تهدد العواصف القاتلة التي اجتاحت تشيلي، بتعميق أزمة إمدادات النحاس العالمية ودفع أسعاره إلى مستويات قياسية جديدة، في وقت تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين على تأمين احتياجاتهما من المعدن الضروري، لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية، بحسب تقرير نشرته "CNBC".
رغم أن توقف عمليات التعدين لا يزال محدودًا، فإن الاضطرابات ضربت سوقًا تعاني بالفعل نقص المعروض، وعدم اليقين المرتبط بالرسوم الأميركية، وتراجع توافر خردة النحاس في الصين، بالتزامن مع تسارع الطلب على المعدن المكرر.
مناجم تحتاج أسابيع لاستئناف العمل
اجتاحت الثلوج الكثيفة والسيول المفاجئة والرياح القوية تشيلي خلال الأسبوع الماضي، ما أسفر عن مقتل 13 شخصًا وتعطيل عمليات تديرها شركات تعدين كبرى، من بينها أنغلو أميركان وأنتوفاغاستا ولوندين مايننغ وشركة كوديلكو الحكومية.
وأوقفت شركة أنتوفاغاستا التشيلية، المدرجة في بورصة لندن، عمليات التعدين والمعالجة في منجم لوس بيلامبريس، بينما أخلت شركة باريك موظفيها بسبب الظروف الجوية القاسية.
قالت شركة لوندين مايننغ، إن إعادة تشغيل منجم كاسيرونيس في منطقة أتاكاما شمالي تشيلي قد تستغرق ما بين أسبوعين وثلاثة أسابيع.
وتضررت خطوط الكهرباء التي تغذي المنجم بفعل تساقط الثلوج بكثافة، ما دفع الشركة التي يقع مقرها في فانكوفر إلى تعليق العمليات منذ 18 يوليو.
كما أثرت الأمطار في منجم كانديلاريا التابع للشركة، لكنه واصل العمل بالاعتماد على مخزونات الخام المتاحة قبل أن يعود لاحقًا إلى طاقته التشغيلية الكاملة.
أزمة إمدادات عالمية تدعم النحاس
شهدت أسعار النحاس ارتفاعات قوية خلال السنوات الأخيرة، وسجل المعدن مستوى قياسيًا عند 6.70 دولارات للرطل، بما يعادل 13.643 ألف دولار للطن المتري، في 2 يونيو، مع تصاعد المخاوف من نقص الإمدادات العالمية.
وحذر محللون، من أن استمرار تراجع إنتاج تشيلي بسبب العواصف الشتوية قد يفرض ضغوطًا صعودية إضافية على الأسعار.
وقالت محللة استراتيجيات السلع لدى آي إن جي إيوا مانثي، إن العواصف وحدها لن تكون كافية على الأرجح لإحداث تحول جذري في سوق النحاس، لكنها تعزز الاتجاه الأوسع المتمثل في عجز الإمدادات عن مواكبة الطلب.
وأضافت: "في ظل معاناة السوق بالفعل من اضطرابات الإمدادات وعدم اليقين بشأن الرسوم ونقص توافر مركزات النحاس، فإن أي توقف طويل للعمليات بسبب الطقس في تشيلي قد يوفر دعمًا إضافيًا للأسعار".
الرسوم الأميركية وخردة الصين
قالت كبيرة محللي الطلب على المعادن في ستون إكس ناتالي سكوت-غراي، إن عدم اليقين بشأن احتمال فرض الولايات المتحدة رسومًا بموجب القسم 232، إلى جانب القيود الصينية على توافر خردة النحاس، أديا إلى تشديد الإمدادات العالمية خلال العام الجاري.
وأشارت إلى أن تشيلي خفضت توقعاتها لإنتاج النحاس خلال العام الجاري بنسبة 2% إلى 5.3 ملايين طن.
وأضافت أن العواصف تزيد مخاطر إمدادات التعدين في تشيلي، التي تتجه بحسب توقعاتها إلى تسجيل العام الثاني على التوالي من انخفاض الإنتاج.
ووصفت تأثير العواصف في شركات التعدين الكبرى بأنه "مؤقت ومحدود"، في ظل خطط الطوارئ التي تسمح لهذه الشركات باحتواء الأضرار، بينما قد تكون الشركات الأصغر أكثر عرضة للضرر بسبب محدودية مرونتها التشغيلية.
وتتركز حاليًا نحو 64% من المخزونات العالمية المرئية للنحاس في الولايات المتحدة، بعدما أدت مخاوف الرسوم وعمليات التخزين الاستراتيجي والمراجحة السعرية في السوقين الأميركية والصينية إلى سحب الإمدادات من أسواق أخرى.
قال الرئيس التنفيذي لشركة أنغلو أميركان دنكان وانبلاد، إن الشركة متفائلة جدًا بالأسس التي تحكم سوق النحاس، مؤكدًا أنها أعادت تشكيل أعمالها للتركيز على المعدن.
وسجلت أرباح أنغلو أميركان قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك ارتفاعًا بنسبة 35% إلى أربعة مليارات دولار خلال النصف الأول من العام، بدعم من الأسعار المواتية للنحاس.
وأضاف وانبلاد، أن أنغلو أميركان أصبحت شركة تعدين يقود النحاس أعمالها، وتستند إلى مجموعة من أفضل أصول التعدين في العالم.
ظاهرة النينيو تضيف مخاطر جديدة
كان محللو السلع قد حذروا من التأثير الكبير لظاهرة النينيو، التي جاءت أقوى من المعتاد خلال العام الجاري، في أسواق المواد الخام، ومن بينها النحاس، في ظل احتمالات تعرض عمليات التعدين للفيضانات أو الجفاف.
وقال مدير محفظة الموارد الطبيعية لدى ناينتي وان لإدارة الأصول جورج تشيفلي، إن العواصف تكون قصيرة الأجل بطبيعتها، ما لم تتسبب في أضرار جسيمة للبنية التحتية.
وأضاف أن الجفاف قد يترك آثارًا أطول في توافر المياه والكهرباء، خصوصًا الطاقة الكهرومائية، لكن معظم المناجم لديها خطط طوارئ تسمح بتخفيف جزء من هذه التأثيرات.
ورأى تشيفلي أن التكهنات المرتبطة بالتغييرات المحتملة في الرسوم الأميركية لا تزال المحرك الرئيسي لتحركات الأسعار، وليس الطلب الفعلي وحده.
هل يسجل النحاس قمة تاريخية جديدة؟
قالت كبيرة محللي الطلب على المعادن في ستون إكس ناتالي سكوت-غراي، إن مخزونات بورصة لندن للمعادن وبورصة شنغهاي للعقود الآجلة تقل عن متوسطاتها المسجلة خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعكس نقصًا فعليًا في المعروض المادي.
ومع تداول عقود النحاس لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن قرب 13.7ألف دولارًا للطن، رجحت سكوت-غراي إمكانية تسجيل المعدن مستوى قياسيًا جديدًا خلال العام الجاري.
وأضافت أن صافي مراكز الشراء للمضاربين أصبح مهيمنًا في جميع البورصات الرئيسية، ما يعزز فرص امتداد موجة صعود الأسعار.
وتوقعت تراجع مشتريات الصين خلال أغسطس، ما قد يبطئ تدفق النحاس إلى البلاد ويحد من عمليات سحب المخزونات من بورصة لندن للمعادن، بينما يظل القرار الأميركي بشأن الرسوم أحد أكبر عوامل الغموض التي تواجه السوق.


