في ظل مرحلة إعادة البناء التي تعيشها الكرة التونسية، يبرز اسم عبد القادر غشير كأحد أبرز العقول التي تقود مشروع استعادة بريق منتخب "نسور قرطاج".
وأصبح التساؤل حول من هو عبد القادر غشير حاضرًا بقوة مع تصاعد تأثيره داخل منظومة الاتحاد التونسي لكرة القدم، خاصة في ملف استقطاب المواهب مزدوجة الجنسية من أوروبا.
مرحلة ضبابية.. وبداية التحول
مرت الكرة التونسية بفترة من الارتباك الإداري عقب توقيف الرئيس السابق وديع الجريء في 2023، وما تبعه من استقالة المسؤول عن ملف مزدوجي الجنسية محمد سليم بن عثمان، وهو ما تسبب في تراجع جاذبية المنتخب للعديد من المواهب الشابة في أوروبا.
لكن مع تولي معز الناصري رئاسة الاتحاد مطلع 2025، بدأت مرحلة جديدة عنوانها إعادة الهيكلة، عبر تعيين زياد الجزيري مديرًا رياضيًا، إلى جانب اختيار عبد القادر غشير لقيادة ملف استكشاف المواهب، في خطوة أعادت تونس بقوة إلى سباق استقطاب اللاعبين.
ثنائي التخطيط.. غشير والجزيري
شكّل غشير مع زياد الجزيري ثنائيًا استراتيجيًا أعاد ترتيب الأولويات داخل المنتخب، حيث اعتمد الطرفان على العمل الميداني والمتابعة الدقيقة للمواهب في أوروبا، مع التركيز على بناء قاعدة مستقبلية قوية.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ الانتقاء المدروس، بعيدًا عن العشوائية، مع منح الأولوية للفئات السنية، إلى جانب دعم المنتخب الأول بعناصر جاهزة.
وارتفعت وتيرة العمل في ملف مزدوجي الجنسية قبل أشهر قليلة من مشاركة تونس في كأس العالم 2026، خاصةً بعد الخروج المُحبط والمبكر من نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 الأخيرة في المغرب.
ضربات ناجحة في سوق المواهب
خلال فترة قصيرة، نجح عبد القادر غشير في تحقيق عدة مكاسب بارزة، كان أبرزها إقناع لاعب الوسط المخضرم راني خضيرة بالانضمام إلى المنتخب، في صفقة اعتُبرت خطوة نوعية على المستوى الفني والمعنوي.
كما تمكن من حسم ملفات مواهب شابة واعدة، أبرزها استقطاب المهاجم الشاب آدم براهم من بوروسيا دورتموند، رغم منافسة ألمانيا وبولندا.
كما نجحت تونس في ضم سعيد رمضانية، مهاجم أولمبيك مارسيليا، بعد تجارب سابقة مع فرنسا والجزائر.
بناء جيل المستقبل.. مشروع الناشئين
لم يقتصر دور غشير على المنتخب الأول، بل امتد ليشمل الفئات السنية، حيث لعب دورًا محوريًا في تجهيز منتخب تحت 17 عامًا لكأس العالم للناشئين 2025.
وركزت الخطة على تدعيم خط الوسط بمواهب تنشط في أوروبا، على رأسهم لاعبين من أكاديمية باريس سان جيرمان، ما منح المنتخب توازنًا تكتيكيًا وخبرة مبكرة في مواجهة مدارس كروية كبرى.
ويعكس هذا التوجه رؤية طويلة المدى تهدف إلى صناعة جيل متكامل قادر على المنافسة قارياً وعالمياً.
تحديات وصفقات لم تكتمل
رغم النجاحات، لم تخلُ مسيرة غشير من تحديات، حيث واجه صعوبة في حسم بعض الملفات، أبرزها اختيار هيثم حسن تمثيل منتخب مصر بدلًا من تونس، وتعثر مفاوضات ضم يوسف الشرميطي وإسماعيل الغربي وأيمن السليتي حتى الآن.
وتعكس هذه الحالات طبيعة المنافسة الشرسة على المواهب، خاصة في ظل تعدد الخيارات أمام اللاعبين مزدوجي الجنسية.
استراتيجية جديدة.. الاستهداف المبكر
أحد أبرز ملامح عمل غشير يتمثل في تغيير فلسفة الاستقطاب، حيث لم يعد ينتظر بروز اللاعب مع الفريق الأول، بل بات يركز على استهداف المواهب في سن مبكرة، ضمن فئات تحت 15 و17 و19 عامًا.
وتمنح هذه السياسة أفضلية كبيرة للمنتخب التونسي، من خلال تأمين ولاء اللاعبين مبكرًا، وبناء مشروع متكامل على المدى الطويل.
من هو عبد القادر غشير؟
عبد القادر غشير هو المسؤول الأول عن ملف استكشاف اللاعبين مزدوجي الجنسية في الاتحاد التونسي لكرة القدم، ويُعد أحد أبرز الأسماء الصاعدة في الإدارة الرياضية داخل تونس.
قبل توليه منصبه الرسمي في أبريل 2025، عمل غشير كممثل للأندية الأوروبية وخبير في تنظيم بطولات الشباب، حيث لعب دورًا مهمًا في الربط بين الأكاديميات الأوروبية والمواهب التونسية.
يعتمد في عمله على التواجد الميداني المستمر، من خلال متابعة المباريات في أوروبا والتواصل المباشر مع اللاعبين وعائلاتهم، إلى جانب التنسيق مع الجهاز الفني للمنتخبات الوطنية.
وخلال فترة قصيرة، نجح في فرض اسمه كـ"مهندس الكواليس" لمستقبل الكرة التونسية، بفضل رؤيته الاستراتيجية وقدرته على حسم ملفات معقدة في سوق المواهب، ما جعله يحظى بإشادة واسعة من الجماهير والمتابعين.
ومع استمرار مشروع إعادة البناء، يبدو أن عبد القادر غشير سيكون أحد أبرز مفاتيح عودة "نسور قرطاج" إلى الواجهة القارية والدولية في السنوات المقبلة.