تحولت رحلة الحارس فوزينيا، أو جوزيمار جوزيه إيفورا دياس، إلى واحدة من أكثر القصص لفتًا للانتباه على هامش حفل الكرة الذهبية 2026، بعدما وصل صاحب الـ40 عامًا إلى لندن في اللحظات الأخيرة ليحضر الحفل مرشحًا لجائزة ياشين لأفضل حارس مرمى في العالم، بعد مسيرة طويلة لم تكن توحي بأن نهايتها ستقوده إلى هذا المشهد.
وُلد فوزينيا في مدينة مينديلو الصغيرة بجزيرة ساو فيسنتي في كاب فيردي، وخاض مسيرة متأخرة نسبيًا تنقل خلالها بين أنغولا ومولدوفا والبرتغال وقبرص وسلوفاكيا، قبل أن يصل أخيرًا إلى تشيلي مع كولو كولو.
لكن ترشيحه لجائزة ياشين لم يأتِ بسبب مستواه مع الأندية، إذ توزعت مشاركاته بين ظهور محدود مع تشافيس في الدرجة الـ2 البرتغالية، وبداية غلب عليها الطابع الاحتياطي مع كولو كولو، بل جاء التكريم نتيجة ما قدمه في كأس العالم 2026.
المونديال غيّر كل شيء
ظهر فوزينيا للمرة الأولى في كأس العالم وهو في سن الـ40، لكنه تحول سريعًا إلى أحد أبرز وجوه البطولة، بعدما حافظ على شباكه أمام إسبانيا، التي توجت لاحقًا باللقب، خلال المباراة الافتتاحية لكاب فيردي.
وعاد الحارس المخضرم ليلعب دورًا بارزًا أمام الأرجنتين، التي وصلت لاحقًا إلى المباراة النهائية، في دور الـ32، بعدما تصدى لأكثر من محاولة خطيرة، من بينها فرص للنجم ليونيل ميسي، قبل أن تنتهي مغامرة منتخب بلاده بعد مباراة امتدت إلى وقت إضافي.
وأدت تلك العروض إلى تحول كبير في شعبية الحارس، إذ ارتفع عدد متابعيه على "إنستغرام" من 56 ألفًا إلى 27.7 مليون متابع، كما اختاره المشجعون حارسًا أساسيًا في التشكيل المثالي لـ"فيفا".

ويحمل فوزينيا لقبًا يعني باللغة البرتغالية "الجدة"، لكنه أصبح خلال البطولة رمزًا لجمهور واسع رأى في قصته نموذجًا للاعب انتظر طويلًا قبل أن يحصل على فرصته الكبرى.
وقال باكيًا بعد تألقه أمام إسبانيا: "هذا الأداء هو أداء من أجل الجميع".
رحلة شاقة إلى لندن
قبل حفل الكرة الذهبية بيوم واحد، خاض فوزينيا مباراة كان من المتوقع أن يغيب عنها من أجل السفر إلى لندن، لكنه حصل أخيرًا على فرصة المشاركة في الدوري مع كولو كولو، بعد أن عانى في المنافسة مع حارس شاب على المركز الأساسي.
وتعادل فريقه مع بالستينو 1-1، لكن فوزينيا قدم مباراة قوية وتصدى لـ3 فرص بارزة، قبل أن يغادر سريعًا إلى مطار سانتياغو لبدء رحلة طويلة نحو لندن.
رافقه رئيس النادي أنيبال موسا، وسافر أولًا إلى مدريد، قبل استقلال طائرة خاصة لإكمال الرحلة، التي بدأت مرحلتها الأخيرة قبل نحو 6 ساعات فقط من انطلاق حفل الكرة الذهبية.

وكانت بدلته الرسمية تنتظره معلقة داخل الطائرة، ليرتديها سريعًا فور اقترابه من الوصول، قبل أن يشق طريقه وسط ازدحام شوارع لندن وحشود مسرح "بالاديوم".
وحرص فوزينيا عند وصوله على توقيع عدد كبير من التذكارات للجماهير، كما طلب التقاط صور مع لامين يامال نجم برشلونة والمدرب المخضرم فابيو كابيلو، في مشاهد ظهر خلالها أقرب إلى مشجع يعيش لحظة استثنائية منه إلى لاعب ينافس على إحدى جوائز الحفل.
الشهرة لم تكن كلها مكاسب
رغم التحول الكبير الذي شهدته حياته بعد كأس العالم، كشف فوزينيا أن الشهرة المفاجئة لم تكن سهلة بالنسبة له.
وقال في مقابلة حديثة مع صحيفة "ذا أوبزرفر": "الكثير من الناس يريدون أن يصبحوا مشهورين وأن يمتلكوا حضورًا عامًا، لكنهم يرون فقط الجانب الإيجابي من هذا الواقع".
وأضاف: "بصراحة، لو خُيرت بين الحياة التي أعيشها اليوم والحياة التي كنت أعيشها من قبل، لاخترت حياتي السابقة".
وجاءت هذه الكلمات في وقت لم تستمر فيه عروضه المميزة بصورة منتظمة بعد المونديال، إذ تعرض منتخب كاب فيردي لخسارتين في تصفيات كأس أمم إفريقيا خلال سبتمبر.

وارتكب فوزينيا خطأ واضحًا خلال الخسارة 3-1 أمام مالي، كما لم ينجح في التصدي لأي من التسديدتين اللتين واجههما أمام رواندا خلال الهزيمة 2-1.
وكان قد قال بعد وصوله إلى كولو كولو: "رغم أنني لعبت في دوريات أصغر ومع أندية لم تكن من العمالقة، كنت دائمًا أقول لنفسي في داخلي إنني لاعب أندية كبيرة".
مسيرة بدأت بعيدًا عن الأضواء
لم تكن مسيرة فوزينيا نموذجية لحارس يصل إلى قائمة الأفضل في العالم، وهو ما جعل ترشيحه يحمل قيمة مختلفة عن بقية المنافسين.
وكان فيتور مارتينز، مدربه السابق في تشافيس، قد تحدث عنه عند رحيله عن البرتغال قبل كأس العالم، وقال: "إنه يعيش لحظة محددة جدًا في مسيرته، ولحظة فريدة في حياته، ربما اعتقد في وقت ما أنها مستحيلة، وهو يستعد لخوض كأس العالم في سن الـ40".
وأضاف: "كان محترفًا مثاليًا حتى النهاية".
ورغم أن العرض المصور الخاص بمرشحي جائزة ياشين خلال الحفل انتهى قبل ظهور اسم فوزينيا، فإن وجوده بين المرشحين ظل اعترافًا بما قدمه خلال البطولة.
وكان يدرك أيضًا أن فرصه في الصعود إلى المنصة محدودة، إذ جلس في الصف الثاني بعيدًا عن الممر المؤدي إلى المسرح، وسط أسماء بارزة في عالم حراسة المرمى، من بينها ديفيد رايا وأوناي سيمون.

ليلة واحدة بين عمالقة اللعبة
لم يفز فوزينيا بجائزة ياشين، ولم تتحول تجربته الاستثنائية في كأس العالم إلى ضمان لمسيرة جديدة في مستوى الأندية الكبرى، لكنه نجح في الوصول إلى مكان لم يكن متوقعًا أن يبلغه خلال معظم سنوات مسيرته.
وفي نهاية الحفل، ظل واقفًا للحظات في الممر، ينظر إلى ثريات مسرح "بالاديوم"، بعد رحلة بدأت من سانتياغو ووصلت إلى لندن، لكنها في الحقيقة امتدت عبر سنوات طويلة من التنقل بين ملاعب ودوريات بعيدة عن الأضواء.
وبينما امتلك لاعبون مثل هاري كين وكيليان مبابي ولامين يامال مسيرات مليئة بالنجاحات على أعلى مستوى، حمل وجود فوزينيا معنى مختلفًا، إذ مثّل لاعبًا عرف طويلًا شعور الابتعاد عن القمة، قبل أن يحصل أخيرًا على فرصة للوقوف إلى جوار نخبة اللعبة.
ولليلة واحدة على الأقل، أصبح الحارس القادم من كاب فيردي واحدًا من الأسماء الموجودة بين كبار كرة القدم العالمية، بعد مونديال فتح أمامه بابًا لم يكن يتوقع أن يصل إليه في عامه الـ40.


