hamburger
userProfile
scrollTop
رياضة

زفيريف.. حقنة "مجد"

آخر تحديث:
كريس بوش أجبر  على الاعتزال في 2016 بعد اكتشاف جلطات دموية متكررة في الرئتين والساقين (رويترز)
كريس بوش أجبر على الاعتزال في 2016 بعد اكتشاف جلطات دموية متكررة في الرئتين والساقين (رويترز)
verticalLine
fontSize

عندما تتجاوز الرياضة "حدود الملعب" وتصبح مرآة لجوهر الإرادة الإنسانية، تتحوّل، حينها، إلى رمزٍ للانتصار على الحياة.

في ملاعب التنس، أكد الألماني ألكسندر زفيريف أنّ العزيمة قادرة على تطويع الأجساد العليلة، وأنّ التحدي الصحي لا يعني بالضرورة نهاية الحلم، بل قد يكون، أحياناً، بداية المجد.

شُخّص زفيريف بمرض السكري "من النوع الأول" عندما كان في الرابعة. أبلغ الأطباء عائلته بأن "ممارسة رياضة احترافية مثل التنس أمر مستحيل". هذه النوعية من السكري تعني أنّ الـ "بنكرياس" لا ينتج الأنسولين تماماً، ما يتطلب مراقبة مستمرة ومئات الحقن سنوياً لضبط السكر في الدم، مع المجهود البدني الذي تتطلبه مباريات التنس.

لفترة طويلة، أخفى "ساشا" سرّه عن وسائل الإعلام والجمهور، خوفاً من أن يُنظر إليه كلاعب "ضعيف". لم يعلن عن الأمر إلا في 2022 عندما أنشأ مؤسسة خيرية لدعم الأطفال المصابين بالمرض.

أدّت والدته، إيرينا، لاعبة تنس سابقة ومدربة، الدور الأكثر تأثيراً في حمايته وتمكينه من اللعب. تَلَخَّص دورها في المراقبة الليلية الصارمة خلال مرحلتي الطفولة والشباب. كانت تستيقظ مراراً لقياس السكر في دم ألكسندر أثناء نومه، والتأكد من عدم تعرضه لهبوط حاد فيه، وهي حالة قاتلة إن لم تُعالج فوراً.

تولّت مهمة تنظيم وجباته وحساب كميات الكربوهيدرات لتتوافق مع جرعات الأنسولين. الأهم أنها رفضت إشعار ابنها بأنه "مريض" أو أقل من أقرانه، بل زرعت فيه عقلية التحدي.

وأسست التكنيك الحركي لزفيريف في التنس منذ الصغر. وفي الأوقات التي كان يمر فيها بأزمات نفسية بسبب التعب من الوخز المستمر للإبر والموازنة بين العلاج والتدريب، شكلت والدته سنداً عاطفياً يدفعه للاستمرار ويقنعه بأن التنس أفضل طريقة للحفاظ على الصحة.

هوية وطموح

بعد تتويجه في بطولة أميركا المفتوحة، رابع البطولات الأربع الكبرى، في سبتمبر، قال أمام الملأ: "أريد أن أشكر شخصاً لا يشاهد مبارياتي عادةً، لكنه الأهم في مسيرتي مع التنس، وفي حياتي بشكل عام. عندما يتم تشخيص ابنك البالغ 4 سنوات بالسكري، ويخبرك الأطباء بأن حياته وفرصه الرياضية محدودة للغاية، يتطلب الأمر أمّاً قوية جداً لتخرج من العيادة وتقول: 'ابني سيكون ما يريد. إن أراد أن يصبح لاعب تنس فسيكون لاعب تنس. وإن أراد فعل شيء آخر فسيفعله. المرض لن يحدد هويتنا وسقف طموحاتنا'. أمي هي الشخص الأهم والأقوى والأشجع في حياتي، فالأمر يتطلب امرأة قوية بشكل لا يصدق لتفعل ما فعلته من أجلي".

لم يكن زفيريف الوحيد الذي تعايش مع السكري. فقد سبقه كثيرون، مثل نايت سيرموند، أحد أعظم مدافعي الدوري الأميركي للمحترفين في كرة السلة. اتّبع نظاماً صارماً وعلاجاً مستمراً، فتألق ودخل "قاعة المشاهير".

أسطورة السباحة، الأميركي غاري هول جونيور، تم تشخيصه بالسكري "من النوع الأول" في 1999 وهو في قمة عطائه، وعلم بأنّ حلمه الأولمبي انتهى وأنّ عليه الاعتزال فوراً. رفض وعمل مع فريق طبي لتغيير مفهوم التعامل مع المرض في الرياضات العنيفة ليصبح بعدها أول مصاب بالسكري "من النوع الأول" يحرز "ذهبية أولمبية". حتى أنه أنهى مسيرته وفي جعبته 10 ميداليات أولمبية، بينها خمس ذهبيات.

ويُصنّف ستيف ريدغريف واحداً من أعظم الرياضيين البريطانيين. تم تشخيصه بالسكري في 1997 وهو في الـ 35 أثناء استعداده لأولمبياد سيدني 2000. ورغم أن رياضة التجديف تستهلك كميات مرعبة من الطاقة وتتطلب مجهوداً عضلياً جباراً، إلا أن ريدغريف تعايش مع المرض وكان يحقن الأنسولين حتى 6 مرات يومياً. انتزع "ذهبية أولمبياد 2000"، ليصبح الرياضي الوحيد الذي يفوز بـ 5 ذهبيات في 5 دورات أولمبية متتالية في رياضة تَحَمُّل شديدة الصعوبة.

انضباط صارم

وتم تشخيص الرّباع الألماني ماتياس شتاينر بالسكري "من النوع الأول"، "كهدية عيد ميلاده الـ18 كما يصفها متهكماً". قيل له إن رفع الأثقال على مستوى محترف سيشكل خطراً على حياته بيد أنه اعتمد الانضباط الصارم وجدول فحص دقيقاً للدم. وفي أولمبياد بكين 2008، حقق المستحيل بإحراز "ذهبية الوزن الثقيل" في لقطة تاريخية أهدى فيها الفوز لزوجته الراحلة ولمرضى السكري حول العالم.

لاعبة كرة السلة الأميركية كانديس دوسون تم تشخيصها بالسكري "من النوع الأول" خلال مسيرتها الجامعية. لم تتخلَّ عن الحلم، بل واصلت اللعب باحترافية في دوري المحترفات وتوّجت باللقب وحصدت جائزة أفضل لاعبة في النهائيات.

ولا يتوقف الأمر عند السكري، فقد أصيب الفرنسي إريك أبيدال بسرطان الكبد وخضع لعملية زراعة أثناء وجوده مع فريق برشلونة الإسباني لكرة القدم. بعد تعافيه، عاد ورفع كأس دوري أبطال أوروبا 2011.

من جانبه، شُخّص العاجي سيباستيان هالر بسرطان الخصية فور انتقاله إلى بوروسيا دورتموند الألماني. خضع لعمليات جراحية وجلسات علاج كيماوي ليعود بقوة ويقود منتخب بلاده للتتويج بكأس إفريقيا.

تشخيص صادم

قصة المغربي إسماعيل صيباري واحدة من أكثر الحكايات إلهاماً. عندما كان طفلاً، واجه تشخيصاً طبياً قاسياً: تشوّه خُلقي في القدمين واستحالة المشي طبيعياً.

رفضت عائلته الاستسلام. وبالصبر، العلاج الطبيعي والعزيمة، لم يتمكن إسماعيل من المشي فحسب، بل تحولت القدمين اللتين قيل عنهما إنهما لن تسيرا، إلى قدمين ذهبيتين تصنعان الأمجاد. الصيباري ينشط اليوم مع بايرن ميونيخ الألماني بموجب صفقة بلغت قيمتها 50 مليون يورو.

بطل الدراجات الهوائية، الأميركي لانس آرمسترونغ، شُخّص بسرطان الخصية المنتشر إلى الدماغ والرئتين بنسبة شفاء ضئيلة. هزم المرض وعاد ليفوز بأصعب سباقات الدراجات في العالم (تور دي فرانس) رغم الجدل اللاحق حول قضايا منشطات.

الأميركية ويلما رودولف، أُصيبت بشلل الأطفال والتهاب رئوي وحمى قرمزية، وقيل إنها لن تمشي مجدداً، فاضطرت لارتداء دعامة حديدية لسنوات. تغلبت على الشلل وأصبحت، في أولمبياد روما 1960، أسرع امرأة في العالم وانتزعت 3 ميداليات ذهبية.

نجمة التنس الأميركية فينوس ويليامز تم تشخيصها بـ"متلازمة شوغرن" وهو مرض مناعي ذاتي مزمن يسبب إرهاقاً وآلاماً في المفاصل والعضلات. غابت لفترة لكنها قررت المواجهة فغيّرت نظامها الغذائي وأسلوب حياتها، وعادت لتفوز بمزيد من ألقاب الـ "غراند سلام".

وعانت لاعبة الجمباز الأميركية سيمون بايلز من اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط منذ الطفولة، وهي تتعالج منه بانتظام. واجهت أزمات صحية ونفسية مثل الالتواء الفضائي خلال أولمبياد طوكيو، لكنها عادت في أولمبياد باريس 2024 لتبهر العالم وتحصد الميداليات الذهبية.

قدرة الجسد

في المقابل، اضطر رياضيون إلى الاعتزال بسبب المرض، ليس بالضرورة نتيجة نقص العزيمة، بل بالنظر إلى خطورة المُصاب.

الصربية المصنفة أولى عالمياً وبطلة "رولان غاروس" في التنس، آنا إيفانوفيتش، اضطرت للاعتزال في سن الـ29 عام 2016 نتيجة إصابات مزمنة ومتكررة في المعصم والظهر، وعدم قدرة الجسد على التعافي السريع.

نجم كرة القدم الأرجنتيني سيرجيو أغويرو سقط في الملعب وهو يمسك بصدره بسبب ضيق في التنفس إثر انتقاله إلى برشلونة الإسباني في 2021. الفحوصات كشفت معاناته من اضطراب خطير في ضربات القلب، ونصحه الأطباء بالاعتزال الفوري خشية الموت المفاجئ.

من جهته، أُجبِرَ لاعب كرة السلة الأميركي كريس بوش على الاعتزال في 2016 وهو في القمة بعد اكتشاف جلطات دموية متكررة في الرئتين والساقين. الأدوية جعلت من المستحيل عليه ممارسة رياضة التحامية مثل كرة السلة، لأن أي نزيف داخلي قد يكون قاتلاً.

بطل سباقات الدراجات النارية، الأسترالي كيسي ستونر، صدم العالم باعتزاله في سن الـ27 وهو في أوج نجوميته. يعود السبب في ذلك إلى معاناته من "متلازمة التعب المزمن" ومشاكل حادة في الأمعاء.

صدارة التصنيف

زفيريف ضمِن اعتلاء صدارة التصنيف العالمي لمحترفي التنس للمرة الأولى، مُزيحاً الإيطالي يانيك سينر عنها، وأصبح أول ألماني يقف على القمة منذ بوريس بيكر في 1991.

سيكون "ساشا" اللاعب الثلاثين الذي يتربع على قمة التصنيف منذ اعتماده العام 1973، وثاني أكبر اللاعبين سناً (29 عاماً) يبلغ المركز الأول للمرة الأولى.

صعوده إلى القمة جاء بعد موسم استثنائي شهد تتويجه بأول "لقبين كبيرين"، "رولان غاروس" و"فلاشينغ ميدوز"، منهياً سنوات من الإخفاق في المباريات النهائية، وأضافهما إلى "ذهبية فردي الرجال" في أولمبياد 2020.

بدا بأنه استفاد من غياب الإيطالي يانيك سينر والإسباني كارلوس ألكاراز، أبرز المنافسين على صدارة التصنيف، بسبب الإصابة، وهو ما أثاره الأسطورة الأميركي جون ماكنرو عقب نهائي "فلاشينغ ميدوز". فقد وجّه رسالة تمنى فيها عودة سينر وألكاراز سريعاً إلى الملاعب، الأمر الذي فجّر غضب الجماهير، خصوصاً أن التصريح جاء مباشرةً بعد تتويج زفيريف، حيث قال بوضوح: "كارلوس ويانيك، تعافَوا سريعاً".

اعتبر قطاع واسع من عشاق اللعبة والمحللين أن ما قاله "غير لائق ومتحيّز"، وهاجمه مشجعون معتبرين بأنه قلل من قيمة إنجاز زفيريف، حيث بدا وكأنه يربط فوز الأخير بغياب سينر وألكاراز.

ربما لا يعلم ماكنرو بأن زفيريف يضع جهازاً لمراقبة الـ"غلوكوز" (سكر الدم) على ذراعه، وأنه خلال استراحة بين الأشواط، يراجع شاشة الجهاز أو يحقن نفسه بالأنسولين. كما أنه ما مرّ يوماً على رسالة الألماني للأطفال المصابين بالسكري: "يمكنكم العيش حياة طبيعية، ويمكنكم أن تصبحوا أبطالاً أولمبيين. لا تدعوا المرض يحدد سقف أحلامكم".

وعندما سئل ألكسندر نفسه عن رحلته نحو القمة وفوزه بـ"لقبين كبيرين"، قال: "كان علينا الانتظار، لكن أحياناً يتوجب عليك الانتظار كي تنال أفضل الأشياء في الحياة".

ردٌّ يخفي أكثر مما يُظهر. فـ"انتظار زفيريف" لا يعني الألقاب فحسب، بل يشير بوضوح إلى انتظار من نوع آخر، بدأ منذ كان في الرابعة، يوم اكتشاف إصابته بمرض السكري.

كان الانتظار رهاناً رابحاً بالنسبة إلى زفيريف ووالدته ولكل من يعاني من مرض مزمن. انتظارٌ حمل رسالة بأن "المستحيل" يبقى ممكناً إن وُجدت الإرادة.