تتجه الأنظار إلى إسماعيل صيباري عندما يواجه المنتخب المغربي نظيره الهايتي في الجولة 3 والأخيرة من منافسات المجموعة الـ5 في كأس العالم 2026، ليس فقط بسبب دوره الحاسم في طموحات "أسود الأطلس" نحو بلوغ دور الـ32، بل لأن لاعب أيندهوفن الهولندي يحمل واحدة من أكثر القصص الإنسانية إلهاما في البطولة الحالية.
فبينما يستعد صاحب الـ25 عاما لخوض مباراة قد تضعه في سجل التاريخ الإفريقي والمغربي، يستحضر كثيرون الرحلة الطويلة التي بدأها منذ طفولته، عندما كان الأطباء يشككون حتى في قدرته على المشي بصورة طبيعية.
بداية صعبة.. وتشخيص هدد مستقبله
لم يكن طريق صيباري نحو النجومية مفروشا بالورود. ففي سنواته الأولى عانى من تشوه خلقي في القدمين، حيث كانت قدماه مقوستين إلى الداخل بصورة كبيرة، ما استدعى خضوعه لبرنامج علاجي طويل واستخدام أجهزة ومعدات طبية خاصة لمساعدته على الوقوف والمشي.
واستعاد اللاعب تلك المرحلة قائلا: "كانت قدماي مقوستين إلى الداخل وكنت أستعين بآلات للمشي والطبيب المعالج أبلغ والدي بأنني قد لا أتمكن من المشي لبقية حياتي".
وأضاف: "لكن أنا مسلم وأثق بالله وأمي صلت من أجلي، كنت أريد حياة طبيعية فقط وليس بالضرورة أن أكون لاعب كرة قدم، لكن شكرا لله، أملك قدمين طبيعيتين وجسدا متعافيا".
وبعد تجاوز تلك الأزمة الصحية، واجه صيباري عقبة أخرى عندما استبعده نادي أندرلخت البلجيكي بسبب زيادة الوزن، إلا أن الإحباط تحول إلى دافع إضافي للعمل والتطور، ليواصل طريقه نحو الاحتراف حتى أصبح أحد أبرز المواهب المغربية في أوروبا.

من برشلونة إلى أيندهوفن.. رحلة صناعة نجم
ولد صيباري في مدينة تيراسا التابعة لإقليم برشلونة الإسباني، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى بلجيكا في سن الـ6.
وتدرج اللاعب بين الفئات السنية لأندية بيرشكوت وأندرلخت وميخلين وغنك، قبل أن ينتقل إلى أيندهوفن الهولندي عام 2020، وهي الخطوة التي شكلت نقطة التحول الحقيقية في مسيرته.
وخلال سنواته مع العملاق الهولندي، أثبت قدراته الهجومية اللافتة، مسجلا 42 هدفا وصانعا 29 هدفا آخر خلال 142 مباراة في مختلف المسابقات، ليساهم في تتويج الفريق بلقب الدوري الهولندي في المواسم الثلاثة الأخيرة.
وتشير تقارير عديدة إلى أن المستويات التي قدمها اللاعب دفعت نادي بايرن ميونخ الألماني إلى التحرك لضمه، حيث يتحدث الإعلام الأوروبي عن اتفاق تصل قيمته إلى 55 مليون يورو، بانتظار استكمال الإجراءات النهائية والفحص الطبي بعد المونديال.
نجم المغرب الأول في المونديال
إذا كان صيباري قد فرض نفسه نجما في الملاعب الأوروبية، فإن كأس العالم 2026 شهدت تحوله إلى أحد أبرز نجوم المنتخب المغربي.
وسجل لاعب أيندهوفن هدفي المغرب الوحيدين حتى الآن في البطولة، حيث افتتح رصيده بهدف رائع في شباك البرازيل خلال التعادل 1-1، قبل أن يمنح منتخب بلاده فوزا ثمينا على اسكتلندا بهدف جميل من داخل منطقة الجزاء.
وبفضل هدفيه، حصد المغرب 4 نقاط وضعته على مشارف التأهل إلى دور الـ32، فيما بات صيباري أحد أبرز الأسماء المرشحة لسرقة الأضواء في البطولة.

وقال اللاعب في تصريحات لموقع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا": "إنها أجمل لحظة في مسيرتي، لأن اللعب في كأس العالم مع منتخب بلادك هو حلم الجميع، وقد تمكنت من تحقيقه بتسجيل هدفين في مباراتين".
وأضاف: "لكن الأهم هو تجاوز مرحلة المجموعات والوصول إلى أبعد نقطة ممكنة".
سر التألق.. مركز جديد وفلسفة مختلفة
اللافت في قصة صيباري الحالية أنه لا يلعب في مركز رأس الحربة التقليدي، رغم أنه يتصدر المشهد التهديفي للمنتخب المغربي.
فالمدرب محمد وهبي قرر توظيفه كمهاجم وهمي وصانع ألعاب وجناح متحرك ضمن منظومة هجومية تعتمد على المرونة التكتيكية وعدم الاعتماد على مهاجم صريح.
وأوضح وهبي فلسفته قائلا: "ولدت فكرة توظيف صيباري في مركزه الحالي معنا عندما توليت تدريب هذا المنتخب وأردت فرض مبادئي وخططي وتطبيقها مع أفضل اللاعبين المتاحين".
وأضاف: "لدي العديد من صانعي الألعاب أصحاب الرقم 10، وكان يتعين علي إيجاد منظومة تكتيكية وخلق نوع من الانسجام لنكون أكثر فاعلية وصلابة، وفي الوقت ذاته لكي نضمن تواجد أفضل لاعبينا على أرضية الملعب. وحتى الآن تسير الأمور بشكل جيد".
وقد أثبت صيباري صحة رؤية مدربه، بعدما تحول إلى السلاح الهجومي الأبرز للمغرب خلال البطولة.
موعد مع التاريخ أمام هايتي
يدخل صيباري مواجهة هايتي وهو على أعتاب إنجازين تاريخيين في آن واحد.
فاللاعب المغربي يحتاج إلى هدف جديد ليصبح أول لاعب إفريقي يسجل في جميع مباريات دور المجموعات خلال نسخة واحدة من كأس العالم، وهو رقم غير مسبوق قاريا.
كما أن هدفا جديدا سيجعله يعادل أو يحطم الرقم القياسي لأكثر اللاعبين المغاربة تسجيلا في تاريخ المونديال، والمسجل باسم يوسف النصيري برصيد 3 أهداف.
وتكتسب المواجهة أهمية مضاعفة لأن فوز المغرب سيضمن تأهله إلى دور الـ32، ويمنح "أسود الأطلس" فرصة جديدة لمواصلة الحلم الذي بدأ في مونديال قطر 2022 عندما أصبح أول منتخب إفريقي يبلغ نصف النهائي.