اقترب الإيفواري يان ديوماندي من إتمام انتقال استثنائي إلى ريال مدريد، ليضع قدمًا جديدة في رحلة بدأت بالفقر واللعب حافيًا في شوارع أبيدجان، قبل أن تقوده الموهبة والصبر إلى التألق في الدوري الألماني وكأس العالم.
وفي السطور التالية، نستعرض من هو يان ديوماندي، وقصة طفولته الصعبة، ورحلته وحيدًا إلى الولايات المتحدة، والمأساة العائلية التي غيرت حياته، وصولًا إلى تحوله خلال فترة قياسية إلى أحد أغلى المواهب المطلوبة في سوق الانتقالات.
طفولة قاسية في أبيدجان.. الكرة طريق وحيد للنجاة
نشأ يان ديوماندي في حي سيكوجي بمدينة أبيدجان، داخل أسرة عانت من ظروف مادية شديدة الصعوبة، إذ كان عدد أفرادها كبيرًا مقارنة بالمساحة والإمكانات المتاحة.
وغادر والده إلى فرنسا عندما كان طفلًا، لتزداد الأعباء على الأسرة، بينما وجد ديوماندي في كرة القدم وسيلته الوحيدة للهروب من الواقع الصعب.
ولم يكن يملك حذاءً رياضيًا، لذلك اعتاد اللعب مرتديًا الصنادل فوق الملاعب الترابية الصلبة، موضحًا لاحقًا أن امتلاك الأحذية المخصصة لكرة القدم كان يحتاج إلى أموال لم تكن متاحة لعائلته.

وفي سن الـ10، اتخذ قرارًا يفوق عمره، عندما غادر منزل أسرته بمفرده من أجل الالتحاق بأكاديمية بعيدة تتيح له الاستمرار في اللعب.
وشكل بامبا، مدير الأكاديمية، نقطة تحول في حياته، إذ منحه مكانًا للإقامة، واشترى له أول حذاء حقيقي لكرة القدم، وتحول مع الوقت إلى ما يشبه الأب الـ2 بالنسبة إليه.
وكان ديوماندي يذهب إلى المدرسة مرتديًا ملابس التدريب، حتى يتوجه مباشرة إلى الملعب عقب انتهاء اليوم الدراسي، بعدما أصبحت الكرة مركز حياته وطريقه المحتمل لتغيير مستقبل أسرته.
رحلة وحيدة إلى أميركا صنعت شخصيته
انتقل ديوماندي خلال فترة المراهقة إلى الولايات المتحدة من أجل الانضمام إلى أكاديمية "DME" في دايتونا بيتش بولاية فلوريدا، لكنه اضطر إلى السفر بمفرده لأن أسرته لم تكن قادرة على تحمل تكلفة أكثر من تذكرة واحدة.
ووصل اللاعب الإيفواري إلى بلد جديد دون إجادة اللغة الإنجليزية، وعانى من فارق التوقيت الذي صعّب تواصله مع عائلته، إلى جانب شعوره المستمر بالغربة والوحدة.
واعتمد على أحد تطبيقات الهاتف لتعلم الإنجليزية، كما اضطر إلى التأقلم مع التدريب فوق ملاعب مخصصة لكرة القدم الأميركية، وظروف مختلفة تمامًا عن البيئة التي نشأ فيها.

وقال عن تلك المرحلة: "أشعر الآن بأنني أستطيع العيش وحدي إلى الأبد"، في إشارة إلى التأثير العميق الذي تركته التجربة في شخصيته.
وتنقل ديوماندي بين الأكاديميات وخضع لاختبارات مع أندية عدة، من بينها تشيلسي وبورنموث وكريستال بالاس ورينجرز وأولمبياكوس، لكنه لم ينجح في الحصول على عقد.
كما خاض تجارب مع فرق في الدوري الأميركي دون أن يحصل على فرصة، قبل أن يتألق في إحدى مسابقات الشباب شبه الاحترافية ويحصل على جائزة أفضل لاعب.
ورغم تقدمه الرياضي، ظل الحنين إلى أسرته يطارده، وكان يقضي كثيرًا من الليالي مفتقدًا والدته وشقيقته وبقية أفراد عائلته.
رحيل شقيقته يحول الأهداف إلى رسائل للسماء
تلقى ديوماندي أقسى ضربة في حياته بالتزامن مع اقترابه من تحقيق حلم الاحتراف الأوروبي، عندما فقد شقيقته الصغرى التي كانت أكثر أفراد الأسرة إيمانًا بموهبته.
وكانت شقيقته تشجعه على الاستمرار بعد كل تجربة فاشلة، وتشاركه أحلام الانتقال إلى أوروبا وتحويل كرة القدم إلى وسيلة لتحسين حياة العائلة.
وكشف اللاعب لاحقًا جانبًا من ألمه في رسالة نشرها عبر منصة "ذا بلايرز تريبيون"، وقال: "منذ أن رحلت، أشعر بأنني فارغ. لا أعتقد أنني بكيت يوم أخبروني بوفاتك، كنت فقط في حالة صدمة".

وأوضح أن أكثر ما يؤلمه هو وصوله إلى المكانة التي حلم بها دون أن يتمكن من مشاركتها معها، قائلًا: "أفكر فيها كثيرًا، لأنني الآن أملك كل ما حلمت به، لكنني لا أستطيع مشاركته معها".
ومنذ ذلك الوقت، تحولت أهدافه إلى تحية دائمة لذكراها، وأصبح نجاحه مرتبطًا بالوفاء بالوعد الذي قطعه لها بأن يجعلها فخورة به.
وظهرت تلك المشاعر بوضوح بعد تسجيل أول أهدافه الاحترافية مع ليغانيس أمام إسبانيول، إذ سقط على أرض الملعب، وأشار إلى السماء، ثم انفجر في البكاء.
ليغانيس يكتشف موهبة غير عادية
تابع ليغانيس ديوماندي منذ فترة وجوده في الأكاديميات، قبل أن يضمه مطلع عام 2025 عقب بلوغه السن القانونية للانتقال الدولي.
وبدأ اللاعب رحلته مع فريق الشباب، لكن زملاءه والمدربين سرعان ما أدركوا أن مستواه يفوق الفئة التي يلعب معها.
ونظم النادي مباراة لاختباره أمام الجهاز الفني للفريق الأول، ليقدم عرضًا لافتًا، تجاوز خلاله أحد المدافعين بقدمه اليسرى، قبل أن يسدد باليمنى في الزاوية العليا.
ودفعت اللقطة المدرب بورخا خيمينيز إلى المطالبة بإخراجه خوفًا من تعرضه للإصابة، قائلًا: "أخرجوه الآن، لأنهم سينتهون بركله"، قبل أن يضيف: "انسوا فريق الشباب، سيبقى مع الفريق الأول".
وبعد أسبوع واحد فقط من التدرب مع الكبار، خاض ديوماندي ظهوره الأول في الدوري الإسباني أمام ريال مدريد على ملعب "سانتياغو برنابيو"، وهو في عمر 18 عامًا.
واعترف بأنه لم ينم ليلة المباراة بسبب حماسه لمواجهة فينيسيوس جونيور وكيليان مبابي، قبل أن يحقق حلمًا آخر بتبادل القميص مع النجم الفرنسي.
وخاض الجناح الإيفواري 10 مباريات مع ليغانيس، سجل خلالها هدفين وصنع هدفًا، ليؤكد قدرته على اللعب على الجناحين بفضل إجادته استخدام القدمين وسرعته الكبيرة.
إهدار مؤلم أمام إشبيلية ثم رد استثنائي
عاش ديوماندي واحدة من أصعب لحظاته الرياضية أمام إشبيلية في مايو 2025، خلال مباراة حاسمة في صراع ليغانيس من أجل البقاء بالدوري الإسباني.
ووصلت إليه الكرة في الوقت بدل الضائع والنتيجة تشير إلى التعادل 2-2، بينما كان مرمى إشبيلية خاليًا بعد تقدم الحارس للمشاركة في ركلة ركنية.
وتجاوز ديوماندي الحارس، لكنه سدد الكرة بجوار القائم، ليهدر هدفًا كان قد يمنح فريقه فوزًا ثمينًا وربما يغير مصيره في صراع الهبوط.
وانهار اللاعب عقب صافرة النهاية، قبل أن يلتف حوله زملاؤه وأعضاء الجهاز الفني لمواساته.

وقال خيمينيز: "إنه لاعب صغير جدًا ولا يزال في بداية الطريق. علينا أن نمنحه الحب والدعم، لقد كان محطمًا".
لكن ديوماندي رد في المباراة التالية أمام إسبانيول، عندما سجل هدفًا وصنع آخر وقاد ليغانيس للفوز 3-2، ليبدأ الفريق صحوة متأخرة حصد خلالها 9 نقاط من آخر 12 نقطة ممكنة.
انفجار في لايبزيغ.. والبرنابيو ينتظر عودته
تحرك لايبزيغ سريعًا للتعاقد مع ديوماندي خلال صيف 2025، ودفع قرابة 20 مليون يورو للحصول على خدماته، في صفقة منحت ليغانيس عائدًا ماليًا ضخمًا بعد أشهر قليلة من اكتشاف اللاعب.
وانفجرت موهبته في الدوري الألماني، إذ أسهم في 23 هدفًا خلال 36 مباراة بمختلف المسابقات، وسجل 12 هدفًا وصنع 9 في الدوري.
ووصفه مدربه أولي فيرنر بقوله: "إنه قادر على تجاوز منافسيه دون مراوغة، فقط باستخدام قوته".
ويمتلك ديوماندي سرعة استثنائية، وقدرة على الضغط والتحرك خلف الدفاعات، إلى جانب إجادة اللعب بالقدمين، ما دفع مارتين أورتيغا، المدير العام لليغانيس، إلى مقارنته بـ2 من أبرز الأجنحة.
وقال أورتيغا: "يمتلك قدرة لامين يامال على اختراق الدفاعات، وقدرة عثمان ديمبيلي على اللعب بالقدمين. لديه كل المقومات للنجاح في ريال مدريد".
وعزز اللاعب قيمته بتألقه مع منتخب كوت ديفوار وفي كأس العالم، بعدما أصبح أحد أبرز نجوم بلاده، ليدخل ريال مدريد وباريس سان جيرمان وليفربول سباق التعاقد معه.
وتشير التقارير إلى اقتراب ريال مدريد من حسم الصفقة، في انتقال قد يجعل ليغانيس يحصل على أرباح إضافية بفضل احتفاظه بنسبة من إعادة البيع.
ورغم الملايين والشهرة المتزايدة، يؤكد المقربون من ديوماندي أن هدفه الأكبر لا يزال مساعدة أسرته، إذ قال: "قضيت نصف حياتي بعيدًا عنهم".
وهكذا، يستعد الطفل الذي كان يلعب حافيًا ويبحث عن الطعام قرب ملاعب التدريب للعودة إلى "سانتياغو برنابيو"، لكن هذه المرة ربما بقميص ريال مدريد، حاملًا معه قصة فقر ووحدة وفقد حولته إلى أحد أهم مواهب كرة القدم العالمية.




