في الوقت الذي كان فيه الفرنسي عثمان ديمبيلي يتوّج بجائزة الكرة الذهبية لعام 2025 في نهاية سبتمبر الماضي، كان النجم البرازيلي نيمار جونيور يقضي يومه في سرير العلاج من ثالث إصابة يتعرض لها هذا العام، بينما يشارك عن بُعد في بطولة "بوكر" عبر الإنترنت، انتهت بحصوله على المركز الثاني وجائزة مالية بلغت نحو 73,800 جنيه إسترليني.
لكن المكسب المالي لم يخفف مرارة مشاهدة اللاعب الذي حلّ مكانه سابقًا في برشلونة وهو يرفع الجائزة التي طالما حلم بها نيمار منذ سنوات، في مشهد اختزل ما آلت إليه مسيرة أحد أبرز المواهب البرازيلية في العصر الحديث.
عودة إلى سانتوس.. حلم لم يتحقق
منذ عودته إلى ناديه الأم سانتوس في يناير الماضي، بعد 12 عامًا من الاحتراف في أوروبا والسعودية، فشل نيمار (33 عامًا) في تقديم المستوى المنتظر منه، إذ باتت الأضواء تُسلّط عليه بسبب سلوكياته الجانبية أكثر من أدائه داخل المستطيل الأخضر.
كانت العودة إلى سانتوس بمثابة فرصة جديدة لاستعادة شغفه باللعب بعد تجارب محبطة مع باريس سان جيرمان ثم الهلال السعودي، إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال، حتى أصبح السؤال الأكثر تداولًا في البرازيل اليوم.. هل يتمكن نيمار من اللحاق بكأس العالم 2026؟

"حتى النجوم عليهم إثبات جاهزيتهم، فالوقت يمر بسرعة"، كتب الأسطورة توستاو، بطل مونديال 1970، في عموده بصحيفة "فولها دي ساو باولو" المحلية، واقتبس تقرير لشبكة "بي بي سي" أجزاءً منه، محذرًا من أن العد التنازلي بدأ بالفعل أمام نيمار.
أنشيلوتي يستبعده مجددًا
أعلن المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، المدير الفني للمنتخب البرازيلي، قائمة الفريق لمواجهتي كوريا الجنوبية واليابان هذا الشهر، وجاء نيمار خارج الحسابات مرة أخرى.
الملقب بـ"الأمير" عند عودته إلى سانتوس؛ في إشارة إلى الأسطورة بيليه "الملك"، لم يظهر بعد تحت قيادة أنشيلوتي، إذ يعود آخر ظهور له بقميص المنتخب إلى الخسارة أمام الأوروغواي 0-2 في أكتوبر 2023.
وحتى مع اقتراب المباريات الودية في نوفمبر، ما زال نيمار موضع شك بسبب حالته البدنية، وهو ما يعني أنه قد يملك فقط نافذتين وديتين في مارس 2026 لإقناع أنشيلوتي قبل إعلان القائمة النهائية للمونديال.
كافو ينتقد تراجع الجاهزية
قائد منتخب البرازيل الأسطوري كافو علّق على وضعية نيمار قائلاً: "لمدة 15 عامًا كان نيمار النجم الأوحد للبرازيل، يحمل آمال الأمة على كتفيه. لكن لا أحد يفوز بالمونديال بمفرده. في الوقت الحالي، من الصعب الاعتماد عليه لأنه بالكاد يستطيع خوض 3 مباريات متتالية".
تشير الإحصاءات إلى أن نيمار غاب عن 47% من مباريات سانتوس هذا الموسم، وعندما شارك، لم يظهر بالمستوى الذي ميّزه في سنواته الذهبية حين كان ينافس ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو على زعامة كرة القدم العالمية، والتي دفعت باريس سان جيرمان لدفع مبلغ قياسي بلغ 222 مليون يورو للتعاقد معه عام 2017.
من بين 9 مساهمات هجومية حققها هذا الموسم، جاءت 5 منها أمام أندية من الدرجات الأدنى، منها هدف وصناعتان ضد إنتر دي لايمييرا وهدف آخر أمام أغوا سانتا، في بطولات محلية متواضعة.
ووسط معاناة سانتوس من خطر الهبوط إلى الدرجة الثانية، تراجع تأثير نيمار بشدة، حيث يحتل المركز الـ50 فقط في معدل المراوغات الناجحة وفق منصة "سوفا سكور".

أنشيلوتي يفتح الباب أمام نيمار
رغم كل الانتقادات، دافع أنشيلوتي عن لاعبه قائلاً لصحيفة "ليكيب" الفرنسية: "الهدف بالنسبة له هو أن يكون جاهزًا في يونيو. لا يهم إن كان في القائمة في أكتوبر أو نوفمبر أو مارس".
لكن مدرب البرازيل أثار جدلاً الشهر الماضي بعد أن لمح إلى أن استبعاد نيمار جاء لحمايته من الإجهاد البدني، قبل أن ينفي النجم البرازيلي نفسه ذلك بالقول: "تم استبعادي لأسباب فنية، وليس بسبب لياقتي".
لاحقًا، اعترف أنشيلوتي أن القرار "فني يعتمد على عدة عوامل"، ما أثار مزيدًا من التساؤلات حول موقع نيمار الحقيقي في حسابات المنتخب.
"إذا كان اللاعب الذي نضع عليه آمالنا في الفوز بالمونديال يُستبعد لأسباب فنية، فهناك أمر غير طبيعي"، علّق كافو بحدة.
انقسام شعبي حول مستقبل نيمار
وفق استطلاع لمعهد "Datafolha" البرازيلي، ينقسم الشارع بين مؤيد ومعارض لاستدعاء نيمار للمونديال المقبل، إذ يؤيد 48% مشاركته، فيما يعارض 41%.
ورغم أنه الهداف التاريخي لمنتخب بلاده برصيد 79 هدفًا، إلا أن سلوكه في الفترة الأخيرة لم يُحسن من صورته، إذ دخل في مشادات لفظية مع جماهير فريقه 3 مرات متتالية في يوليو، قبل أن ينهار باكيًا بعد خسارة سانتوس 0-6 أمام فاسكو دا غاما، في أكبر هزيمة في مسيرته.
وحين سُئل بعد اللقاء عن حالته البدنية، انفعل قائلاً: "هل سنعيد هذا السؤال؟ جاوبت عليه 500 مرة من قبل!".
الأمر لم يتوقف عنده، إذ حاول والده ووكيله نيمار الأب تبرير الوضع قائلاً: "خطة نيمار كانت البقاء في سانتوس 5 أشهر فقط للتعافي. إذا تمكن من اللعب، فالحمد لله"، وهو تصريح أثار غضب الجماهير التي رأت فيه استخفافًا بالنادي.

بين حلم الماضي وواقع الحاضر
رغم الصورة القاتمة، ما زالت هناك آمال ضئيلة في أن يعيد نيمار إحياء مسيرته على غرار ما فعله الظاهرة رونالدو في 2002 عندما عاد من إصابة خطيرة ليقود البرازيل للتتويج بالمونديال.
الظاهرة رونالدو نفسه يرى أوجه تشابه بين القصتين، وقال خلال فعالية مشتركة مع نيمار في ساو باولو: "إنه لاعب استثنائي للبرازيل، ولا يوجد مثيل له. من المبالغة القول إنه يهمل تعافيه. من عاش تجربة الإصابات يدرك كم هو صعب العودة واستعادة الإيقاع والثقة. نيمار يسير في الطريق الصحيح".
سيكون أمام نيمار بضعة أشهر فقط لإثبات أنه ما زال قادرًا على حمل الرقم 10 في مونديال 2026. فإما أن يكتب فصلاً جديدًا في أسطورته على طريقة رونالدو، أو أن تُغلق صفحة أحد أبرز المواهب في تاريخ الكرة البرازيلية دون وداع يليق بأمير فقد عرشه قبل الأوان.