hamburger
userProfile
scrollTop
رياضة

كرة القدم "الذكية"

الاعتراض على إقحام تقنية VAR في ملاعب كرة القدم بات خلف ظهرنا (رويترز)
الاعتراض على إقحام تقنية VAR في ملاعب كرة القدم بات خلف ظهرنا (رويترز)
verticalLine
fontSize

حان وقت التسليم بأنّ الاعتراض على إقحام تقنية "حكم الفيديو المساعد" (VAR) في ملاعب كرة القدم، بات خلف ظهرنا.

انتقادات من قبيل إن التكنولوجيا انتزعت "الصفة البشرية" من الرياضة الأكثر شعبية، هذه باتت نوعاً من الكلام العاطفي الذي لا يغيّر في المعادلة شيئاً.

الأمر اتَّخذ بُعداً آخر نتيجة هجوم "الذكاء الاصطناعي" الذي ما عاد مجرد عامل مساعِد، بل "العقل المدبر" لمختلف أوجه اللعبة.

هل تبحث عن إبرام صفقة تضمن لك الحصول على لاعب مفيد لمنظومتك؟ هل تودُّ حماية نجومك من الإصابة؟ هل ترغب بوضع خطة تضمن لك الفوز بالألقاب؟ لا مشكلة، اسأل "الذكاء الاصطناعي".

تقرير فوري

خلال المباريات، بات المدرب مؤهلاً لاتخاذ قرارات تكتيكية في "الوقت الفعلي". لم يعد رهن رؤيته من خط التماس. ينبغي عليه شكر "الذكاء الاصطناعي" الذي يقدم له، في استراحة ما بين الشوطين، أيضاً، تقريراً يحلل فيه ثغرات الخصم مِن قَبيل: "لاعب وسط الفريق الخصم يفقد الكرة بنسبة 60% في الدقائق العشرين الأخيرة".

"الذكاء الاصطناعي" يتدخل حتى في صياغة التبديلات والخطط بناءً على أرقام حيّة من شأنها دعم القرارات المصيرية للمدرب.

ولم يعد الأمر يقتصر على سبّورة لشرح الخطة، بل ثمة شاشات عملاقة تُظهر خرائط حرارية وتوقعات مدعومة بـ"الذكاء الاصطناعي" الذي بات له دور حتى في تطوير اللاعبين انطلاقاً من مبدأ أن "التدريب الجماعي لا يكفي"، وأن "كل لاعب يحتاج خطة منفصلة".

بدأت أندية متقدمة باستخدام أنظمة "ذكاء اصطناعي" تحاكي المباراة حتى قبل خوضها. وإن أراد فريق ما مواجهة تشيلسي الإنجليزي، فإن الأنظمة تقوم بمحاكاة المباراة 100 ألف مرة عبر الحاسوب بناءً على أسلوب لعب الـ"بلوز"، لتمنح المدرب خطة تضمن أعلى نسبة فوز.

وبالتعاون بين شركة Google DeepMind ونادي ليفربول الإنجليزي، تم تطوير نظام "ذكاء اصطناعي" مخصص للركلات الركنية والثابتة. يتركز دور النظام في دراسة وتحليل آلاف الركنيات، توقُّع مكان سقوط الكرة بدقة، واقتراح تعديلات على تمركز اللاعبين. اللافت أن اقتراحات "الذكاء الاصطناعي" تفوقت على خطط المدربين بنسبة 90%.

وبالشراكة بين الاتحاد الدولي (فيفا) وشركة "لينوفو"، تم إطلاق رجل آلي متخصص بالدردشة يعتمد لغة تكتيكية موحَّدة وضعها الخبير الفرنسي أرسين فينغر، بحيث يُتاح للمدربين طرح أسئلة مباشرة والحصول على تحليلات تكتيكية معقدة بشكل فوري.

ولا يمكن إغفال استخدام ما يُعرف بـ"نظّارات الواقع الافتراضي" المدعومة بـ"الذكاء الاصطناعي" لتدريب الحراس والمهاجمين على سرعة اتخاذ القرار ومحاكاة ركلات الترجيح وضغط الجماهير في بيئة افتراضية تفاعلية.

العين المجرّدة

باتت مهمة كشّافي الأندية المولجين البحث عن المواهب الصاعدة أسهل بكثير اليوم. فقد توقفوا عن الاعتماد على "العين المجردة" والحدس، واتجهوا نحو مهندسي البيانات ومحللي الخوارزميات الذين يساهمون في صياغة مستقبل الفرق.

هنا يقوم "الذكاء الاصطناعي" بمسح آلاف اللاعبين حول العالم في ثوانٍ. لا يكتفي بإحصاء الأهداف والتمريرات الحاسمة، بل يغوص في التفاصيل، وصولاً إلى كشف كيفية تصرف اللاعب تحت الضغط، ومدى توافقه تكتيكياً مع أسلوب المدرب. خير مثال على ذلك ناديا ليفربول وبرايتون الإنجليزيان اللذان اعتمدا لسنوات على هذا النوع من البيانات لبناء الفريق بأقل التكاليف.

من جهتها، تعتمد أندية مثل تشيلسي وبيرنلي الإنجليزيين أيضاً تطبيقات تحلل مقاطع فيديو للاعبين شباب في قرى ومدن نائية حول العالم، من حيث السرعة، اللمسة الأولى، والتحرك من دون كرة، وتقارنها بقاعدتها من البيانات، وصولاً إلى تصفية المواهب وتوفير ملايين الدولارات على الخزينة.

ودخلت التكنولوجيا سوق الانتقالات والمفاوضات من خلال استنساخ المديرين التنفيذيين لدى أندية الدوري الإنجليزي الممتاز رقمياً عبر "الذكاء الاصطناعي". يتيح ذلك للنادي محاكاة جلسات التفاوض وتوقع ردود أفعال الطرف المقابل، وسقف المبالغ التي قد يطلبها، وذلك قبل دخول المفاوضات الحقيقية.

ليس هذا فحسب، إذ إنّ الخوارزميات قادرة على توقع مدى تأقلم لاعب قادم من الدوري المكسيكي مثلاً مع الأجواء البدنية للدوري الألماني، وذلك قبل دفع يورو واحد.

باتت عملية توقع إصابات اللاعبين قبل حدوثها أمراً شائعاً بين الأندية بفضل التكنولوجيا. أمرٌ من شأنه منع الإصابات وحماية استثمارات الأندية التي تقدر بمئات الملايين من اليوروهات.

كيف يتم ذلك؟ يرتدي اللاعبون سترة مزودة بمستشعرات ومتتبعات ضربات القلب. يقوم "الذكاء الاصطناعي" بتحليل الجهد البدني، ميكانيكية الحركة، جودة النوم، ضربات القلب، الحالة النفسية وغيرها، ليصدر بعدها النظام تنبيهاً للمعد البدني على شاكلة: "اللاعب مهدد بتمزق عضلي بنسبة 60% بحال خوضه تمارين مكثفة".

من خلال السترة، تقوم الخوارزميات بمقارنة البيانات بلحظات إصابة سابقة، وتصبح قادرة على خفض احتمالية التعرض للإصابات العضلية بنسبة 30 في المئة.

أطراف اللاعب

على مستوى التحكيم، تم تطوير تقنية التسلل شبه الآلي لتعمل بنماذج ثلاثية الأبعاد. هنا يقوم "الذكاء الاصطناعي" بمسح أطراف اللاعب بدقة ويتتبع حركته 500 مرة في الثانية، ما يسمح باتخاذ قرارات التسلل الصعبة في ثوانٍ وعرضها على التلفزيون.

من جهة أخرى، جرى تزويد الحكام بكاميرات، كما في مونديال 2026، حيث يقوم "الذكاء الاصطناعي" بتثبيت الصورة وإزالة التشويش والاهتزاز الناتج عن حركة "قاضي المباراة" بهدف منح المشاهد خلف الشاشة تجربة رؤية المباراة من عين الحكم بجودة فائقة.

صحيح أن مشوار المنتخب الأرجنتيني في المونديال الأخير قوبل بكثير من الانتقاد، إلا أن كثيرين سألوا عن سر بلوغه النهائي. تعددت الإجابات، لكن ما بقي مجهولاً من كثيرين أنّ تعاوناً حصل بين الاتحاد المحلي ومنصة Google Gemini الذكية، واحدة من أبرز النماذج الحيّة على دمج التكنولوجيا المتطورة بالرياضة المحترفة.

لم يقتصر التعاون على الجانب التسويقي ووضع الشعار على قمصان التدريبات فحسب، بل امتد إلى عمق العمل الفني والتكتيكي.

فقد اعتمد الجهاز الفني لـ"راقصي التانغو" نماذج جيميناي" المتقدمة في دراسة البيانات المعقدة التي تتيح له التحليل اللحظي مثل معالجة الإحصائيات، كشف نقاط قوة وضعف المنافس بشكل فوي أثناء اللقاء بهدف اتخاذ القرارات التكتيكية سريعاً، تفكيك أسلوب اللعب عبر إعادة قراءة الكرات الثابتة وتمركز اللاعبين، توقع السيناريوهات المفترضة، فضلاً عن تفادي الإصابات.

أمام كل ذلك، يفرض سؤال نفسه بقوة: هل تفقد كرة القدم "روحها وهويتها" بحسب ما يخشاه عدد كبير من المدربين والجماهير؟

المستقبل هو اليوم، واليوم يستوجب تأقلماً كاملاً مع كل جديد في عالم كرة القدم التي لم تعد مجرد 22 لاعباً يركضون خلف كرة.

الغلبة ستكون لمن يملك البيانات الأفضل ولمن يقتنع بأن كرة القدم تحولت صناعة تقنية بالمقام الأول.

السباق انطلق من فترة. سباقٌ يُخاض بسلاح "الذكاء"، وإن كان "اصطناعياً".