في زمن قد مضى، عادة ما كان ستاد القاهرة الدولي بمثابة ملعب الرعب للمنافسين القادمين لمواجهة الفرق المصرية في أي بطولة على صعيد الأندية والمنتخبات.
لم تنجح مصر في بلوغ كأس العالم 2010 بعد الخسارة أمام الجزائر في مباراة فاصلة في السودان، ولكن مواجهة سبقتها بـ4 أيام على "ملعب الرعب" حفظت لمصر حظوظها في التأهل وأهلتها لهذه المباراة الفاصلة بعد أن كانت الأفضلية للجزائر حتى الرمق الأخير.
ربما كان هذا هو آخر مشهد للمعنى الحقيقي لرعب المنافسين على الملعب التاريخي لمصر.
نكسة فبراير 2023
لن يهتم المشجع كثيرا لفكرة خسارة منتخب الشباب، ولن يصبح يومه سيئا بقدر ما قد تتواجد هذه الاحتمالية إذا خسر المنتخب الأول مباراة هامة، أو كذلك ناديه المفضل.
لكن ما حدث على "ملعب الرعب" الذي لم يعد مرعبا بالقدر الكافي، بل أصبح نزهة للكثيرين، في شهر فبراير من العام الجاري، يمكن تصنيفه كنكسة للكرة المصرية، ولا يمكن توقع توابعها خلال السنوات المقبلة.
تستضيف مصر كأس أمم إفريقيا للشباب لأقل من 20 عاما، والتي تؤهل لكأس العالم للشباب في إندونيسيا الصيف المقبل.
في زمن مضى، ليس ببعيد، اعتاد الفراعنة التواجد كضيوف دائمين في هذه البطولة.
عرفت مصر حسام غالي ومحمد شوقي وعبدالله السعيد وشيكابالا ومحمد صلاح ومحمد النني وأحمد حجازي ومحمود حسن "تريزيغيه" وغيرهم ممن لعبوا عددا وافرا من المباريات الدولية مع المنتخب الأول، أولا من خلال هذه البطولة.
لكن الواقع الحالي هو أن مصر تغيب عن هذه البطولة منذ أن شاركت لمرة أخيرة في تركيا عام 2013.
جاءت الفرصة لمصر من أجل العودة، إلا أن المشهد الختامي للمشاركة المصرية كان مأساويا.
3 مباريات بلا فوز وبلا نقطة وبلا هدف واحد لشباب المنتخب المصري، على ملعب لم يصبح مرعبا.
مشهد ختامي بعد سلسلة من الجدالات حول مدى كفاءة الأجهزة الفنية لمنتخبات الشباب، ومدى قدرة اللاعبين المختارين على تحقيق أهداف كرة القدم المصرية.
قبل أشهر قليلة، كانت المأساة الأولى حين فشل منتخب مصر للناشئين لأقل من 17 عاما في بلوغ بطولة إفريقيا من الأساس، وذلك بعد أن حل أخيرا في تصفيات شمال إفريقيا المؤهلة للنهائيات القارية لتلك الفئة العمرية.
لا توجد خطة
"خلال الـ6 سنوات الأخيرة، تراجعت نتائج المنتخبات الشابة بشكل ملحوظ. السبب الرئيسي هو الخلل الإداري ولا توجد استراتيجية أو خطة إعداد واضحة. الأخطاء تتكرر ولا يوجد تصحيح".
في بداية حديثة مع منصة "المشهد"، يُفنّد الكابتن ضياء السيد العناوين الرئيسية لأسباب فشل المنتخبات المصرية للفئات العمرية الشابة.
عمل ضياء السيد مديرا فنيا لمنتخب الشباب في 2011، وهو الجيل الذي جاء على رأسه محمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي الحالي، وزميله محمد النني الذي يقضي عامه السادس في صفوف أرسنال.
عاون ضياء كذلك البرتغالي كارلوس كيروش في القيادة الفنية لمنتخب مصر الأول في وقت مبكر من عام 2022.
ويتابع ضياء لـ "المشهد": "تكوين المنتخبات الشابة عادة ما يعتمد بشكل أساسي على وجود وقت كافي للتأقلم، وأن يتم توفير الاحتكاك الكافي بمدارس كروية من مختلف القارات".
وأردف: "يمكن ملاحظة النماذج الناجحة لأنها تطبق ذلك. يجب أن يتم الاحتكاك لعدد كبير من المباريات لا يقل عن 50 مباراة".
بمد الخط على استقامته، فإن الفشل الإداري يؤثر بالتبعية على المنتخب الأول.
كانت مصر قريبة من التأهل لكأس العالم 2022 والتتويج بأمم إفريقيا الأخيرة، وقد خسرت في الخطوة الأخيرة في كلتا المناسبتين على يد نفس المنافس السنغالي، وبنفس سيناريو الركلات الترجيحية.
جاء تلك الهزائم ختاما لفترة عمل قصيرة للبرتغالي كارلوس كيروش مع المنتخب المصري، لم تمتد لأكثر من 6 أشهر، وفي الحقيقة لم تكن التوقعات كبيرة عند بداية المهمة.
يتابع ضياء الذي عاون المدير الفني البرتغالي خلال تلك الفترة: "كيروش كان مدربا رائعا وعمل بكل جد وتركيز، ونجحنا في إيصال المنتخب إلى المراحل النهائية في جميع الاستحقاقات التي شاركنا فيها. لم نكن موفقين في الخطوة الأخيرة فقط".
ويضيف: "خلال فترة 6 أشهر لم نلعب إلا مباراة ودية واحدة فقط، بينما دخلنا فورا في استحقاقات رسمية متتالية ما بين استئناف لتصفيات كأس العالم، ثم دخول في معترك بطولة كأس العرب، وتلاها كأس الأمم الإفريقية، ختاما بالمباراتين الفاصلتين أمام السنغال للتأهل إلى المونديال".
ويعود مساعد كيروش السابق إلى انتقاد الإدارة المسؤولة عن كرة القدم المصرية: "لا يوجد تحليل علمي منطقي لتلك الفترة، فالقرارات تؤخذ بناء على النتائج النهائية فقط. إن وُجدت دراسة منطقية لتحليل مكتسبات تلك الفترة، فكان بالإمكان البناء عليها مباشرة".
المُقدمات تؤدي إلى النتائج
مسألة النتائج في كرة القدم في النهاية هي أمر يتوقف على عامل التوفيق، ولكن يظل السؤال قائما: ماذا قدمت منظومة كرة القدم المصرية من معطيات ودراسات لكي تحصل على النتائج المرجوة؟
"مصر استطاعت الفوز على المغرب في أمم إفريقيا الأخيرة، ولكن التساؤل هنا.. هل الوضع العام للكرة المصرية أفضل من المغربية؟"
يطرح أحمد عز الدين، المحلل الكروي التلفزيوني، تساؤلا هاما ليجيب بنفسه: "لا.. وببساطة يمكن تعليل الإجابة بسبب ما شاهدناه من أداء رائع من المنتخب المغربي في كأس العالم الأخيرة".
ويتابع عز الدين: "بالمقارنة مع مصر، فالمغرب تمتلك كل العوامل التي تؤدي إلى النجاح، من ملاعب مجهزة وأرضيات تصلح للعب، ومنافسات يتابعهها جمهور كامل العدد من أرض الملعب".
وكانت المغرب قد نجحت في بلوغ نصف النهائي من كأس العالم الأخيرة في قطر في إنجاز عربي وإفريقي غير مسبوق، قبل أن تكتفي بحصد المركز الرابع.
ويضيف المحلل الكروي المصري: "أضف إلى ذلك، فإن منظومة كرة القدم المغربية تهتم بتطوير مدربيها وإثقال خبراتهم وتوفير الدراسات اللازمة لمواكبة كل جديد في عالم التدريب."
ويقارن مع الوضع في مصر: " لم يكن متاحا فرصة الحصول على شهادات تدريبية لعدة سنوات، وباستثناء ذلك يبقى الأمر اجتهادا فرديا".
ويقول: "إن تابعت الحالة الفنية لأندية الدوري المصري، فمن يسيطر على المشهد هم الوجوه المعتادة التي لا تسعى غالبيتها للتعلم ومواكبة الجديد، وبالتالي لا تضيف جديدا لأنديتها".
المغرب ليس المثال الوحيد الذي يملك خطة في القارة السمراء، فنماذج عدة بدأت تخطو خطواتها في النجاح، ولعل زيادة عدد المنتخبات المتنافسة في كأس الأمم الإفريقية فتح الباب للمفاجآت والوجوه الجديدة.
نعود للسنغال مثالا، فقد حرمت مصر من التتويج بنجمتها الإفريقية الثامنة ثم حرمتها من التأهل للمونديال، ونجحت في التفوق على مصر في الكرة الشاطئية وكرة القدم للسيدات، ختاما بمشهد مأساوي على ستاد القاهرة الدولي حين نجح شباب السنغال في الفوز على مصر برباعية نظيفة وإقصاءها خارج البطولة التي تستضيفها.
ويوضح عز الدين: "حتى وإن خسر المنتخب الأول بركلات الترجيح في مناسبتين، لا يمكن الجزم بأن مصر كانت تمتلك الأفضلية في تلك المواجهات، فقد هيمنت السنغال في أغلب تلك المواجهات".
ويتابع: "لننظر إلى جودة منتخبات السنغال وهذا الكم من اللاعبين المحترفين الذين يمتلكونه، ولندرك أين أصبحنا مقارنة بهم".
هكذا كانت مشاركة منتخب الشباب في البطولة، ومن المفترض أن يكون هذا الفريق هو المغذي الرئيسي للمنتخب الأول خلال السنوات المقبلة.
يعود الكابتن ضياء السيد للحديث عن المستقبل: "لست متفائلا بالمرحلة المقبلة. لقد استعانوا بالبرتغالي روي فيتوريا وقالوا أنه يمتلك خطة طموحة للكرة المصرية خلال السنوات المقبلة".
وعاد ليوضح: "أين هي الخطة؟ مجرد كلام مُرسل. الرجل يجتهد، ولكن مع أقرب نتيجة سلبية ستتم التضحية به لإرضاء الرأي العام".
أفضلية زائفة
خلال السنوات الأخيرة، نجح الأهلي المصري في التتويج بدوري أبطال إفريقيا في مناسبتين من أصل 5 مباريات نهائية نجح في بلوغها.
نجح الزمالك أيضا في بلوغ المباراة النهائية للبطولة في مناسبة واحدة، وتُوج بكأس الكونفدرالية الإفريقية في مناسبة أخرى.
وإجمالا، نجح القطبان في التتويج ببطولة كأس السوبر الإفريقي في 3 مناسبات لهما مُجتمعين خلال تلك السنوات.
وهنا يظهر التساؤل.. هل تُعبر هذه النتائج عن أفضلية حقيقية للكرة المصرية عن جاراتها؟

يبرر أحمد عز الدين هذا التفوق: "ما يحدث هو أن الأندية المصرية تحتفظ بلاعبيها الشباب الموهوبين لفترات أطول، أما أندية شمال إفريقيا فتفتح المجال أمام مواهبها للاحتراف الأوروبي بشكل مبكر".
ويتابع: "تتفوق الأندية المصرية على المدى القصير لذلك السبب، ولكن على المدى البعيد فإن هامش التطور يكون أكبر للاعب الذي يخرج للاحتراف الأوروبي".
تحرص الأندية المصرية على التدعيم من أجل خوض المنافسات المحلية والقارية، وبالعودة إلى موقع "ترانسفير ماركت" المتخصص في انتقالات اللاعبين وقيمتهم السوقية، يُقدر إنفاق أندية الدوري المصري بما يقارب 24 مليون يورو في إجمالي آخر فترتي انتقال للموسم الجاري.
بالمقارنة مع الدوري المغربي مثلا، والذي وصل المنتخب الذي يمثلها إلى نصف نهائي المونديال، ويأتي منها آخر بطل للقارة على صعيد الأندية، الوداد الرياضي، فلم يتجاوز إجمالي مصروفات الأندية على انتقالاتها خلال نفس الفترة حاجز الـ2.3 مليون يورو.
بصيغة مُبسطة أكثر، فإن الأندية المصرية أنفقت ما يقارب 10 أضعاف الأندية المغربية.
يجيبنا نادر السيد، الحارس المصري الدولي السابق: "لتحقيق النجاح على صعيد الأندية فلا بد من التدعيم والإنفاق، ولكن التساؤل دائما هو كيف تنفق؟".
ويتابع: "الأندية المصرية تنفق كثيرا لدعم لاعبيها، ولكن لا تدرك احتياجاتها بالشكل الكافي ولا يتم التقييم المادي لأي صفقة بشكل مدروس".
ويكمل منتقدا سياسات الأندية: "بعض الأندية لا تستطيع الوفاء بتعاقداتها مما يسبب أزمات قانونية ويُحمّل خزائن الأندية ما لا تحتمله، وفي النهاية من يحاسب هذه الإدارات؟".
اللعب المادي النظيف
ويقترح نادر السيد حلا متداولا بشدة: "يجب أن تتم إعادة صياغة تلك الأمور بالشكل اللازم. تطبيق سياسة اللعب المادي النظيف على مستوى الأندية لن يمثل مشكلة بقدر ما قد يساعد على تقليل هذه الحالة من الفوضى والعشوائية".
رغم ذلك، تعاني الأندية المصرية في الموسم الحالي قاريا، فالزمالك جمع نقطة واحدة من 3 مباريات في مجموعته، والأهلي حصد نفس الرصيد بعد مباراتين فقط، وسقط في فخ التعادل على ملعبه أمام صن داونز الجنوب إفريقي.
يُعد صن داونز إحدى المشاريع الكروية الإفريقية الواعدة في السنوات الأخيرة، فرغم العديد من التغيرات الفنية والتعديلات على قائمة اللاعبين باستمرار، ينتهج الفريق أسلوب لعب ثابت لسنوات متتالية.
سيمبا التنزاني هو نادي آخر ظهر بقوة على الصعيد القاري، وربما لم يصل إلى منصات التتويج بعد ولكنه يعد اسما مشاكسا في المسابقات القارية.
يُعقّب الحارس المصري الدولي الأسبق: "ببساطة فإن هذه أندية كرة قدم حقيقية ومحترفة، ولديها أسهم في البورصة وسياسة مالية واضحة وتُقيّم أرباحها وخسائرها وتحاسب نفسها أولا بأول. تلك نماذج محترفة بخلاف ما نشاهده في كرة القدم المصرية".
ويتابع: "النادي في مصر يمكن أن يكون اجتماعيا وثقافيا ورياضيا حيث يشمل عدة ألعاب مختلفة تُثقل كاهله، ثم تدّعي إدارات هذه الأندية أن لديها أندية كرة قدم محترفة، وهذا ليس حقيقي".
ما تعاني منه الكرة المصرية أيضا على صعيد الأندية والمنتخبات هو عدم استمرارية مستويات اللاعبين على نهج واحد، بل وتذبذها.
أجمع أحمد عز الدين ونادر السيد على الرأي ذاته: "التفوق والاستمرارية في النهاية ينتجان عن وجود منظومة تساعد على النجاح. غالبية ملاعب المباريات والتدريب لا تصلح. المباريات تُلعب في ظل حضور جماهيري ضعيف، وهو أمر يؤثر على النتاج الفني".
خلال الأشهر المقبلة، يستمر منتخب مصر الأول في رحلته نحو التأهل للنهائيات القارية متسلحا بخبرات محمد صلاح ورفاقه، بينما يبدو مستقبل المنتخب الأوليمبي بقيادة البرازيلي روجيرو ميكالي ضبابيا.
يستعد رجال "ميكالي" لخوض مواجهتين ضد زامبيا في نهاية مارس الجاري من أجل التأهل لأمم إفريقيا لتلك الفئة العمرية، وهي البطولة التي بدورها تؤهل إلى دورة الألعاب الأولمبية لعام 2024 في باريس.
مستويات الفريق في المباريات الودية لم تطمئن المتابعين بشكل كافي، ليُطرح التساؤل الهام.. من يُحاسب في حالة إصدار حلقة جديدة من الفشل؟
يُعقّب نادر السيد: "المشكلة الحقيقة أنه لدينا من القدرات الإدارية والفنية والمادية ما يؤهلنا على أن نهيئ مناخا أفضل للكرة المصرية أفضل مما هي عليه حاليا".
واختتم: "لا يوجد مبدأ حقيقي للثواب والعقاب في نطاق كرة القدم المصرية".