hamburger
userProfile
scrollTop

حركة نقدية أم نهج فكري.. كل ما تريد معرفته عن البنيوية

المشهد

الاستبطان كانت الأداة الرئيسية لعلم النفس الخاص في البنيوية
الاستبطان كانت الأداة الرئيسية لعلم النفس الخاص في البنيوية
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • ظهرت البنيوية كحركة فكرية في القرن 19.
  • برزت في مجالات إنسانية واجتماعية مختلفة.
  • ركزت على علم البشر واللغات والفلسفة.
  • سوسور وفونت وتيتشنر وشتراوس من أبرز روادها.

في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت حركات فكرية ونقدية عدة مختلفة في مجالاتها مثل الثقافة والأدب وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرها، لكنها متشابهة في معاداتها للإجماع الليبرالي الذي ساد عالم النقد بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الماضي.

ومن بين هذه الحركات برزت الحركتان الفكريتان الأكثر إثارة للجدل وهما البنيوية وما بعد البنيوية من التفكيكية وغيرها، والتي نشأت في فرنسا في الخمسينيات من القرن الماضي وأدى تأثيرها إلى حدوث تغييرات جذرية في الدراسات الإنجليزية الخاصة في النقد الأدبي في القرن العشرين، وكانت اللغة والفلسفة هي الاهتمامات الرئيسية لهذين النهجين.

تحدت البنيوية التي ظهرت كتيار في الخمسينيات النقد الأدبي جديد، وركزت على كيفية تحديد السلوك البشري من خلال الهياكل الثقافية والاجتماعية والنفسية.

في هذا التقرير، سنأخذك في رحلة عبر التاريخ لاستكشاف هذه الحركة والتعرف على أبرز ملامحها وروادها وخصائصها من القرن العشرين وما قبله، وسنتحدث أيضاً عن أهميتها ونقاط قوتها وضعفها.

ما هو مفهوم البنيوية؟

تتشعب البنيوية structuralism إلى مفاهيم عدة تدخل في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية، منها علم اللغويات وعلم النفس وعلم الاجتماع، لكن التعريف الأبسط للبنيوية هو "طريقة الإنسان في فهم الأشياء".

تقول البنيوية، بحسب دراسة لجامعة سانت بونافنتور الأميركية، إن العناصر ليس لها معنى أو قيمة مطلقة بحد ذاتها، بل إن معناها أو قيمتها مرتبطة بعناصر أخرى، وأن كل شيء يكون منطقيا فقط عندما يتعلق بشيء آخر، أي لا يمكن لعنصر معزول أن يُنظر إليه كعنصر ذي قيمة إلا إذا جمع مع عنصر آخر معين.

أنواع البنيوية

  • البنيوية الأنثروبولوجية
  • البنيوية الماركسية
  • البنيوية اللغوية
  • البنيوية السردية
  • البنيوية الأسلوبية
  • البنيوية الدراماتورجية
  • البنيوية السينمائية
  • البنيوية السيميوطيقية
  • البنيوية النفسية
  • البنيوية الفلسفية
  • ما بعد البنيوية
  • مثال على البنيوية

على سبيل المثال، لا يمكن فهم مجتمع بأكمله مثل نسل فلان وعلان، إلا في سياق نظام القرابة بأكمله (الأم والأب)، لا يمكن دراسة عنصر معين إلا كجزء من بنية أكبر وأوسع.

ترى البنيوية أن الفهم لا يُمكن أن يحدث إلا مع وجود اختلافات تسمى التناقضات أو المتضادات الثنائية، وهو ما يعني أن معنى الشيء ليس شيئا مطلقا، بل نسبي إذ لا يمكننا أن نفهم شيئا ما لم نكن أولا قد فهمنا كيف يختلف هذا الشي عن شيء آخر معارض له.

على سبيل المثال كلمة "ساخن" لا تعني "ساخن"، ما لم يكن هناك أيضا كلمة "بارد"، ولا يوجد "خير" من دون "شر"، ولا "ذكر" من دون "أنثى"، وهكذا كل المصطلحات في اللغويات تولد أضدادها.

متى ظهرت المدرسة البنيوية؟

ظهرت البنيوية في الأوساط الأكاديمية للمرة الأولى مرة في القرن التاسع عشر، ثم ظهرت البنيوية مجددا في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما تكاثرت فأصبحت واحدة من أكثر الأساليب شعبية في المجالات الأكاديمية المعنية بتحليل اللغة والثقافة والمجتمع وعلم النفس.

البنيوية في علم اللغويات (اللسانيات)

في علم اللغويات، البنيوية هي فلسفة وطريقة تهتم بالجغرافيا البشرية، تطورت من رؤى في مجال اللغويات في منتصف القرن العشرين لدراسة الأنماط الأساسية للحياة الاجتماعية.

وتُعتبر أي مدرسة من مدارس علم اللغة في القرن العشرين ملتزمة بمبدأ بنيوي مفاده أن "اللغة هي بنية علائقية قائمة بحد ذاتها، والعناصر التي تستمد وجودها وقيمتها من توزيعها ومعارضتها في نصوص أو خطاب".

ذكر هذا المبدأ بوضوح لأول مرة بالنسبة لعلم اللغة من قبل الباحث السويسري فرديناند دي سوسور (1857-1913)، الذي قاد البنيوية إلى أبعد من ذلك حيث تم تطويرها في اتجاهات مختلفة إلى حد ما من قبل مدرسة علم المصطلحات وغيرها من الحركات الأوروبية.

وفي الولايات المتحدة يُعدّ مصطلح البنيوية في علم اللغة بنفس المعنى أوروبي طوره فرانز بواس (1858-1942) وإدوارد سابير (1884-1939) وأتباعهما.

أما في الوقت الحاضر، يتم استخدام المنهج البنيوي أو البنيوية بشكل شائع بمعنى أضيق للإشارة إلى ما يسمى بمدرسة ما بعد بلومفيلد لتحليل اللغة التي تتبع أساليب ليونارد بلومفيلد. وطُورت بعد عام 1930، وتُعدّ مجالات اهتمامها الرئيسية:

  • علم الأصوات (دراسة أنظمة صوت الكلمات)
  • علم التشكل (دراسة بنية الكلمات)

البنيوية في علم النفس

وتعتبر البنيوية أول مدرسة فكرية في علم النفس، حيث سعت إلى تحليل عقل الإنسان البالغ من المجموع الكلي للخبرة منذ الولادة وحتى الوقت الحاضر، من خلال مكونات بسيطة قابلة للتحديد ثم إيجاد الطريقة التي تتلاءم بها هذه المكونات معا في أشكال معقدة.

نظرت البنيوية إلى فحص عقل البالغين من حيث تحليل العناصر الأساسية للأفكار والأحاسيس، وبعد ذلك اكتشاف الطريقة التي تتناسب بها هذه الأجزاء معا في الهياكل المعقدة.

كان هدف فيلهلم ماكسيميليان فونت العالم الفيزيولوجي والفيلسوف والأستاذ الألماني هو تسجيل الأحاسيس والأفكار، وتفسيرها وتبسيطها ضمن المكونات الرئيسية فيها، تماما كما يتم تحليل المركبات الكيماوية بهدف الوصول إلى أساس البنية التي تتكون منها.

وتُعرف مدرسة علم النفس التي أسسها فونت باسم "التطوع" وهي عملية تنظيم العقل.

وتم تطوير نظرية فونت وتعزيزها من قبل تلميذه إدوارد تيتشنر (1898) الذي نقل التطوع إلى البنيوية، أو تحليل العناصر الأساسية التي تشكل العقل من خلال المنهج البنيوي، وسمي بمؤسس البنيوية.

الغرض من البنيوية

كانت الأداة الرئيسية لعلم النفس الخاص في البنيوية، هي الاستبطان (مجموعة دقيقة من الملاحظات تم إجراؤها في ظل ظروف خاضعة للرقابة من قبل مراقبين مدربين باستخدام مفردات وصفية محددة بدقة).

ورأى تيتشنر أنه يجب تقييم التجربة كحقيقة، كما هي موجودة من دون تحليل أهمية أو قيمة تلك التجربة. فبالنسبة له "تشريح العقل" لا علاقة له بكيفية أو لماذا يعمل العقل.

تطوّر البنيوية

وعلى الرغم من حقيقة أن البنيوية تحدثت عن تطوير علم النفس كمجال منفصل عن التفكير، فقد فقدت المدرسة الأساسية تأثيرا كبيرا عندما توفي تيتشنر في النهاية.

ومع ذلك، أدى تطور البنيوية إلى تقدم عدد قليل من الحركات المضادة لها والتي كانت تستجيب بشكل عام للحركات والمدارس الأوروبية التي ظهرت ما بعد البنيوية في مجال علم النفس الاستكشافي.

البنيوية في علم الاجتماع

أما في العلوم الاجتماعية، فسعى أسلوب البحث البنيوي أو البنيوية ليس فقط إلى تحديد الهياكل أو العلاقات في حد ذاتها، بل إلى النظر لما وراء أو ما تحت التصاميم المرئية والواعية مثل المعتقدات والأفكار والسلوكيات للأفراد الناشطين.

تعرف البنيوية في سياق النظام الاجتماعي بأن الناس ليسوا مجرد لاعبين مستقلين يتخذون قرارات مستقلة، بل هم نتاج الظروف الاجتماعية التي يعيشون فيها.

تدرس البنيوية في علم الاجتماع الانتظام الأساسي اللاواعي للتعبير البشري أي الهياكل غير المرئية، التي لها تأثيرات ملحوظة على السلوك والمجتمع والثقافة.

النقد البنيوي وأتباع الماركسية

يعتقد الماركسيون على سبيل المثال، أن المؤسسات والثقافة والأفكار (ما يسمونه بالبنية الفوقية) لا يمكن فهمها بشكل منفصل عن مصالح الطبقة الاجتماعية الأساسية للمجتمع الرأسمالي.

عُرف عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس بأنه المتحدث باسم البنيوية في الأنثروبولوجيا أو علم الإنسان أو البشر، حيث قام بدمج أعمال العديد من المؤلفين خلال القرن 20.

اشتق شتراوس هذه النظرية من علم اللغة البنيوي أو البنيوي الذي طوره اللغوي السويسري فرديناند دي سوسور كما أسلفنا.

قام شتراوس ببناء نظريات تتعلق بالبنية الأساسية لأنظمة القرابة والأساطير وعادات الطهي والأكل، وقال إن الطريقة الهيكلية باختصار تهدف إلى اكتشاف البنية المشتركة للأشكال الاجتماعية والثقافية المختلفة على نطاق واسع.

ومع ذلك، فإن هذا الهيكل لا يحدد التعبيرات الملموسة، إذ أنه من المحتمل أن يكون تنوع التعبيرات التي ينتجها غير محدود.

كذلك، فإن الهياكل التي تولد أشكالا متنوعة من الأشكال الاجتماعية والثقافية، تعكس في النهاية الخصائص الأساسية للعقل البشري.

من هم رواد البنيوية؟

بعد فرديناند دي سوسور وفيلهلم ماكسيميليان فونت وإدوارد تيتشنر وشتراوس، تبنى البنيوية رواد ومفكرون وعلماء عدة، بينهم المنظر الأدبي رولان بارت وعالم النفس جاك لاكان وعالم الاجتماع الماركسي لويس ألتوسير، والمفكران المشهوران ميشيل فوكو وجاك دريدا، ونعوم تشومسكي وغيرهم.

البنيوية بين القوة والضعف

البنيوية مهمة لأنها أول مدرسة فكرية رئيسية في علم النفس، وأثرت المدرسة البنيوية أيضا على تطور علم النفس التجريبي، ولعبت دورا في الدافع لجعل علم النفس علما تجريبيا أكثر مما هو مجرد علم نظري، بينما.

من خلال فهم البنيوية يمكن الحصول على تقدير أكبر لكيفية تطور علم النفس إلى النظام الذي هو عليه اليوم.

لكنه برغم من أهميتها إلا أنها واجهت انتقادات عدة خاصة بعد وفاة تيتشنر الذي أصبح نهجه باستخدام الاستبطان أكثر صرامة ومحدودية، فوفقا للمعايير العلمية الحالية، كانت الأساليب التجريبية المستخدمة لدراسة هياكل العقل ذاتية للغاية حيث أدى استخدام الاستبطان إلى عدم موثوقية النتائج.

نقاد آخرون عدة جادلوا بأن البنيوية كانت تصب كامل اهتمامها بالسلوك الداخلي للفرد أو للهيكل، وهو ما لا يمكن ملاحظته بشكل مباشر ولا يمكن قياسه بدقة.

أمثلة على هياكل البنيوية

  • هيكل اللغة: قام بدراسته وتحليله المفكر اللغوي فرديناند دي سوسور.
  • هيكل اللاوعي: درسه وحلله المحلل النفسي جاك لاكان.
  • هيكل المجتمع: درسه وحلله عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس.
  • هيكل الاقتصاد: درسه وحلله الفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير.
  • هيكل المعرفة: درسه وحلله الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

الفرق بين التفكيكية والبنيوية

تؤكد نظرية التفكيك التي نشأت في فترة ما بعد البنيوية، أنه نظرا لأن الأنظمة تتغير دائما، فمن المستحيل وصف نظام ما بأنه كامل.

ولغويا، يستكشف النقد التفكيكي الأنماط داخل النصوص ويهدف إلى إظهار كيف تقوض القوى المتضاربة داخل النص استقرار بنيته. كما يعمل على كشف المعنى كمجموعة من الاحتمالات غير المحددة.

قد يركز النقد التفكيكي أيضا على الثنائيات في النص لفضح جانب واحد للثنائي امتياز والآخر تم قمعه، مثل:

الخير / الشر، الضوء / الظلام، ذكر / أنثى، فقير / غني، خطي / غير خطي، كبير / صغير، مذكر / مؤنث، أو طبيعي / اصطناعي... الخ.

ما بعد البنيوية

نقد ما بعد البنيوية، ما بين النقد الأدبي والنقد التفكيكي يستكشفان أيضا الأنماط داخل النصوص، لكن النقد التفكيكي يهدف إلى إظهار كيف تقوض القوى المتضاربة داخل النص استقرار بنية النص، وكشف المعنى كمجموعة من الاحتمالات غير المحددة.

وعلى عكس البنيويين الذين يتبنون مبدأ المادية وتحليلها وتخصيصها إلى قواعد يمكن فهمها بالعقل والمنطق، يرى التفكيكيون أن المعرفة بالشيء هو أمر حسي وشعوري يتم الوصول إلى هذا الشعور بعد أن يتم إدراكه من قبل المتلقي.

خصائص البنيوية

تتميز الحركة البنيوية أو المنهج البنيوي بخصائص عدة تتمحور جميعها حول علم الأنثروبولوجيا واللغات، وفيما يلي أبرز تلك الخصائص:

  • لا بد من أن يكون هناك هيكل يتجاوز بحجمه الفرد الأعزل.
  • الهيكل يجب أن يكون سائدا على الفرد الأعزل.
  • يحيط الهيكل بالفرد الأعزل ويشكل كينونته.
  • الفرد الأعزل لا بد أن يخضع لقواعد وقوانين الهيكل الأكبر.
  • يشترط أن يكون سلوك البشر مرتبط بالتركيبات الموجودة في كل مجتمع أو ثقافة.
  • البشر هم الذين يعطون معنى للعادات، واللغات والحقائق والأفعال.