hamburger
userProfile
scrollTop

إيطاليا.. "بطلٌ كان"

"إيطاليا 2021" بعيدة جداً عن "إسبانيا 2010" التي توجت بكأس العالم بعد عمل كبير (رويترز)
"إيطاليا 2021" بعيدة جداً عن "إسبانيا 2010" التي توجت بكأس العالم بعد عمل كبير (رويترز)
verticalLine
fontSize

لسنا في معرض "التخفيف" عن إيطاليا. ليست فترة سيئة يمر بها منتخبها الأول لكرة القدم بل أشبه بنهاية محزنة لـ"بطلٍ كان".

5 بطولات كأس عالم متتالية تمرّ وإيطاليا مجرد "سراب عملاق". خروج من دور المجموعات في مونديالَي 2010 و2014 وفشل في التأهل إلى نسخات 2018 و2022 و2026. فهل تحتاج النهاية لمعطيات أكثر كي تتسيّد المشهد؟

أما التتويج العابر بكأس أوروبا 2020 التي أقيمت منافساتها في 2021 بسبب جائحة "كورونا"، فكان مجرد استثناء بحسب المدرب الإيطالي القدير، أريغو ساكي. وإذا كان النجاح استثناءً، فإنّ الفشل الذي التصق بالـ "آتزوري" هو القاعدة.

التتويج في 2021 جاء بالصدفة. فقد شهدت عملية بناء الفريق البطل استدعاء المدرب روبرتو مانشيتي لأكثر من 100 لاعب للتجربة، لكنّ العودة إلى روما بالكأس لم تؤسس للمستقبل. كان انتصارًا "بالقطعة" أشبه بإنجاز الدنمارك في 1992 واليونان في 2004 عندما انتزعتا كأس أوروبا ثم اختفتا تمامًا عن الساحة.

"إيطاليا 2021" بعيدة جدًا عن "إسبانيا 2010" التي توجت بكأس العالم بعد عمل كبير، وعن "ألمانيا 2014" ومخططها طويل الأمد والذي انتهى بلقب رابع، و"فرنسا 2018" التي جنت ثمار العمل المتواصل في مركز "كليرفونتين" الوطني. حتى تتويج الأرجنتين بكأس العالم 2022 جاء مبررًا، إذ ينشط في صفوفه أحد أفضل اللاعبين في التاريخ، إن لم يكن الأفضل على الإطلاق، ليونيل ميسي.

سوء حظ إيطاليا

أعاد عدد من الغيورين على إيطاليا السبب في "الخيبة المستمرة" إلى سوء الحظ المتمثل بإضاعة ركلتي جزاء في تصفيات مونديال 2022، وإلى أنّ قرعة 2026 ظلمت الفريق بوضعه في مواجهة البوسنة والهرسك في نهائي المحلق المؤهل إلى "العرس العالمي".

هؤلاء تذكروا إضاعة ركلتي جزاء عبر جورجينيو أمام سويسرا في مباراتي التصفيات العائدة إلى مونديال قطر بيد انهم أغفلوا بأنّ تتويج إيطاليا بكأس العالم 2006 جاء بفضل ركلات جزاء ترجيحية وكذلك لقب "يورو 2020".

وفي تصفيات 2026، توجّب على الفريق التأهل مباشرة من مجموعته، شأنه شأن "كبار القوم"، وتفادي خسارتين فادحتين أمام النروج في أوسلو لدى انطلاق التصفيات بثلاثية وفي ختامها على الأراضي الإيطالية 1-4.

حتى أنّ الـ "آتزوري" حظي بفرصة كاملة في الملحق، إذ خاض نصف النهائي على أرضه قبل أن يلعب النهائي خارجها، بخلاف منتخبات أخرى تعيّن عليها اللعب خارج الديار في نصف النهائي والخروج.

بات الملحق يشكل عقدة لإيطاليا التي فشل منتخبها في عبوره للمرة الثالثة تواليًا بعد خروجه على يد السويد (2018)، مقدونيا الشمالية (2022) فالبوسنة والهرسك (2026).

غياب المواهب

أسباب عدة تقف خلال استمرار معاناة الـ"آتزوري"، أبرزها الافتقاد إلى المواهب، باستثناء ساندرو تونالي، أغلى لاعب في التشكيلة الحالية، والحارس جيانلويجي دوناروما، في مقابل غياب النجوم "السوبر" من طراز أليساندرو ديل بييرو، فرانشيسكو توتي، أندريا بيرلو، وغيرهم.

ويلاحظ العجز الهجومي إذ عانى المنتخب من "عقم تهديفي" واضح في تصفيات 2022 و2026، حيث سيطر واستحوذ لكنه فشل في هز الشباك.

وتعاني الأندية كثيرًا حيث يُفضل مدربو الدوري الاعتماد على العناصر الأجنبية الجاهزة بدل منح الفرصة لمواهب محلية، ما أضعف الخيارات المتاحة للمنتخب، مع ملاحظة تراجع في مستوى المسابقة بشكل غير مسبوق وتحوله وجهة مفضلة لنجوم على مشارف الاعتزال.

ولا نغفل تراجع القوة المالية للدوري الإيطالي مقارنة بالدوريات الكبرى الأخرى، ما أدى إلى تراجع جودة المنافسة والبنية التحتية، حيث لا تزال معظم الأندية تنشط في ملاعب قديمة مملوكة للبلديات. ويبقى يوفنتوس الوحيد بين كبار إيطاليا الذي يملك ملعبًا حديثًا تحت إدارته حيث تعود له الإيرادات بكاملها.

لم تعد الأندية الإيطالية تلعب الأدوار الأولى أوروبيًا، بدليل أنّ أيًّا منها لم يفز بلقب دوري الأبطال منذ 2010، حين أحرزه إنتر ميلان بقيادة المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو.

ويبرز من المعوقات الأخرى تعارض المصالح بين المنتخب والأندية، إذ ترفض رابطة الدوري غالبًا تعديل جداول المباريات لمنح الـ "آتزوري" وقتًا أطول للتحضير قبل المباريات.

خيار غريب

لم يكن هناك استقرار على مستوى الجهاز الفني للمنتخب في السنوات الأخيرة. ومجددًا، كان لا بد من رحيل المدرب جينارو غاتوزو الذي اعتُبرت خلافته للوتشيانو سباليتي في يونيو 2025 خيارًا غريبًا بسبب تذبذب نتائج الأندية التي أشرف عليها.

أسطورة الحراسة الإيطالية والمدرب السابق للمنتخب، دينو زوف، يقول: "هناك جيل كامل من الشباب لم يروا إيطاليا في كأس العالم. الفشل في التأهل لثلاث نسخ متتالية يُعتبر مأساة رياضية".

قد يكون ذلك هو سبب تململ الجماهير من المنتخب، ما دفع غاتوزو إلى خوض نصف نهائي الملحق أمام إيرلندا الشمالية على ملعب بيرغامو (23500 متفرج)، بدل استاد "سان سيرو" (75817 متفرجًا)، بعدما لاحظ أنّ جماهير ناديي ميلان وإنتر أطلقت صافرات الاستهجان على لاعبي الأندية المنافسة خلال الخسارة أمام النروج في ميلانو في نوفمبر.

تتداول الصحافة راهنًا اسمي أنتونيو كونتي وماسيميليانو أليغري لخلافة غاتوزو، لكنّ هوية "الرّبان الجديد" لن تُكشف قبل انتخاب رئيس جديد للاتحاد في 22 يونيو بعد استقالة غابرييلي غرافينا نتيجة الإقصاء الأخير.

في ضوء المعطيات كلها، يبدو جليًا بأنّ المشكلة شاملة ولا تتعلق بركلة جزاء أو بمنتخب البوسنة أو بقرعة، بل بأكثر من ذلك على نحو ما صرح به القائد السابق للمنتخب فرانكو باريزي: "يجب على الجميع في كرة القدم الإيطالية النظر إلى أنفسهم بجدية. لم يكن ينبغي لإيطاليا أن تضع نفسها في هذا الموقف أصلًا".

أما الإعلام، فكان قاسيًا إذ وصفت صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإخفاق بـ "لعنة كأس العالم"، مشيرة إلى أنّ إيطاليا فازت بمباراة واحدة فقط في النهائيات منذ تتويجها في 2006.

من جانبه، قال رئيس الوزراء السابق، ماتيو رينزي: "الاستبعاد الثالث على التوالي ليس كذبة أبريل، إنه علامة على فشل الكرة الإيطالية".

تقرير باجيو

في خضم مأساة الغياب عن المونديال، عاد الحديث عن تجاهل إصلاحات تقدم بها اللاعب السابق روبرتو باجيو العام 2011 وحذر عبرها من انهيار المنظومة.

اشتمل التقرير على 900 صفحة بعنوان "تجديد المستقبل"، يهدف إلى إصلاح جذري لمنظومة الكرة وتجنب الأزمات المستقبلية، وجاء بعد تعيين باجيو رئيسًا للقطاع الفني في الاتحاد عام 2010، عقب خروج المنتخب من دور المجموعات لكأس العالم.

أبرز ما جاء في التقرير ضرورة إصلاح الأكاديميات والاهتمام بالناشئين، مع مطالبة بإنشاء 100 مركز تدريب في مختلف المناطق، بإشراف مدربين من الاتحاد لضمان تطوير المواهب.

كما ركز على تطوير المدربين مع التركيز على الكفاءات الأكاديمية والخبرات المتنوعة، وليس الخلفية الرياضية فقط، داعيًا إلى تحسين شبكات الكشافة وجمع البيانات الرقمية بغية مراقبة تطور اللاعبين الشباب، مستلهمًا النماذج الإسبانية والهولندية.

دخل "تقرير باجيو" أكثر في التفاصيل، حيث طالب بالتركيز على المهارة الفنية الفردية، منتقدًا المبالغة في الاهتمام بالجوانب التكتيكية على حسابها. ورغم حصوله على موافقة شكلية، إلا أنه ظل حبيس الأدراج، ما أدى إلى استقالة باجيو في 2013، مصرّحًا بأنّ مشروعه ظل "حبرًا على ورق"، ولم يُمنح الميزانية المرصودة له (10 ملايين يورو).

في ظل هذه الضبابية، ما زال منتخب إيطاليا متمسكًا بحلم التأهل إلى كأس العالم 2026.

وبحسب صحيفة "صن" البريطانية، يملك الـ "آتزوري" بصيص أمل للظهور في المونديال في حال اعتذار إيران بسبب الحرب في الشرق الأوسط، إذ قد يمنحها ذلك فرصة، خصوصًا أنها الأعلى تصنيفًا بين الفرق التي لم تتأهل عبر الملحق النهائي.

وزادت "صن": "ومع ذلك، قد يستبدل الاتحاد الدولي إيران بمنتخب آسيوي آخر لضمان بقاء عدد المنتخبات نفسه من كل اتحاد قاري من دون تغيير".

لنفترض أنّ إيران انسحبت. لنفترض أنّ "فيفا" اختار إيطاليا. ولنفترض أنّ إيطاليا وافقت على الدعوة. هنا تكون قد خسرت مرتين: الأولى لأنها ستظهر حيث لا تستحق ولا يسمح لها كبرياؤها، والثانية لأنّ عليها أن تغيب عن كأس العالم طواعية كي تعاني، لأنه بالمعاناة وحدها تولد الحلول.