hamburger
userProfile
scrollTop

"تأثير إيوينغ" صنع مجد "سان جيرمان"

ميلان حقق 10 انتصارات متتالية قادته إلى نهائي كأس الأندية الأوروبية في 1993 (رويترز)
ميلان حقق 10 انتصارات متتالية قادته إلى نهائي كأس الأندية الأوروبية في 1993 (رويترز)
verticalLine
fontSize

ما إنْ رحل النجم الكبير كيليان مبابي عن صفوف باريس سان جيرمان، حتى توّج النادي الفرنسي بلقبٍ طال انتظاره: كأس دوري أبطال أوروبا لكرة القدم. ليس لمرة، بل مرتين، وتحديدُا في الموسمين، الماضي الذي شهد خروجه، والراهن.

"الكرة الذهبية" 

في الأساس، جرى الإتيان بمبابي إلى "بارك دي برانس" لتحقيق الهدف المركزي: التّربع على "عرش قاري" سعى إليه الملّاك القطريون منذ الوصول إلى العاصمة الفرنسية في 2011.

لا يٌنكر التاريخ على مبابي سعيه الحثيث للنيل من الكأس ذات الأذنين. جرى دعمه على فترات، بالأرجنتيني ليونيل ميسي وقبله مواطن الأخير أنخيل دي ماريا والبرازيلي نيمار داسيلفا وغيرهم، لكن من دون جدوى.

كان يدرك اللاعب، في قراراة نفسه، بأنّ خطب ودّ "الكرة الذهبية" لن يكون ممكنًا من دون "مَهر التتويج باللقب الأوروبي". قرر، في نهاية المطاف، شدّ الرّحال إلى ريال مدريد الإسباني حيث بدا الفوز بدوري الأبطال متاحُا، ما قد يفتح الباب أمامه لتحقيق الأهداف، الجماعية منها والفردية، على حدٍّ سواء.

بدا وكأن رحيله حرّر باريس سان جيرمان من عقدة "الكبار"، ونحا مدربه الإسباني الفذّ لويس إنريكي منحًى ثورويًا قائمًا على التخلص من "النجوم السوبر" وكل "مَن لا يسمع الكلمة". كل ذلك في سبيل بناء منظومة متفاهمة يتعاون ويتواضع فيها الجميع لمصلحة المجموعة. النتيجة: "سان جيرمان" ينتزع اللقب الأوروبي الأول في الموسم الماضي على حساب إنتر ميلان الإيطالي، قبل أن يحتفظ به، السبت، على أنقاض أرسنال الإنكليزي.

ليس هذا فحسب، بل إنّ نجمه الدولي الفرنسي عثمان ديمبيلي توّج في العام الماضي بـ "الكرة الذهبية" كأفضل لاعب في العالم.

عاش النادي الباريسي في موسمين، كل ما سعى إليه مبابي منذ بزوغ نجمه. فهل كان قرارًا سليمُا أن يرحل عن "مدينة الجنّ والملائكة"؟

ثمة عنوان بارز متداول منذ زمن، وهو أن لا لاعب يرفض عرض ريال مدريد. ثمة استثناءات بالتأكيد لكنّ ارتداء زيّ "الملكي" لا يعدّ إنجازًا بحد ذاته بالنسبة للاعبي الصف الأول، إلا مع اقترانه بتحقيق الألقاب، فما الحال إن كان المعنيّ من قماشة مبابي؟

موسمان أمضاهما في "سانتياغو برنابيو"، مسجلًا أهدافُا بالجملة والمفرّق، غير أنّ الجماهير المتطلبة لا يغويها ذلك، بل إنها تطلب الألقاب شرطًا لهضم أيّ وافد جديد، كائنًا من كان، وهو ما لم يحققه مبابي الذي اكتفى، حتى اليوم، بكأس السوبر الأوروبية والكأس القارية. لقبان لا فضل مباشر له فيهما، كون ريال مدريد خاض غمار الصراع عليهما في ضوء تتويجه في الموسم الذي سبق بدوري الأبطال بقيادة المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، عندما كان مبابي ينشط في "سان جيرمان".

العرش القاري

في 1993، حقق ميلان 10 انتصارات متتالية قادته إلى نهائي كأس الأندية الأوروبية (دوري الأبطال حاليُا) في ميونخ (ألمانيا)، قبل أن يحرمه مرسيليا الفرنسي "العرش القاري" بهدف بازيل بولي، ويدخل التاريخ كأول فريق فرنسي يحرز اللقب الأسمى.

بعيد صافرة النهاية، انهار مهاجم ميلان، الفرنسي جان بيار بابان، متحسّرًا على ضياع حلم. فقد غادر مرسيليا بالتحديد صيف 1992 للالتحاق بميلان، واضعُا نصب عينيه الفوز بكأس الأبطال بعدما عاندته مرارًا، وتحديدًا في 1991 عندما سقط فريقه بمفاجأة أمام النجم الأحمر الصربي (اليوغوسلافي سابقًا) بركلات الترجيح في النهائي.

الموسم التالي (1994) كان أكثر مرارة، فقد اضطر بابان إلى متابعة تتويج ميلان نفسه بالكأس القارية على حساب برشلونة الإسباني من مدرجات "الملعب الأولمبي" في أثينا، بسبب لوائح الاتحاد الأوروبي التي لم تكن تسمح بوجود أكثر من 3 أجانب في تشكيلة الفريق الواحد.

حينها لم يكن بابان ضمن "الخيارات الأجنبية" للمدرب فابيو كابيلو. صحيح أنه لمس الكأس لكن بملابس مدنية كونه لم يشارك لا كأساسي ولا كبديل حتى.

بعد مرور 32 سنة على "نهائي ميونخ"، أعاد التاريخ نفسه مع لاعب فرنسي آخر، مبابي الذي سعى كثيرًا للتتويج باللقب القاري مع "سان جيرمان"، لكن من دون جدوى. لم يخسر النهائي، كما بابان، أمام فريقه السابق، بل أمام بايرن ميونخ الألماني في 2020، غير أنّ "المأساة" واحدة.

وحقيقة أن يتوّج "سان جيرمان" باللقب لمرة ثانية على التوالي، السبت، فهذا يزيد مرارة مبابي.

عملية دفاعية

هل كان يتوجب على مبابي الاستمرار مع باريس سان جيرمان ومحاولة التتويج باللقب مرارًا وتكرارًا؟ بالتأكيد لا. إنريكي لا يميل إلى الاعتماد على نجوم بل على من "يسمع الكلام" ويلتزم تكتيكيًا ويشارك على وجه الخصوص، في العملية الدفاعية.

معروف عن ديمبيلي بأنه ذاك اللاعب المزاجي غير المنضبط في بوروسيا دورتموند الألماني وبرشلونة الإسباني. إنريكي عرف كيفية التعامل معه وجعله أفضل لاعب في العالم. حتى أنه كسائر لاعبي الفريق، لا يتململ من استبداله خلال المباريات، وتراه محميًّا في النادي ومقدّرًا من زملائه والجهاز الفني على موهبته وما يقدم، لكن يبقى جزءًا من كل.

بقاء مبابي ما كان ليثمر ألقابًا بالضرورة. كان كل من في الفريق يلعب لأجله، على حساب المنظومة. هو شخصية متعالية نوعًا ما، تفرض نفسها في غرفة تبديل الملابس من دون وازع. عندما توّج بكأس العالم 2018 مع منتخب فرنسا، لم يكن قد نضج بعد. كان في الـ19 من عمره ومحاطًا بلاعبين كبار بشخصيات قوية.

باريس سان جيرمان توّج بلقبين أوروبيين بسبب رحيل مبابي. ربما. كان يجب أن يرحل كي يتحرر اللاعبون ويفكّ النادي الفرنسي العقدة ويتوّج. أيضًا ربما. الواقع أنّ التتويج بلقب واحد قد يأتي بصدفة أو تضافر عوامل معينة أو حظ، لكنّ الفوز بلقبين يؤكد بأنّ "باريس" لم يكن حقًا بحاجة إلى كيليان.

سيناريو يُمثل تطبيقًا واقعيًا ودقيقًا للمصطلح الرياضي المعروف بـ"تأثير إيوينغ" الذي يفسر كيف يتخلص الفريق من عبء النجم الأوحد ليصبح منظومة جماعية مدمّرة تحقق البطولات فور رحيله.

أراد مبابي أن يصنع التاريخ في ريال مدريد، فصنع باريس سان جيرمان التاريخ في غيابه.