في الظروف الطبيعية، يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 30 ألف سفينة سنوياً، ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي من الطاقة. لكن مع بداية الحرب الأميركية مع إيران، تراجعت حركة الملاحة بأكثر من 95%، ليتحول أحد أهم شرايين الطاقة في العالم إلى ممر شبه متوقف.
قرصنة إيران للممر المائي الدولي أدى إلى خروج ما يقرب من 600 مليون برميل نفط من سوق الطاقة العالمي خلال الأيام الـ50 الماضية، وفق ما أعلنه وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات د. سلطان أحمد الجابر، مع تزايد الضغط على إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ووقود الطائرات، والأسمدة، وغيرها من الموارد الأساسية للاقتصاد والمعيشة عالمياً.
فكل برميل مفقود لا يُترجم فقط إلى أرقام في تقارير الطاقة، بل يرفع فواتير الكهرباء والبنزين والغذاء على ملايين الأسر العادية في كل قارة. لكن، كيف يمكن لممر يحتل المركز الخامس في قائمة أكثر الممرات المائية ازدحاماً أن يسبب صدمة اقتصادية أعمق من معظم الممرات في العالم؟.
قيمة اقتصادية عالمية
في ظل تصاعد المخاوف من اضطراب تدفقات الطاقة العالمية، تتزايد التحذيرات من التداعيات الاقتصادية المباشرة لإغلاق المضيق، مع انعكاسات تمتد سريعاً إلى معدلات التضخم والأسعار، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيداً.
يقول الخبير الاقتصادي أحمد المعطي إن "إجمالي التأثير اليومي لإغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار، ما يشكّل تحدّياً كبيراً".
ويشدد المعطي على أن "استمرار الأزمة أو تكرار إغلاق المضيق سيؤدي إلى استمرار ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، مع إمكانية زيادة إضافية في الأسعار تصل إلى نحو 3%".
بدوره، يشرح المحلل الاقتصادي الإماراتي نايل الجوابرة، في حديث لـ"المشهد" أنه "في عالم يعتمد على التدفق المستمر للطاقة، لا يمثل إغلاق مضيق هرمز مجرد حادث جيوسياسي عابر، بل صدمة اقتصادية تضرب قلب النظام العالمي، من ممر تعبره عشرات الآلاف من السفن سنويا إلى نقطة اختناق مغلقة بالكامل، تتكشف واحدة من أخطر السيناريوهات التي يمكن أن تواجه الاقتصاد العالمي في 2026".
كمية أقل لكن القيمة أعلى
رغم أن مضيق هرمز يشهد مرور نحو 30 ألف سفينة سنوياً فقط (أي أقل بكثير من مضيق ملقا الذي يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي مثلاً)، فإنه الأهم اقتصادياً. فوفقاً لوكالة الطاقة الدولية (IEA) وإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، يمر عبر هرمز يومياً نحو 20-21 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية، أي ما يعادل 20-25% من تجارة النفط البحرية العالمية، بالإضافة إلى نحو 19% من الغاز الطبيعي المسال.
المضيق يعتبر المنفذ البحري الوحيد لصادرات النفط من دول الخليج الرئيسية (السعودية، الإمارات، العراق، الكويت وقطر والبحرين)، بينما تنقل الممرات الأكثر ازدحاماً بضائع متنوعة يمكن استبدالها أو توجيهها عبر طرق بديلة، فإن أي تعطل في هرمز يؤثر مباشرة وبسرعة على أسعار الطاقة العالمية، تكاليف النقل، والتضخم، وبالتالي الكمية أقل، لكن القيمة أكثر.
ويلفت الجوابرة قائلا: "رغم أن مضيق هرمز لا يتصدر قائمة أكثر الممرات ازدحاما مقارنة بقناة السويس أو مضيق ملقا، فإنه الأكثر تأثيرا من الناحية الاقتصادية، والسبب بسيط لكنه حاسم لنوعية ما يمر عبره فبينما تنقل الممرات الأخرى بضائع يمكن إعادة توجيهها أو تأجيلها، يمر عبر هرمز مورد لا يمكن الاستغناء عنه على المدى القصير، ومع غياب بدائل فورية بنفس الكفاءة، يصبح أي تعطل فيه بمثابة صدمة عرض مباشرة للاقتصاد العالمي".
ويحذر الجوابرة من أن "استمرار الإغلاق لأشهر عدة سيفجّر موجة تضخمية عالمية جديدة تتراوح بين 2% إلى 4% إضافية، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة والنقل، في المقابل سيتباطأ النمو الاقتصادي العالمي بما يصل إلى 1% و1.5%، مع تزايد الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة".
هذا السيناريو وفق الجوابرة يضع البنوك المركزية في موقف معقد لناحية المفاضلة بين مكافحة التضخم عبر رفع الفائدة، أو دعم النمو في ظل تباطؤ اقتصادي، لتكون النتيجة المرجحة إطالة أمد السياسات النقدية المشددة مما يزيد من الضغط على الأسواق المالية".
الخسائر الاقتصادية بين الأمس واليوم
يختلف الإغلاق الحالي لمضيق هرمز في 2026 جذرياً عن "حرب الناقلات" خلال الحرب الإيرانية-العراقية، فبحسب تقارير اقتصادية، في الثمانينيات، لم يؤدِ الهجوم على أكثر من 400 سفينة إلى إغلاق المضيق فعلياً؛ إذ لم يتجاوز التعطل 1-2% من حركة الملاحة، واستمر تدفق النفط مع ارتفاع محدود في الأسعار (لم يتجاوز 11% في الأشهر الأولى). أما اليوم، فقد أدى الإغلاق الفعلي إلى تعطل يومي يقدر بنحو 8-11 مليون برميل من النفط، وهو أكبر صدمة عرض في تاريخ أسواق الطاقة الحديثة حسب وكالة الطاقة الدولية.
وبهذا فإن السبب الرئيسي في الاختلاف يكمن في درجة التعطل: الثمانينيات شهدت اضطراباً جزئياً مع وجود مرونة أكبر في السوق العالمية، بينما أزمة 2026 تمثل تعطلاً شبه كامل لأحد أهم شرايين الطاقة العالمية، مما يهدد بتضخم أعلى وركود محتمل أسرع.
وفي مقارنة تاريخية، أشار المعطي إلى أن تأثير الأزمة الحالية يختلف عن حرب الحرب الإيرانية العراقية، موضحا أن الاقتصاد العالمي آنذاك كان أقل اعتمادا على الطاقة، بينما اليوم أصبح الاعتماد على النفط وسلاسل الإمداد والشحن والتأمين أكبر بكثير، ما يجعل تأثير أي أزمة أكثر سرعة واتساعًا.
مضيفاً أن انتقال الأزمة في الوقت الحالي يحدث بشكل فوري على أسواق النفط والأسهم والعملات والسندات الاستثمارية، على عكس ما كان يحدث في السابق حيث كان التأثير يمتد على مدى أسابيع أو أشهر.
ويؤيد هذا الرأي الجوابرة شارحاً أنه "خلال حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي ورغم استهداف السفن لم يتوقف تدفق النفط بالكامل، أما اليوم فالوضع مختلف جذريا، فالاقتصاد العالمي في 2026 أكثر ترابطاً وتعقيداً، ويعتمد على سلاسل إمداد فورية مما يجعله أقل قدرة على امتصاص الصدمات، إضافة إلى ذلك تلعب الأسواق المالية اليوم دورا مضاعفا في نقل الصدمة بسرعة، عبر التداولات الخوارزمية وردود الفعل الفورية، بمعنى آخر عندما كانت أزمة إقليمية في الثمانينيات، قد يتحول اليوم إلى أزمة نظامية عالمية".
حلول إستراتيجية طويلة الأمد
في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية وتعقّد مشهد الطاقة العالمي، تتجه الدول والشركات إلى تبني حلول إستراتيجية طويلة الأمد للحد من المخاطر المرتبطة بنقاط الاختناق الحيوية. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال عاجزة عن توفير استجابة فورية لأي صدمات مفاجئة قد تهز استقرار الإمدادات العالمية.
ويرى الجوابرة أنه رغم خطورة المشهد الحالي تعمل الدول والشركات على تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الإستراتيجية. ملخّصاً أبرز هذه الحلول بـ :
- تطوير خطوط أنابيب بديلة لتجاوز المضيق.
- تعزيز المخزونات الإستراتيجية من النفط.
- تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
- إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية.
- تعزيز التعاون الدولي لحماية الممرات البحرية.
في عالم يعتمد على التدفق الحر للتجارة والطاقة لا ينظر إلى إغلاق مضيق هرمز في 2026 كمجرد أزمة إقليمية أو جيوسياسية عابرة. إلى جانب خسارة مئات الملايين من البراميل، وإطلاق موجة تضخمية عالمية وإبطاء عجلة النمو الاقتصادي، ورفع فواتير المعيشة على ملايين الأسر في كل قارة، يمثل استخدام الممرات الدولية كسلاح لتحقيق أهداف جيوسياسية خطيرة على القانون، حينما تتحول هذه الطرق من ممرات سلام وازدهار، إلى أدوات حرب، مما يهدد بانهيار الاستقرار العالمي برمته.
إن تمكن دولة واحدة من انتهاك القانون الدولي وإغلاق ممر حيوي دون مساءلة، يفتح الباب أمام سلوك مماثل من أطراف أخرى، بما يهدد بتحويل النظام البحري العالمي، الذي ينقل نحو 80% من التجارة الدولية، من شبكة مفتوحة إلى رهينة للتجاذبات الجيوسياسية. وهذا ما أشار إليه د. سلطان الجابر حين دعا إلى "تسمية الأمور بأسمائها"، واصفاً "الدفع مقابل المرور الآمن بالابتزاز".
وبهذا وفقا لمراقبين، فإن قرصنة الممر لا تنتهي عند الإغلاق، وإنما تثير ردود فعل عسكرية دولية، وتدخل حلفاء وخصوماً في دائرة التصعيد. ليتحول ما بدأ كأزمة إقليمية إلى مواجهة عالمية.