على مدار أكثر من 4 عقود، يتعرض النظام الإيراني لعقوبات اقتصادية، إلا أنّ العقوبات الأخيرة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة، وطالت كيانات اقتصادية في دول عدة تتعامل مع إيران كان لها تأثيرات على الاقتصاد، وهنا يبرز سؤال مهم مع استمرار هذا الضغط القوي على الاقتصاد والحصار الاقتصادي القوي، هل يكون الضغط الاقتصادي الورقة التي تقسم ظهر إيران في هذه الحرب.
العقوبات الأميركية
العقوبات الأميركية الحالية في واحدة من أشد مراحل الضغط الاقتصادي التي شهدتها منذ الثورة، وسط انهيار متسارع لعملتها المحلية"الريال"، وتضخم يعصف بالقدرة الشرائية للمواطنين، فيما يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن يدفع هذا الخنق الاقتصادي الشارع الإيراني إلى التحرك من الداخل.
وتقول الدكتورة نسمة عبد النبي، أستاذة الدراسات الإيرانية والباحثة في وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، إنّ العقوبات الأميركية الأخيرة هي الأقسى على طهران منذ أكثر من 47 عاما، إلا أنّ إيران لا تزال تعتمد على ما يُعرف بـ"اقتصاد الظل، وهو شبكة معقدة من القنوات السرية لإخفاء الأنشطة المالية والتجارية عن الرصد الدولي.
وأضافت في حديث مطول مع منصة المشهد، أنّ هذه الشبكة تشمل قطاع الطاقة والتحويلات المصرفية المشفرة والأصول الرقمية وشركات الواجهة، وتشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي عبر مؤسسات عسكرية ودينية.
وأوضحت "عبد النبي"، أنّ الحرس الثوري الإيراني يعتمد بشكل كبير على هذا الاقتصاد الموازي، ما يمنح طهران هامشا للالتفاف على العقوبات، إضافة إلى التفافها على الحصار البحري عبر التصدير من شمال شرق البلاد مرورا ببحر قزوين أو عبر الطرق البرية.
تضخم قياسي وانهيار للعملة
في المقابل، تصف الباحثة الوضع الداخلي بأنه "أزمة اقتصادية خانقة"، إذ لم تعد العقوبات الأخيرة تستهدف الاقتصاد الإيراني فقط، بل امتدت إلى البنية التحتية والمؤسسات التجارية والمصرفية المرتبطة به، في تطبيق لما تسميه "نظرية المنبوذ الاقتصادي" التي تبنتها إدارة ترامب، ما دفع مؤسسات ودولا عديدة إلى التخوف من التعامل مع الاقتصاد الإيراني.
وبحسب "عبد النبي"، وصل معدل التضخم في إيران إلى نحو 88%، فيما انهار الريال الإيراني ليصل إلى نحو 2.2 مليون ريال مقابل الدولار الأميركي، مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية بأكثر من 130%.
وتتقاطع هذه الأرقام مع بيانات رسمية ودولية حديثة، فقد أعلن المركز الإحصائي الإيراني، أنّ التضخم السنوي بلغ 69.9 % حتى 22 أغسطس 2026، بينما رصدت وكالة رويترز هبوط الريال إلى مستوى قياسي متجاوزا 2.2 مليون ريال للدولار الواحد.
كما توقع صندوق النقد الدولي في وقت سابق من العام، أن يقترب معدل التضخم من 69% مع انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 6.1% خلال 2026، في ظل اضطرابات طالت قطاعات الطاقة والنقل والتجارة، خصوصا حول مضيق هرمز.
وترى الباحثة أنّ الرئيس الأميركي ترامب يراهن على إصابة الاقتصاد الإيراني بحالة "خنق وشلل تام"، تدفع المواطن الإيراني إلى النزول للشارع، للاحتجاجات، أملا في إسقاط النظام من الداخل، بعدما عجزت واشنطن — بحسب تعبيرها — عن تحقيق ذلك عبر سيناريوهات استهداف المرشد والقيادات العليا.
أوراق ضغط أميركية إضافية
وحول أدوات الضغط المتاحة أمام واشنطن، تؤكد عبد النبي، أنّ لدى الإدارة الأميركية أوراقا إضافية، أبرزها توسيع وزارة الخزانة الأميركية عقوباتها، لتشمل عددا أكبر من البنوك الإيرانية، عطفا على العقوبات التي استهدفت العملات المشفرة والأصول الرقمية.
وتشير الباحثة إلى عودة سيناريو التصعيد العسكري عبر ضربات تستهدف العمق الإيراني والبنية التحتية، وربما محاولة السيطرة على الجزر المحيطة بمضيق هرمز لتأمين الملاحة الأميركية، خصوصا في ظل تصعيد "الحوثيين" في مضيق باب المندب، وهو ما قد يدفع ترامب لمواجهة الملف الإيراني بمسارين متوازيين: عسكري وسياسي.



