيودور روزفلت، أحد رؤساء الولايات المتحدة، حيث وصف روزفلت القهوة قائلا: "مشروب شهي لآخر قطرة".

القهوة اليوم

ويأتي إنتاج القهوة من البلدان الموجودة حول خط الاستواء، بين المنطقتين المدارتين، حيث تمثل 5 دول ثلثي إنتاج القهوة في العالم: البرازيل، كولومبيا، إثيوبيا، إندونيسيا وفيتنام. 

وتُعرف ثمار شجرة البن باسم كرز القهوة، إذ تحتوي كل كرزة بشكل عام على بذرتين من القهوة، موضوعة بشكل مسطح مقابل بعضهما البعض.

وحوالي 5% من الكرز تحتوي على بذرة واحدة فقط، هذه البذور المنفردة أصغر حجما وتنتج في رأي البعض قهوة أكثر حلاوة ونكهة.

تتم معالجة كرز القهوة عن طريق فصل بذور البن من غلافها ثم تجفيفها، يجب إزالة جميع الحبوب من ثمارها وتجفيفها قبل التحميص.

وتستخدم 3 تقنيات لتحضير القهوة: العملية الجافة أو العملية الرطبة أو العملية الهجينة بين الطريقتين الأولى والثانية.

وتسمى القهوة الناتجة عن هذه العمليات "القهوة الخضراء"، وتكون جاهزة بعد التحميص.

أنواع القهوة

لبذور القهوة أنواع عدة يمكن تقسيمها بشكل عام إلى 4 أنواع رئيسية:

  • قهوة أرابيكا Arabica: تعرف حبوب أرابيكا بكونها واحدة من أكثر أنواع حبوب القهوة شهرة وأجودها. كما أن أكثر من 60% من حبوب البن المنتجة في العالم هي من أصناف أرابيكا. تزرع هذه البذور على ارتفاعات عالية وفي مناطق ماطرة. أشجار هذا النوع من بذور القهوة تتأثر بسرعة إن تضررت بيئتها.
  • قهوة روبوستا Robusta: حبوب روبوستا هي ثاني أكثر أنواع حبوب القهوة إنتاجا في العالم. تنمو بشكل أفضل في المناخ الحار مع هطول الأمطار غير المنتظم ويمكن أن تنمو على الارتفاعات أيضا. مقارنة مع حبوب أرابيكا، فحبوب الروبوستا تحتوي على ضعف كمية الكافيين فيها، مما يعني أنها خيار ممتاز للحصول على نكهة أقوى. حبوب هذا النوع من القهوة تتميز بملمس ناعم كالشوكولاتة، مما يجعلها مثالية لخلطها مع الحليب والسكر وشربها مثلجة.
  • قهوة ليبيريكا Liberica: أكبر حبوب القهوة حجما وتتميز برائحتها القوية الفريدة.
  • قهوة إكسليسا Excelsa: توجد في جنوب شرق آسيا، وتمثل فقط حوالى 7% من قهوة العالم.

حقائق عن تاريخ القهوة

إليك حقائق قد لا تعرفها عن تاريخ القهوة:

  • في القرن 15، حكم قاض في الدولة العثمانية لامرأة أن تطلق زوجها لأنه فشل في تزويدها بحصتها اليومية من القهوة.
  • في القرن 18، كانت القهوة في روسيا مقتصرة على طبقة النبلاء ورجال الدين وغيرهم من كبار المسؤولين.
  • افتتح إدوارد لويد مقهى خاص به في إنجلترا عام 1668، وكان معظم ضيوفه من التجار ووكلاء التأمين، ليتحول المقهى إلى شركة تأمين Lloyd’s of London المعروفة عالميا.
  • في عام 1998، ولأول مرة، تجاوز الإنفاق على القهوة في بريطانيا بمقدار الشاي المستهلك.
  • كان بيتهوفن من محبي القهوة وكان لديه تعليمات محددة لصنعها، مثلا كان يحسب دائما 60 حبة قهوة لكل كوب.
  • حصل الكابتشينو على اسمه لتشابه لونه مع لون الجلباب الذي يرتديه رهبان الكابوتشين.
  • يتم استهلاك أكثر من 2.25 مليار فنجان قهوة في العالم كل يوم.
  • تبلغ الجرعة المميتة من الكافيين حوالى 100 كوب من القهوة.
  • يعتبر الكافيين من المواد المحظورة في قائمة لجنة الألعاب الأولمبية.
  • أنتجت البرازيل طابعا بريديا معطرا للترويج لقهوتها في عام 2001، وتدوم رائحة الطابع 5 سنوات.
  • اخترعت القهوة الفورية، كوسيلة للبرازيل لمنح فائضها من القهوة حياة أطول.
  • الإسبريسو كلمة إيطالية تعني طريقة صنعه، أي دفع الماء المغلي من خلال ضغط القهوة المطحونة.
  • يمكن أن تكلف أغلى قهوة في العالم أكثر من 600 دولار للرطل.
  •  تعد فنلندا أكبر موطن لعشاق القهوة، حيث يبلغ متوسط استهلاك الفنلندي 27.5 رطلا من القهوة كل عام، وفقا لمنظمة القهوة الدولية.
  • يعيش شاربو القهوة لفترة أطول، حيث تربط الأبحاث بين الاستهلاك المعتدل للقهوة وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري من النوع الثاني ومرض باركنسون، وفقا لمجلة هارفرد الصحية.

سواء إن كنت تفضل فنجانا من القهوة في الصباح الباكر للعمل بإنتاجية، أو في المساء لإكمال مهام يومية أو في النهار للدردشة مع العائلة والأصحاب، فالقهوة أصبحت من الطقوس اليومية المهددة لكثير من الناس في جميع أنحاء العالم.

وكشفت دراسة عن تأثير ارتفاع درجات الحرارة وتغير معدلات هطول الأمطار على محاصيل شجرة البن، مما سيخفض من جودة القهوة وسيرفع من أسعارها. فهل ينقرض مشروبك المفضل؟