تعيش الأرجنتين حالة من الترقب الاستثنائي قبل المواجهة المرتقبة أمام إسبانيا، مساء اليوم الأحد، في نهائي كأس العالم 2026 بنيوجيرسي، حيث يطمح ليونيل ميسي ورفاقه إلى الاحتفاظ باللقب العالمي وإضافة النجمة الرابعة إلى قميص "ألبيسيليستي".
وبينما يتجدد الحلم بعد 4 أعوام من تتويج قطر التاريخي، تبدو البلاد مستعدة للاحتفال بجيل استثنائي أعاد المنتخب إلى قمة كرة القدم العالمية، بغض النظر عن النتيجة التي ستنتهي بها المباراة النهائية.
ويخوض الأرجنتينيون النهائي بمعنويات مرتفعة بعد الانتصار الدرامي على إنجلترا بنتيجة 2-1 في الدور نصف النهائي، في مواجهة حملت أهمية خاصة لدى الجماهير، وعززت الإيمان بقدرة المجموعة على "ملامسة السماء" مرة أخرى.
ميسي يقود حلم النجمة الـ4
يدخل ميسي، البالغ 39 عامًا، المباراة النهائية باحثًا عن تتويج عالمي جديد، بعدما أكمل أسطورته في مونديال قطر 2022 بإحراز اللقب الوحيد الذي كان غائبًا عن خزائنه.
ويأمل قائد الأرجنتين في قيادة بلاده للاحتفاظ بكأس العالم، وتحقيق اللقب الرابع في تاريخها بعد نسخ 1978 و1986 و2022.
ولا يرتبط النهائي بالنسبة إلى الجماهير الأرجنتينية باللقب فقط، بل ربما يمثل محطة أخيرة لميسي على مسرح كأس العالم، وهو ما يضاعف المشاعر المحيطة بالمواجهة أمام المنتخب الإسباني.
ويحظى الجيل الحالي بمكانة استثنائية لدى الأرجنتينيين، بعدما أحرز لقبين في بطولة كوبا أميركا منذ عام 2021، إلى جانب كأس العالم، قبل أن يشق طريقه إلى نهائي نسخة 2026.

الأعلام تكسو بوينوس أيرس
تزينت العاصمة بوينوس أيرس باللونين الأبيض والأزرق السماوي، مع انتشار صور اللاعبين والأعلام في الشوارع والميادين وواجهات المتاجر والمباني الرسمية.
كما عُلقت الأعلام على الشرفات والسيارات ودراجات توصيل الطلبات، في مشهد يعكس حجم ارتباط البلاد بالمنتخب الوطني خلال البطولة.
وشهدت الأرجنتين خلال الأسابيع الماضية حالة من شبه الشلل بالتزامن مع مباريات المنتخب، لكن الاستعداد للنهائي تجاوز كل ما سبق، وسط مبادرات جماهيرية مختلفة في المدن والأحياء.
ونظم المشجعون تجمعات احتفالية حول الأعلام، تعرف محليًا باسم "بانديراسو"، إلى جانب لقاءات عامة لدعم المنتخب من بعيد قبل ساعات من انطلاق المباراة.
وتتعايش صور ميسي في شوارع البلاد مع الجداريات التي تمجد دييغو مارادونا، الذي ما زال يحظى بمكانة أقرب إلى القداسة في الذاكرة الشعبية الأرجنتينية.
قميص عملاق لميسي في روساريو
شهدت مدينة روساريو، مسقط رأس ميسي، واحدة من أبرز مظاهر الاحتفال، بعدما تجمع المشجعون أسفل قميص ضخم بلغ طوله 22 مترًا.
ورُفع القميص بواسطة رافعة، وحمل الرقم 10 إلى جانب عبارة: "شكرًا ليو، أنت أسطورة"، في رسالة تعكس حجم الامتنان لما قدمه قائد المنتخب خلال مسيرته.

وفي مدينة باتان الصغيرة، الواقعة على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب العاصمة، صنع السكان علمًا أرجنتينيًا عملاقًا وصل طوله إلى كيلومتر كامل.
واستغرق تجهيز العلم عدة أسابيع، إذ تمت خياطته يدويًا قبل نشره تعبيرًا عن دعم المنتخب في رحلته نحو اللقب الرابع.
تفاؤل تحاصره الخرافات
يسيطر التفاؤل على أحاديث الجماهير، استنادًا إلى ما يعرف في الثقافة الكروية الأرجنتينية بـ"الغرينتا"، التي تعبر عن الروح القتالية والصلابة والإصرار على مواصلة اللعب حتى اللحظة الأخيرة.
وأظهر المنتخب هذه الشخصية خلال نصف النهائي، بعدما تأخر أمام إنجلترا بهدف قبل أن يقلب النتيجة في الدقائق الأخيرة، بفضل هدفي إنزو فرنانديز ولاوتارو مارتينيز.
لكن التفاؤل يتداخل كذلك مع الخرافات والتشاؤم الوقائي، إذ يرفض بعض المشجعين الحديث عن التتويج، خشية ما يُعرف باسم "موفا"، أي العين الحاسدة أو جلب سوء الحظ.

وقال دانيال كونتي، وهو تاجر يبلغ 55 عامًا، لوكالة "فرانس برس": "أرى انتصارًا كاسحًا، بل كاسحًا بصورة لم نشهدها من قبل. لدي شعور بأننا سنرى استعراضًا حقيقيًا".
وأضاف: "هذا المنتخب يلعب بالحماسة نفسها التي يلعب بها أطفال الملاعب الترابية وملاعب الأحياء. إسبانيا فريق قوي ويتمتع بأسلوب ثابت، لكنها لا تملك هذا التعطش".
مشجعون يرفضون نطق اسم الحلم
على النقيض من التفاؤل الكبير الذي أظهره كونتي، رفض غابريال سوسا، وهو كهربائي يبلغ 63 عامًا، الحديث عن النتيجة أو ذكر لقب كأس العالم بصورة مباشرة.
وقال: "لا أتحدث إطلاقًا عن يوم الأحد، ولا أنطق باسم الشيء الذي نحلم به".
وأضاف: "لا نختبر الأقدار، فما زال هناك طريق يجب قطعه، والتحدي كبير".
وتعكس هذه المواقف مكانة الطقوس والخرافات في ثقافة كرة القدم الأرجنتينية، حيث يحرص المشجعون على تكرار العادات التي ارتبطت بالانتصارات، ويتجنبون أي تغيير قد يعتقدون أنه يكسر سلسلة الحظ.
ميلي يشاهد النهائي من بعيد
أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه لن يسافر إلى الولايات المتحدة لحضور النهائي، مؤكدًا أنه سيشاهد المباراة من المقر الرئاسي في أوليفوس، كما فعل منذ بداية البطولة.
وردا على سؤال إذاعي بشأن احتمالية توجهه إلى نيوجيرزي، قال ميلي بحسم: "لا، على الإطلاق. سأواصل مشاهدة المباريات من أوليفوس كما فعلت منذ اليوم الأول".
وعندما سُئل عما إذا كان قراره يمثل "كابالا"، وهي عادة أو طقس يتكرر لجلب الحظ، أجاب باقتضاب: "نعم".

ولا يرتبط قرار الرئيس بالخرافة وحدها، بل يعكس كذلك حذرًا سياسيًا من محاولة الاقتراب أكثر من اللازم من المنتخب وميسي، اللذين يمثلان اثنين من أبرز الرموز القادرة على توحيد الأرجنتينيين.
وتعهد ميلي سابقًا بألا تصادر السياسة فرحة الشعب، أو تنسب لنفسها نجاحًا يعود إلى المجموعة الاستثنائية من اللاعبين.
القصر الرئاسي جاهز لاستقبال اللاعبين
أكدت السلطات أن القصر الرئاسي المعروف باسم "كاسا روسادا" سيكون متاحًا لاستقبال لاعبي المنتخب حال رغبة الاتحاد الأرجنتيني في تنظيم تحية جماهيرية من الشرفة المطلة على ساحة مايو.
ومن المتوقع أن يكون القصر خاليًا من ميلي إذا تم تنظيم الاحتفال، في محاولة للحفاظ على الطابع الشعبي والرياضي للحدث بعيدًا عن أي حضور سياسي مباشر.
كما تدرس الحكومة إعلان يوم الاثنين عطلة رسمية، بصرف النظر عن نتيجة المباراة، تحسبًا لخروج أعداد هائلة إلى الشوارع لاستقبال المنتخب عند عودته.
وقد يعود اللاعبون حاملين اللقب العالمي الـ4، أو مكتفين بالمركز الـ2، لكن الاستعدادات تشير إلى أن الجماهير ستحتفل بما حققه الجيل الحالي في كل الأحوال.
ذكريات استقبال أبطال 2022
تستعيد الأرجنتين مشاهد الاستقبال التاريخي الذي حظي به المنتخب عقب التتويج بكأس العالم 2022.
واحتشد آنذاك ما بين 4 و5 ملايين شخص على امتداد مسار الحافلة التي انطلقت من مقر الاتحاد الأرجنتيني باتجاه وسط بوينوس أيرس، لمسافة بلغت نحو 32 كيلومترًا.
وكان الحشد ضخمًا إلى درجة أن الحافلة احتاجت إلى 4 ساعات لتجاوز بضعة كيلومترات فقط، قبل أن تضطر إلى إلغاء بقية المسار بسبب صعوبة التحرك وسط الجماهير.
وانتهى الاحتفال يومها باستخدام مروحية حلقت فوق الحشود المحتشدة في وسط العاصمة، بعدما تعذر على اللاعبين الوصول إلى وجهتهم برًا.
وتتوقع السلطات خروج مئات الآلاف مجددًا إلى الشوارع يوم الاثنين، سواء عاد المنتخب بالكأس أو من دونها.
الاحترام باقٍ مهما كانت النتيجة
قال دانيال سالسيدو، وهو عامل صيانة يبلغ 36 عامًا، إنه سيتوجه لاستقبال اللاعبين تقديرًا لما حققوه بالفعل خلال السنوات الماضية.
وأضاف في تصريحات لـ"فرانس برس": "الغالبية الكبرى، وأنا منهم، ستذهب لاستقبالهم بسبب ما حققوه بالفعل".
وتابع: "أشعر بالفخر، وقبل كل شيء أشعر بأنهم يمثلونني. لن يتغير شيء إذا فازوا أو خسروا".
من جانبه، لخص شقيقه نستور مشاعر كثير من الأرجنتينيين قبل النهائي، قائلًا: "إذا فازوا فسنلامس السماء مجددًا، وإذا خسروا فسيكون الأمر مؤلمًا، لكن الاحترام والامتنان سيبقيان كما هما".




