بغض النظر عن سيناريو المواجهة المرتقبة أمام إسبانيا في نهائي كأس العالم 2026، تبدو الجماهير الأرجنتينية واثقة من قدرة منتخبها على القتال حتى اللحظة الأخيرة، بعدما اعتاد خلال البطولة الحالية على قلب الموازين والخروج منتصرًا من أصعب المواقف.
ويرى مختصون أن هذه العقلية الصلبة لا ترتبط فقط بموهبة ليونيل ميسي ورفاقه، بل تعكس أيضًا ثقافة المجتمع الأرجنتيني، الذي يغرس في أبنائه منذ الصغر الإيمان بالنجاح وعدم الاستسلام، وهي القيم التي أصبحت جزءًا من هوية "ألبيسيليستي".
منتخب يزدهر تحت الضغط
تحولت عبارة "نعرف كيف نعاني" إلى شعار غير معلن داخل معسكر الأرجنتين، بعدما أثبت المنتخب مرارًا قدرته على العودة في اللحظات الصعبة.
وقال المدرب ليونيل سكالوني عقب الفوز المثير على إنجلترا 2-1 في نصف النهائي: "أعتقد أن هذا المنتخب يقدم أفضل مستوياته عندما يكون في مأزق".

وجسد المنتخب هذه العقلية في أكثر من محطة خلال الأدوار الإقصائية، إذ قلب تأخره أمام مصر بهدفين نظيفين إلى فوز مثير بثلاثة أهداف، كما احتاج إلى هدفين في الوقت الإضافي لتجاوز الرأس الأخضر، قبل أن يحسم مواجهة سويسرا بهدفين في الشوط الإضافي الثاني.
وقال المحامي ماتياس سيريلي، أحد مشجعي المنتخب من بوينوس أيرس، إن هذه المجموعة "لا تستسلم مهما كانت الظروف"، معتبرًا أن صمود اللاعبين يعكس طبيعة الشعب الأرجنتيني الذي اعتاد مواجهة الأزمات والتشبث بالأمل حتى النهاية.
ثقافة الانتصار
ويرى كثيرون أن سكالوني لعب دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الذهنية منذ توليه قيادة المنتخب عام 2018، من خلال بناء منظومة متماسكة تدور حول ليونيل ميسي.
وأثمر هذا المشروع عن سلسلة من الإنجازات، أبرزها التتويج بكأس العالم 2022، ولقبا كوبا أميركا، إضافة إلى لقب "فيناليسيما".

وقال بابلو نيجرو، رئيس الجمعية الأرجنتينية لعلم النفس الرياضي، إن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج سنوات من العمل، موضحًا أن لاعبي المنتخب ينظرون إلى الضغوط باعتبارها فرصة للتطور وإثبات الذات.
وأضاف أن المجتمع الأرجنتيني يفرض بطبيعته سقفًا مرتفعًا من الطموحات، حيث يتعلم اللاعب منذ سن مبكرة أن الفوز هو الهدف الدائم.
التواضع مفتاح تجاوز الأزمات
من جهته، أكد عالم الأنثروبولوجيا فيديريكو سيسلي أن شخصية لاعبي الأرجنتين تتشكل منذ مراحل الناشئين، حيث تركز برامج التطوير على قيم التضحية والتواضع وتحمل المسؤولية.
وأشار إلى أن كثيرًا من اللاعبين ينحدرون من أسر متواضعة، ما يعزز لديهم الرغبة في رد الجميل لعائلاتهم ومدربيهم، وهو ما يمنحهم القوة لتجاوز المحن والاستمرار في القتال داخل الملعب.
وأضاف أن الجماهير الأرجنتينية تلعب دورًا كبيرًا في ترسيخ هذه العقلية، فهي لا تطالب اللاعبين بالانتصار فقط، بل بالإصرار وبذل أقصى ما لديهم حتى صافرة النهاية.


