نشرت شبكة "ذا أثلتيك" لقاء مطول ومُثمر عن المدرب الإسباني لويس دي لا فوينتي، المدير الفني الحالي لمنتخب إسبانيا والذي قاد بلاده لحصد لقب يورو 2024 وكأس العالم 2026 ويستعد لكتابة تاريخ جديد مع اللاروخا.
وطرحت الشبكة الشهيرة الكثير من الملامح عن حياة المدرب صاحب الـ65 عامًا، والذي يشتهر بحبه الدائم بتطوير المواهب الإسبانية وهو القائد الحالي لكتابة فصل جديد من فصول التاريخ الإسباني الحديث.
عاطل عن العمل يبحث عن فرصة
قبل 14 عامًا، كان لويس دي لا فوينتي عاطلاً عن العمل، يجلس في مقهاه المحلي، ويقرأ الإعلانات المبوبة في الصحف بحثًا عن وظيفة. حيث كان دي لا فوينتي يقطن حينها في غيتشو، إحدى ضواحي مدينة بيلباو في إقليم الباسك. وكان قد أُقيل مؤخرًا من "أول مهمة له كمدرب للفريق الأول في كرة القدم الاحترافية" مع نادي ديبورتيفو ألافيس، الذي كان ينافس حينها في دوري الدرجة الـ3 الإسباني.
وحتى تلك اللحظة، كان قد عمل مدربًا للفئات السنية في نادي أتلتيك بيلباو وإشبيلية. واستمرت تجربته مع ألافيس 4 أشهر فقط، قبل أن تأتي اللحظة الفاصلة في حياته.
يقول دي لا فوينتي لـ"ذا أثلتيك": "لم تكن هناك أي اتصالات تأتي. كنت في موقف صعب، وكان لديّ عائلة يتوجب عليّ رعايتها. كنت أذهب لتناول الفطور في المقهى ذاته يوميًا وأقرأ الصحيفة. قرأت أن الاتحاد الإسباني لكرة القدم يبحث عن مدرب لمنتخب تحت 19 عامًا. في ظروف أخرى، كنت سأقلب الصفحة، لكن في تلك اللحظة، شعرت أنه يتوجب عليّ الاستماع إلى إيماني".
حصل دي لا فوينتي على الوظيفة بعد عدة جولات من المقابلات الشخصية وتدخل باتصال من إيناكي سايز، رئيسه السابق في أكاديمية أتلتيك بيلباو والذي درب إسبانيا في يورو 2004. كان عقدًا مبدئيًا لمدة 3 أشهر يبدأ في مايو 2013، وكان كافيًا فقط لتغطية بطولة أمم أوروبا تحت 19 عامًا التي أقيمت ذلك الصيف في ليتوانيا.

وصلت إسبانيا مع دي لا فوينتي إلى نصف النهائي، قبل أن يخسر أمام منتخب فرنسا الذي كان يضم إيمريك لابورت وأدريان رابيوت.
ومنذ ذلك الحين، يقول دي لا فوينتي إنه "واصل تمديد العقود، سنة تلو الأخرى، وها نحن ذا الآن". حيث تواجه إسبانيا منتخب إنجلترا في افتتاح مباريات الفريقين بلمرحلة المجموعات من دوري الأمم الأوروبية على ملعب ويمبلي اليوم (السبت). وتعد هذه مباراتهم الأولى منذ تغلبهم على الأرجنتين للفوز بكأس العالم 2026 وهي الـ2 في تاريخ البلاد يوم 19 يوليو.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، وافق على تجديد عقده لمدة 6 سنوات جديدة، وهو ما ضاعف راتبه السنوي السابق البالغ 2 مليون يورو بأكثر من ضعف قيمته.
"لقد وُلدت لكي أكون مدربًا للمنتخب الوطني"
يقول دي لا فوينتي، الذي يصف نفسه بأنه كاثوليكي شديد التدين ويصلي كل صباح: "لقد وُلدت لأكون مدربًا للمنتخبات". كما أنه يحب الذهاب إلى الصالة الرياضية، حيث يرفع وزنًا قدره 20 كجم في تمرين التباعد للـ"بايسبس" بيده الواحدة، و"بإمكانه رفع المزيد"، لكنه يقول: "في هذه المرحلة من الحياة، لا داعي للتعرض للإصابة".
كان دي لا فوينتي يلعب في مركز الظهير الأيسر وامتدت مسيرته الكروية لـ 16 عامًا في أندية من بينها أتلتيك بيلباو وإشبيلية قبل اعتزاله عام 1994، وعمل في تدريب الفئات السنية الإقليمية والأندية قبل تلك القفزة الكبيرة مع الاتحاد الإسباني.
وبعد الفشل في التأهل عام 2014، فاز منتخبه تحت 19 عامًا ببطولة أمم أوروبا في عام 2015. ثم انتقل لتدريب منتخب تحت 21 عامًا في عام 2018 وفاز بالبطولة الأوروبية في العام التالي بمشاركة العديد من نجوم الجيل الحالي ثم أحرز فضية أولمبياد طوكيو مع الجيل نفسه بإضافة بعض الأسماء.
تمت ترقية دي لا فوينتي مجددًا ليتولى تدريب المنتخب الإسباني الأول للرجال في ديسمبر 2022، عقب إقالة لويس إنريكي بعد الخسارة أمام المغرب في ثمن نهائي كأس العالم.
لم يكن معظم عالم كرة القدم قد سمع به من قبل. وبحلول يونيو التالي، كانت إسبانيا بطلة لدوري الأمم الأوروبية بعد فوزها على كرواتيا في النهائي.
بداية العمل مع لامين يامال
يقول دي لا فوينتي عن ضمه للامين يامال لأول مرة: "لقد شاهدته في بضع حصص تدريبية هنا مع فئات الشباب (لعب يامال لمنتخبيّ تحت 17 وتحت 19 عامًا لإسبانيا). كنا على دراية كاملة بإمكانياته، وكان هناك الكثير من العمل خلف الكواليس لضمان انضمامه (حيث كان يحق له أيضًا اللعب للمغرب وغينيا الاستوائية عبر والديه).
في بعض الأحيان، يظن الناس أنه إذا قرر لاعب اللعب لمنتخب آخر، فنحن من أخطأنا. الأمر ليس كذلك حقًا. يمكنك اتخاذ جميع الخطوات الصحيحة، ولكن إذا شعر اللاعب بأنه ينتمي لبلد آخر، فلا يمكنك إيقافه. لامين موجود هنا لأنه أراد اللعب لإسبانيا".
سجل يامال هدفًا في تلك المباراة الأولى، التي انتهت بالفوز 7-1 في جورجيا ضمن تصفيات يورو 2024، ليصبح أصغر لاعب يشارك وأصغر هداف في تاريخ إسبانيا بعمر 16 عامًا و57 يومًا.

أسباب تفوق منتخب إسبانيا
هناك أسباب متعددة تجعل إسبانيا دي لا فوينتي قد تطورت لتصبح أفضل فريق في العالم. كان العمل الجماعي، والذكاء التكتيكي، والجودة الفنية من بين أكبر نقاط قوتهم الجماعية في أميركا هذا الصيف. كما ساهم وجود أحد أكثر المواهب إثارة في اللعبة مثل يامال، حتى وإن لم يتألق في كأس العالم بنفس القوة التي ظهر بها في اليورو قبل عاميّن.
يقول دي لا فوينتي: "حتى دون أن يكون في ذروة مستواه الممتاز، قدم يامال أشياء كثيرة للفريق. كأس العالم كانت مفيدة له. لقد جعلت منه لاعبًا، وزميلًا، وشخصًا أفضل. الآن يعلم أنه حتى لو لم يكن متألقًا، يمكنه مساعدة المجموعة أيضًا. هذه قفزة حقيقية في جودة عملية نموه. لا يزال هناك الكثير ليقدمه، لأن لامين يمتلك كل المقومات ليكون لاعبًا عالميًا لسنوات".
ويضيف: "عندما أختار اللاعبين، لا أنظر فقط إلى لاعب كرة القدم، بل أنظر إلى الشخص. أعرف بعض لاعبينا منذ 15 عامًا، وإذا كانوا هنا فهذا لأنهم يناسبون فلسفتنا في تحويل هذا المنتخب إلى عائلة. إذا كنت لا تناسب هذا، فأنت خارج حساباتنا. أستطيع أن أقول لك، الناس لا يعرفون لامين يامال الحقيقي. إنه لاعب جماعي رائع، وزملائه يجدونه دؤوبًا، وهو شخص يجعل التعايش حوله سهلًا للغاية".

وأردف: "حديث الناس عن غروره؟ أنا لا أفهم الدلالة السلبية لكلمة "الغرور/الأنا". جميعنا لدينا "أنا". وطالما تسخر تلك الطموحات نحو الهدف الجماعي للفريق، فإن الأنا تُعد أمرًا رائعًا. كل شخص في هذا الفريق يمتلك العقلية الجماعية".
واختتم قائلًا: "هذا هو السر الحقيقي: اختيار الملف الشخصي المناسب للاعب ثم تكوين عائلة. في يورو 2024، كان بإمكانك رؤية خيسوس نافاس، البالغ من العمر 38 عامًا، يلعب ألعاب الفيديو ويمزح مع لامين. والآن، أويارزابال (29 عاماً) هو لاعب يستمع إليه يامال حقاً ويتطلع إليه".
عقب المباراتين ضد إنجلترا وكرواتيا، تلعب إسبانيا أيضًا ضد جمهورية التشيك (في أوفيدو السبت المقبل) وكرواتيا مجدداً (في سبليت بعد ذلك بـ3 أيام) ضمن مباريات أخرى في دوري الأمم الأوروبية خلال هذه النافذة الدولية.
في حين يمثل دي لا فوينتي حالة الاستقرار والاستمرارية لأبطال العالم، فإن كبار القارة الأوروبية الآخرين؛ فرنسا وألمانيا وهولندا، لديهم مدربون جُدد بعد كأس العالم وهم زين الدين زيدان، ويورغن كلوب، وتشافي هيرنانديز على التوالي.
يقول دي لا فوينتي: "جميعهم مدربون عظماء ولن يواجهوا أي مشاكل، لكنهم سيلاحظون فارقًا كبيرًا عن كرة القدم على مستوى الأندية".

