أعاد أسترالي يدعى تيم فاريل إشعال واحد من أكثر النقاشات إثارة في عالم كرة القدم، بعدما كرّس ما يقرب من عقدين من الزمن لمحاولة إقناع الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" والمشرعين في اللعبة بالتخلي عن ركلات الترجيح والأشواط الإضافية، واستبدالهما بنظام جديد يعتقد أنه أكثر عدالة ويعكس طبيعة كرة القدم بصورة أفضل.
وفي وقت لا تزال فيه ركلات الترجيح تحسم أعظم المباريات في العالم، من نهائيات كأس العالم إلى دوري أبطال أوروبا، يرى فاريل أن الوقت قد حان لإحداث "ثورة" في طريقة حسم المباريات الإقصائية، مستندًا إلى فكرة يعتقد أنها تعالج أبرز عيوب النظام الحالي.
من هو صاحب الفكرة؟
يبلغ تيم فاريل 56 عامًا، وهو مشجع أسترالي عاشق لكرة القدم يشجع نادي نيوكاسل جيتس الأسترالي، ولم يسبق له ممارسة اللعبة على المستوى الاحترافي أو العمل داخل مؤسسات كرة القدم.
وعلى مدار حياته المهنية، عمل في مجال إنتاج الفيديو والوسائط المتعددة، إلا أن شغفه باللعبة دفعه إلى إطلاق مشروع شخصي استمر أكثر من 20 عامًا، هدفه تغيير الطريقة التي تُحسم بها مباريات خروج المغلوب.

ورغم أنه يعيش في أستراليا، على بعد آلاف الكيلومترات من مقر "فيفا" في سويسرا، فإن ذلك لم يمنعه من مواصلة مراسلة الاتحاد الدولي والهيئة الدولية لقوانين اللعبة "إيفاب"، بل وسافر على نفقته الخاصة إلى زيورخ عام 2010 لعرض فكرته مباشرة.
لماذا يريد إلغاء الأشواط الإضافية وركلات الترجيح؟
يرى فاريل أن النظام الحالي يعاني من 3 مشكلات رئيسية.
أولى هذه المشكلات تتمثل في أن الأشواط الإضافية أصبحت، في رأيه، مرهقة للاعبين وغالبًا ما تكون فقيرة فنيًا بسبب الإرهاق والحذر.
أما المشكلة الثانية فهي أن ركلات الترجيح لا تشبه كرة القدم الحقيقية، إذ تتحول المباراة إلى سلسلة من التسديدات الفردية المنفصلة عن طبيعة اللعب الجماعي والخطط التكتيكية.
أما ثالثة الانتقادات فتتعلق بالأثر النفسي، إذ يعتبر أن ركلات الترجيح تُبنى على "فشل لاعب واحد"، فيتحمل من يهدر الركلة عبئًا نفسيًا هائلًا قد يلازمه لسنوات، كما حدث مع العديد من النجوم عبر التاريخ.
ويستشهد فاريل بما تعرض له لاعبو إنجلترا ماركوس راشفورد وبوكايو ساكا وغادون سانشو من إساءات عنصرية بعد إهدارهم ركلات الترجيح في نهائي يورو 2020، معتبرًا أن النظام الحالي يضع اللاعبين تحت ضغط غير إنساني.

كيف وُلدت فكرة النظام الجديد؟
تعود الشرارة الأولى إلى نهائي دوري أبطال أوروبا 2008 بين مانشستر يونايتد وتشيلسي.
ويتذكر فاريل أنه شاهد المباراة فجرًا في أستراليا، قبل أن تنتهي بركلات الترجيح الشهيرة التي شهدت انزلاق جون تيري وإهداره الركلة الحاسمة، ثم خسارة تشيلسي للقب بعد تصدي إدوين فان دير سار لمحاولة نيكولا أنيلكا.
ويقول إن مشهد تيري وهو يبكي على أرض الملعب جعله يقتنع بأن اللعبة تستحق وسيلة أفضل لحسم المباريات، بعيدًا عن تحميل لاعب واحد مسؤولية ضياع بطولة كاملة.
ما هو نظام "ADG" المقترح؟
يطلق فاريل على مقترحه اسم "Attacker, Defender, Goalkeeper" (مهاجم، مدافع، حارس مرمى) أو اختصارًا "ADG".
وتقوم الفكرة على منح كل فريق سلسلة من المواجهات الفردية، لكنها لا تكون من نقطة الجزاء.

ويبدأ المهاجم من مسافة 32 ياردة عن المرمى، بينما يقف المدافع على بعد لا يقل عن 10 ياردات، مع وجود حارس المرمى، ويملك المهاجم 15 ثانية فقط لمحاولة التسجيل.
وإذا تعرض المهاجم لعرقلة تحتسب له ركلة جزاء، أما إذا انتهت المحاولة دون تسجيل فيعتبر الدور منتهيًا.
ويتبادل الفريقان الأدوار بين الهجوم والدفاع، مع إمكانية اختيار المدافع المناسب لكل مهاجم، بما يضيف عنصرًا تكتيكيًا جديدًا إلى عملية الحسم.
لماذا يعتقد أن النظام أكثر عدالة؟
بحسب فاريل، تبلغ نسبة نجاح ركلات الترجيح التقليدية نحو 70%، وهو ما يجعل الإخفاق استثناءً مؤلمًا يتحمل مسؤوليته اللاعب الذي يهدر الركلة.
أما في نظامه، فيتوقع أن تنخفض نسبة التسجيل إلى نحو 30% فقط، لتتحول المسؤولية من اللاعب الذي يفشل في التسجيل إلى اللاعب الذي ينجح في تسجيل هدف استثنائي.
كما يرى أن وجود مدافع وحارس وحرية المراوغة يجعل الحسم أقرب إلى مواقف اللعب الطبيعية، بدلًا من الاكتفاء بتسديدة ثابتة من نقطة الجزاء.
ويضيف أن النظام يمنح أفضلية عادلة للفريق المنافس إذا لعب خصمه بـ10 لاعبين بعد طرد أحد عناصره، وهو أمر لا تعكسه ركلات الترجيح الحالية.
كيف ظهرت ركلات الترجيح في كرة القدم؟
يشير فاريل إلى أن كثيرين يعتقدون أن ركلات الترجيح جزء أصيل من اللعبة، بينما الحقيقة أنها لم تُعتمد رسميًا إلا عام 1970.
وقبل ذلك، كانت المباريات الإقصائية تُحسم بإعادة المباراة أو القرعة أو حتى إلقاء العملة المعدنية.
وجاء التغيير بعد مباراة إسرائيل وبلغاريا في ربع نهائي أولمبياد 1968، عندما حُسم التأهل عبر سحب ورقة من قبعة، لتخرج إسرائيل من البطولة بالحظ.
وأثار ذلك استياء الصحفي الإسرائيلي جوزيف داغان، الذي اقترح مع مسؤول الاتحاد الإسرائيلي ميخائيل ألموغ فكرة ركلات الترجيح، قبل أن يعتمدها المجلس الدولي لكرة القدم "إيفاب" عام 1970.
وشهد العام نفسه أول ركلات ترجيح رسمية بين مانشستر يونايتد وهال سيتي، وكان جورج بست أول لاعب يهدر ركلة ترجيح في التاريخ الرسمي.

هل استمع "فيفا" إلى الفكرة؟
في عام 2010، سافر فاريل إلى مقر "فيفا" في زيورخ على نفقته الخاصة بعدما أرسل مقترحه إلى مسؤولي الاتحاد الدولي.
وعقد اجتماعًا مع مسؤول لجنة الحكام آنذاك، لكنه اعترف لاحقًا بأن فكرته في ذلك الوقت لم تكن مكتملة بالشكل الحالي.
ومنذ ذلك الحين، واصل تطوير المشروع، مستفيدًا من التكنولوجيا الحديثة، بل استخدم برامج تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإجراء محاكاة واختبار النظام قبل كأس العالم 2022.
ورغم أن الفكرة لم تُجرب حتى الآن على أرض الواقع، ولم تعتمدها أي بطولة رسمية، فإن فاريل يؤكد أنه سيواصل طرق أبواب "فيفا" و"إيفاب" حتى تحظى بمناقشة رسمية.
ويرى أن كرة القدم تخلت بالفعل عن قاعدة الهدف خارج الأرض، وأن الأشواط الإضافية قد تكون الخطوة التالية نحو الاختفاء، ليبقى السؤال المطروح: هل يأتي يوم تنتهي فيه أيضًا ركلات الترجيح، ويبدأ عصر جديد لحسم المباريات؟





