حوّلت إيلينا ريباكينا الشكوك التي أحاطت بمشاركتها في بطولة أميركا المفتوحة للتنس إلى تتويج تاريخي، بعدما تغلبت على البيلاروسية أرينا سابالينكا، حاملة اللقب في آخر نسختين، بنتيجة 6-4 و5-7 و6-2، لتحصد أول ألقابها في فلاشينغ ميدوز وثالث بطولات غراند سلام في مسيرتها، لكن النجمة الكازاخستانية لا تزال شخصية غامضة يصعب فهمها.
قدراتها الهجومية القوية واضحة للعيان، لكن الأفكار والمشاعر التي تحركها تبقى إلى حد كبير طي الكتمان، وهذا بالضبط ما تفضله ريباكينا.
وقالت الأميركية كوكو غوف التي خسرت أمام ريباكينا في نصف النهائي: "إيلينا ليست غير مبالية، لا أريد قول ذلك، لكنها ببساطة لا تُظهر أي رد فعل على الإطلاق".
وأضافت: "نحن جميعاً نشعر بالتوتر وما شابه. أما مدى تأثير ذلك عليها فلا نعلم، وأعتقد أن هذه هي نقطة قوتها. لا يمكنك أبداً أن تعرف ما الذي تشعر به".
هدوء تكتيكي وبرود الاحتفالات
وعندما هزمت ريباكينا التونسية أنس جابر وأحرزت أول ألقابها الكبرى في ويمبلدون عام 2022، لم تصرخ فرحاً ولم ترتمِ على أرضية الملعب العشبية، بل اكتفت برفع قبضتها مرة واحدة قبل أن تتوجه إلى مقعدها.
وعلّقت جابر مازحة: "سيتعين عليّ أن أعلّمها كيف تحتفل بالشكل الصحيح".
لكن ريباكينا، المولودة في موسكو والتي اختارت عام 2018 تمثيل كازاخستان، تقول إن إبقاء مشاعرها تحت السيطرة داخل الملعب خيار تكتيكي.
وأوضحت: "حسناً، هناك الكثير من المشاعر. أحاول إخفاءها، لأنك لا تريدين أن يرى منافسك إحباطك عندما لا تسير الأمور على ما يرام. والأشخاص الذين يعرفونني جيداً ومنذ فترة طويلة يمكنهم ملاحظة حتى التغييرات الصغيرة في ملامح وجهي".
تحديات واختبارات خارج الملعب
غير أن رباطة جأش ريباكينا الشهيرة تعرضت للاختبار في مواجهة الجدل خارج الملاعب؛ فقد مُنع اللاعبون الروس من المشاركة في العام الذي أحرزت فيه لقب ويمبلدون، وواجهت أسئلة كثيرة بشأن قرارها اللعب تحت العلم الكازاخستاني عندما كانت في الـ19 من عمرها وتحتل المركز الـ175 عالمياً.
وردّت حينها بحدة: "لقد آمنوا بي. لم يعد هناك أي سؤال بشأن شعوري"، وعندما عززت اعتلاءها صدارة التصنيف العالمي ببلوغ نصف نهائي نيويورك، تحدثت بفخر عن تمثيل الدولة التي دعمت مسيرتها الاحترافية.
وقالت: "في كل مرة أعود فيها إلى كازاخستان، أياً كانت المدينة التي أزورها، أرى الكثير من الأطفال يمارسون التنس الآن، وعدد أكبر منهم يتوجه إلى مرافق اللعبة. وهذا يثبت أن كل شيء ممكن إذا آمنت بنفسك وعملت بجد".
من الهواية إلى الغراند سلام الـ3
لكن ريباكينا أكدت أن النجومية في عالم التنس لم تكن حلماً يراودها في طفولتها، وقالت: "لم أفكر يوماً بأنني سأصبح محترفة أو حتى أنني سأشارك في مثل هذه البطولات وعلى أكبر المسارح. كنت أستمتع فقط بلعب التنس بعد المدرسة وقضاء الوقت مع الأصدقاء. كان الأمر مجرد تسلية".
أما اليوم، فهي بطلة في الغراند سلام 3 مرات. وتفوقت على البيلاروسية أرينا سابالينكا في نهائي بطولة أستراليا المفتوحة في يناير الماضي وأحرزت لقبها الكبير الـ2، بعد 4 أعوام من تتويجها في ويمبلدون.
وشهدت السنوات الفاصلة إيقاف مدربها الكرواتي ستيفانو فوكوف الذي قادها إلى لقب ويمبلدون، على خلفية احتمال انتهاكه مدونة السلوك الخاصة برابطة اللاعبات المحترفات (دبليو تي إيه).
وأفادت تقارير بأنه استخدم أساليب قاسية ومسيئة تجاه اللاعبات، وهي اتهامات نفاها.
عودة فوكوف وسلاح التحكم بالنفس
وأبدت ريباكينا انزعاجها من الاتهامات والإيقاف، ورفضت الوقوف لالتقاط صورة مع الرئيسة التنفيذية الأميركية لرابطة اللاعبات المحترفات بورتيا آرتشر بعد فوزها ببطولة الماسترز الختامية "دبليو تي أيه" في الرياض في نوفمبر 2025.
وباتت ريباكينا، المتوجة الآن بـ14 لقباً، أكثر من تصدر قائمة اللاعبات من حيث الإرسالات الساحقة خلال موسم واحد مرتين، كما طورت بشكل ملحوظ أداءها من الخط الخلفي للملعب، وفقاً للأميركية جيسيكا بيغولا المصنفة الـ3 عالمياً.
وقالت بيغولا بعد خسارتها أمام ريباكينا في نصف نهائي بطولة أستراليا المفتوحة مطلع العام الحالي: "إنها هادئة للغاية. لا تمنحك أي مؤشرات تقريباً. لا تكون متأكداً أبداً مما إذا كانت منزعجة أو متحمسة أو أي شيء آخر. وأعتقد أن ذلك يمنحها أفضلية كبيرة في اللعبة الحديثة".
وجاء الإنجاز بعد أسابيع قليلة من إصابة في الكاحل أجبرتها على الانسحاب من بطولة سينسناتي، لتدخل بطولة أميركا المفتوحة وسط علامات استفهام حول قدرتها على المنافسة.
كما ابتعدت عن المباريات لمدة 7 أيام قبل البطولة، لكنها تجاوزت المخاوف سريعًا، وأطاحت بالبطلتين السابقتين نعومي أوساكا وكوكو غوف في طريقها إلى النهائي.
وقالت ريباكينا بعد التتويج: "من الصعب أن أجد الكلمات الآن، لم أتوقع شيئًا كهذا عندما جئت إلى البطولة"، مضيفة: "بطريقة ما، تضافرت جميع الظروف معًا". كما أشادت بالجماهير، مؤكدة أنها بدأت تحب نيويورك أكثر مع مرور السنوات.
