في واحدة من أكثر الليالي إثارة وتناقضًا في كرة القدم، تجسدت مفارقة نادرة بين فرحة شعبية عارمة وانكسار تاريخي ثقيل، حيث عاد منتخب العراق إلى نهائيات كأس العالم بعد 40 عامًا من الغياب، في الوقت الذي سقط فيه منتخب إيطاليا في فخ الإخفاق للمرة الـ3 تواليًا، ليغيب عن المونديال مجددًا في مشهد يعكس تحولات عميقة في موازين اللعبة.
ويُعرض هذا النقاش ضمن برنامج "ملعبنا" الذي يقدمه الإعلامي لطفي الزعبي، بمشاركة الناقد الرياضي محمد عواد واللاعب السابق علي مجبل فرطوس.
عراق "أرنولد".. شخصية البطل تولد من رحم المعاناة
نجح منتخب العراق في كتابة فصل جديد من تاريخه الكروي، بعدما انتزع بطاقة التأهل إلى كأس العالم 2026 على حساب بوليفيا، في مواجهة جسدت شخصية الفريق القتالية.
ورغم الانتقادات التي طالت مسيرة المنتخب خلال التصفيات، فإن التحول الحقيقي جاء مع المدرب الأسترالي غراهام أرنولد، الذي أعاد تشكيل هوية الفريق، وغرس عقلية الانتصار داخل المجموعة.

وظهر هذا التحول بوضوح في الشوط الثاني من المباراة الحاسمة، حيث أظهر اللاعبون صلابة ذهنية كبيرة وروحًا جماعية، مكّنتهم من حسم المواجهة وكتابة واحدة من أبرز لحظات الكرة العراقية في العصر الحديث.
كما لعب مزيج اللاعبين المحترفين في الخارج مع نجوم الدوري المحلي دورًا محوريًا في بناء فريق متوازن، يمتلك هوية واضحة وقدرة على المنافسة، حتى في مجموعة مونديالية قوية تضم فرنسا والسنغال والنرويج، وهي تحديات قد تتحول إلى فرصة حقيقية لإبراز المواهب العراقية على الساحة العالمية.
أيمن حسين.. أسطورة جديدة في سماء العراق
كان التأهل العراقي يحمل توقيع نجم استثنائي، هو أيمن حسين، الذي فرض نفسه بطلًا للرحلة، بعدما سجل هدف الحسم في المباراة النهائية، ليؤكد مكانته كأحد أهم نجوم الكرة العراقية في العصر الحديث.

ولم يكن تأثيره مجرد هدف، بل امتد إلى دوره القيادي داخل الملعب، حيث شكّل مصدر إلهام لزملائه والجماهير، ليضع اسمه إلى جانب أساطير الكرة العراقية، مثل أحمد راضي ويونس محمود.
إيطاليا.. "الموت البطيء" لمنظومة عريقة
على الجانب الآخر، تعيش الكرة الإيطالية واحدة من أحلك فتراتها، بعدما فشل المنتخب في التأهل إلى كأس العالم للمرة الـ3 على التوالي، في سابقة لم يشهدها تاريخ "الآتزوري".
ولم يعد هذا الغياب مجرد تعثر عابر، بل بات انعكاسًا لأزمة هيكلية عميقة تضرب منظومة الكرة الإيطالية، سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات.

وتعود جذور الأزمة إلى عدة عوامل، أبرزها تداعيات فضائح الفساد السابقة، وتراجع الاستثمار في تطوير المواهب، إضافة إلى غياب التخطيط طويل المدى، ما أدى إلى فقدان الهوية التي لطالما ميزت الكرة الإيطالية.
نهاية هوية "الدفاع الحديدي"
لم تعد إيطاليا تلك القوة الدفاعية التي كانت تُرعب الخصوم، حيث فقدت الأجيال الجديدة من المدافعين الصلابة التقليدية، واتجهت إلى أساليب لعب مختلفة، ما انعكس سلبًا على التوازن الدفاعي للمنتخب.
وبينما كانت إيطاليا تعتمد تاريخيًا على منظومة دفاعية صارمة، أصبح الفريق اليوم يعاني من غياب الشخصية والهوية، في ظل اعتماد لاعبين لا يؤدون أدوارًا محورية في أنديتهم، وهو ما ساهم في تراجع المستوى العام.
ويرى مراقبون أن التتويج بلقب كأس أوروبا "يورو 2020" لم يكن سوى استثناء مؤقت، لم يعكس تعافيًا حقيقيًا، بل أخفى خلفه أزمة كانت تتفاقم تدريجيًا.