وأسر لويس هاميلتون، سائق فيراري وبطل العالم 7 مرات، للصحفيين خلال اختبارات ما قبل الموسم في البحرين الأسبوع الماضي، بأنّ السيارات الجديدة بدت له أبطأ حتى من سيارات الفورمولا 2، الفئة المغذية للفورمولا 1.
ورغم أنّ تصريح هاميلتون جانبه الصواب من الناحية الرقمية، إذ كان زمنه الأسرع في البحرين أفضل بأكثر من 10 ثوانٍ من زمن مركز الانطلاق الأول للفورمولا 2 العام الماضي على الحلبة ذاتها، إلا أنّ تعليقه عكس بوضوح التغير الجذري في "إحساس" القيادة خلف المقود.
وسجل كيمي أنتونيلي أسرع زمن في اختبارات البحرين، ومع ذلك جاء هذا الزمن أبطأ بأكثر من 4 ثوانٍ عن أفضل لفة في اختبارات الفورمولا 1 للعام الماضي، ما يؤكد تراجع وتيرة السرعة. ويأتي هذا التراجع كنتيجة مباشرة للتحول الجذري في فلسفة الديناميكا الهوائية ضمن عملية الإصلاح الشامل لتصاميم سيارات 2026، إضافة إلى آلية توليد المحركات للطاقة.
ولا يقتصر الاختلاف على شعور السائقين فقط، بل سيلاحظ المشجعون تغييرات بصرية بارزة على هياكل السيارات، أبرزها الأجنحة الأمامية والخلفية المتحركة.
كيف غيرت الفورمولا 1 فلسفتها الهوائية؟
في الجيل السابق من السيارات (2022-2025)، اعتمد توليد القوة السفلية - التماسك الهوائي الذي يثبت السيارة على المسار - بشكل أساسي على "التأثير الأرضي". وتحقق ذلك عبر سلسلة من الأنفاق المعقدة أسفل أرضية السيارة، تعمل فعليًا على "شفط" السيارة نحو الأسفل، ما جعل من الضروري جعل السيارات قريبة جدًا من سطح الحلبة لتوليد أقصى قدر من التماسك.
أما الآن، فقد تخلت الفورمولا 1 عن "التأثير الأرضي" كمصدر رئيسي للقوة السفلية ضمن لوائحها الجديدة التي ركزت على جعل السيارات أكثر رشاقة. ومع تقليص وزن وأبعاد السيارات، كان لا بد من خفض الأحمال الهوائية المطبقة عليها بالتوازي.
ويقدر الاتحاد الدولي للسيارات انخفاضًا في القوة السفلية يتراوح بين 20 و25% مقارنة بعام 2025. يعني هذا أنّ السيارات ستكون أبطأ في بعض المنعطفات، وخصوصًا السريعة منها التي كان "التأثير الأرضي" يلعب دورًا حاسمًا فيها. لكن في المقابل، ستصبح منعطفات شهيرة مثل "أو روج" في حلبة سبا، أو "130 آر" في سوزوكات، تحديًا حقيقيًا لمهارة السائقين.
وفي هذا السياق، قال نيكولاس تومبازيس، مدير سيارات المقعد الواحد في الاتحاد الدولي للسيارات وأحد مهندسي القواعد الجديدة: "لا ننسى أنّ بعض المنعطفات كانت سابقًا أشبه بخطوط مستقيمة، لأنها تُؤخذ بالسرعة القصوى من دون مهارة تُذكر. الآن، المنعطف الذي كان مجرد انحناء بسيط، سيعود ليصبح منعطفًا حقيقيًا".
وإلى جانب خفض القوة السفلية، وبهدف تقليل السحب الهوائي الذي يصعّب عملية اللحاق بالسيارات والتجاوز، تم تغيير أشكال أجزاء هوائية عدة؛ فالجناح الأمامي بات أضيق وأبسط، وكذلك الخلفي الذي جُرد من "الجناح الشعاعي" (Beam Wing)، كما تم إلغاء أغطية العجلات.
كيف تعمل الديناميكا الهوائية النشطة؟
لاحظ متابعو اختبارات برشلونة والبحرين تغييرًا جوهريًا آخر: الاستخدام الموسع لـ"الديناميكا الهوائية النشطة" على الجناحين الأمامي والخلفي، وهي تقنية كانت مقتصرة سابقًا على نظام تقليل السحب (DRS). وتعمل هذه التقنية في سيارات 2026 عبر فتح أو خفض زعانف الأجنحة لتحسين السرعة القصوى والكفاءة على الخطوط المستقيمة.
وتعدّ هذه التقنية ركيزة أساسية في اللوائح الجديدة، نظرًا لزيادة الاعتماد على الطاقة الكهربائية وحاجة السائقين لإدارة استهلاك البطارية بحذر؛ فمن خلال التخلص من السحب الهوائي أوتوماتيكيًا، يقل الجهد المطلوب للوصول للسرعات القصوى.
وبينما كان فتح الجناح الخلفي سابقًا مشروطًا بنظام (DRS) للمساعدة على التجاوز، فإنّ النظام الجديد سيكون متاحًا لجميع السائقين في مناطق "الوضع المستقيم" (Straight Mode)، قبل العودة لـ"وضع المنعطفات" (Corner Mode) حيث تعود الأجنحة لوضعها الطبيعي.
وستدخل إعدادات الديناميكا النشطة ضمن صميم استراتيجيات الفرق لضبط السيارات، مع الحفاظ على التوازن الهندسي المعتاد بين زيادة القوة السفلية وتقليل السحب. وسيختلف مقدار فتح الأجنحة من حلبة لأخرى، لكنّ الحلبات المتنوعة المتطلبات مثل "سبا" البلجيكية قد تشكل معضلة فنية.
ويقول مات هارمان، المدير التقني لفريق ويليامز: "بعض الحلبات تتطلب تفعيل الوضع المستقيم في أجزاء كبيرة منها، لذا الحذر واجب. المبالغة في تقليل السحب قد لا تكون الحل الأمثل للأداء العام".
كما أنّ حركة الأجنحة ستخلق إحساسًا مختلفًا للسائقين، حيث سترتفع السيارة وتنخفض بناءً على إعدادات نظام التعليق. ويوضح أنجيلوس تسياباراس، كبير مهندسي ويليامز: "قد يغير ذلك ارتفاع السيارة ومدخلات الإطارات، وهي أمور يجب وضعها في الحسبان".
ويساهم هذا النظام في تحسين الأداء على الخطوط المستقيمة لتعويض الوقت الضائع في المنعطفات، كما أنّ زيادة الطاقة الكهربائية ستجعل السيارات أسرع عند الخروج من المنعطفات وفي نهايات الخطوط المستقيمة.
لماذا يختلف شعور القيادة بهذه الدرجة؟
أمضى السائقون فترة الاختبارات في إعادة برمجة عقولهم للتكيف مع انخفاض القوة السفلية والتعامل مع مستويات تماسك أقل. وبفضل الوزن الأخف والأحمال الهوائية المنخفضة، باتت السيارات تشعر السائقين بخفتها الملحوظة. ووجد جورج راسل، سائق مرسيدس، أنّ التكيف كان "سهلًا للغاية"، مشيرًا إلى أنّ السيطرة على السيارة باتت أيسر عند انزلاق مقدمتها أو مؤخرتها.
وقال راسل: "تدفع السيارة للحد الأقصى وتشعر بأنها سريعة حقًا وعلى حافة التماسك. فقط عندما تقارن البيانات تدرك أنّ سيارات 2025 كانت أسرع بـ30-40 كم/س في بعض المنعطفات السريعة. لكنّ ذلك لم يضف الكثير للمنافسة. إذا كان التباطؤ يعني سباقات أقرب وتآكلًا أقل للإطارات، فلا أعتقد أنه أمر سيّىء".
في المقابل، رأى ليام لوسون، سائق "راسينغ بولز"، أنّ فقدان القوة السفلية هو التحدي الأصعب، مشيرًا إلى أنّ سيارته كانت "تنزلق كثيرًا" ما يهدد بزيادة تآكل الإطارات.
وعلى النقيض، استمتع سائقون آخرون بهذا "الانزلاق". فقد وصف هاميلتون سيارة فيراري بأنها "ممتعة وتشبه سيارات الرالي". ويرى جان مونشو، المدير الفني في الاتحاد الدولي، أنّ التعامل مع سيارات أخف وأقل ثباتًا، "سيسمح للسائقين الموهوبين بالتألق"، مضيفًا: "القيادة بحمل هوائي أقل تجعل قفل الإطارات عند الكبح أسهل، وهنا سيظهر معدن السائقين الكبار".
هل يهم إذا كانت السيارات أبطأ؟
قد يبدو تراجع الأزمنة بـ4 ثوانٍ، أمرًا دراميًا، لكنه لن يستمر طويلًا. فاختبارات البحرين كانت الظهور الأول، والفرق ستطور أداءها حتمًا قبل انطلاق البطولة. وهذا التراجع يتماشى مع دورة اللوائح المعتادة؛ فبين 2021 و2022، تراجعت الأزمنة بـ3 ثوانٍ قبل أن تتقلص الفجوة تدريجيًا مع تطوير السيارات، لتصل إلى أقل من ثانية بحلول العام الماضي، بل وتحطمت أرقام قياسية في حلبات مثل مونزا.
العملية ذاتها تتكرر الآن، حيث تسعى الفرق لاستعادة الأداء المفقود واستغلال الثغرات الهوائية. وبحلول نهاية هذه الحقبة في 2030، ستتقلص الفجوة مجددًا. ويحذر مونشو من المقارنة بعام 2025 الذي كان ذروة استقرار اللوائح السابقة.
ويرى غابرييل بورتوليتو، سائق أودي، أنّ السرعة القصوى ليست معيار المتعة الوحيد، قائلًا: "أحيانًا تكون السيارة ذات التماسك الأقل أكثر متعة لأنك تتلاعب بها أكثر".
لكنّ بطل العالم 4 مرات، ماكس فيرستابن، عبّر عن استيائه الصريح من شعور القيادة، واصفًا السيارات الجديدة بأنها "ضد التسابق" و"ليست ممتعة كثيرًا"، نظرًا لتعقيدات الجمع بين متطلبات الديناميكا الهوائية والمحرك.