تزايدت الضغوط المناخية غير المواتية على مستوى العالم ككل خلال العام الجاري، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، لتنعكس سلبياً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
وتشير إلى أخطار متلاحقة تنتظر البشرية خلال السنوات المقبلة بفعل التغير المناخي والاحتباس الحراري.
ومنذ سنوات تُنادي منظمات ومؤسسات دولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، بأهمية اتجاه البلدان إلى الاقتصاد الأخضر لما له انعكاسات مباشرة وإيجابية، وذلك في سبيل الحد من التغيرات المناخية التي تهدد مستقبل الأجيال المقبلة.
في هذا التقرير تستعرض منصة "المشهد" كل الجوانب المرتبطة بالاقتصاد الأخضر وأهمية الانتقال إليه، ودوره في دعم أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
متى ظهر مصطلح الاقتصاد الأخضر؟
طُرح مصطلح الاقتصاد الأخضر لأول مرة في كتاب نشر في العام 1989، بعنوان: "مخطط للاقتصاد الأخضر"، من إعداد خبراء الاقتصاد والبيئة "إدوارد باربييه"، و"أنيل ماركانديا"، وتحت إشراف مركز الاقتصاد البيئي في لندن الذي تأسس في إطار مشروع مشترك في عام 1988، من قبل المعهد الدولي للبيئة والتنمية (IIED) وقسم الاقتصاد في كلية لندن الجامعية.
وأتى طرح مفهوم "الاقتصاد الأخضر" بأشكاله المختلفة في إطار السعي إلى إيجاد سبل فعالة لإخراج البلدان من الأزمات الاقتصادية مع مراعاة الأبعاد البيئية، وكوسيلة لتحفيز وتجديد تطوير السياسات الوطنية والتعاون الدولي ودعم التنمية المستدامة.
ويوضح كتاب "مخطط للاقتصاد الأخضر" الطرق التي يمكن من خلالها تحديد تكلفة العناصر الموجودة في بيئتنا والمهددة من العديد من أشكال التلوث. ويمضي الكتاب في إظهار الطرق التي تُمكن الحكومات من إنشاء أنظمة ضريبية من شأنها أن تقلل التلوث، من خلال جعل المشروعات الملوثة للبيئة مكلفة للغاية، وفي نفس الوقت تدُر إيرادات لإزالة الكثير من الضرر الناتج عنها.
وحظي مفهوم الاقتصاد الأخضر، باهتمام دولي كبير في مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2012 "ريو+20"، وذلك باعتباره أداة لمعالجة تبعات الأزمات الاقتصادية المتلاحقة.
واتفقت الحكومات في مؤتمر "ريو+20" على اعتبار الاقتصاد الأخضر أداة هامة للتنمية المستدامة؛ وهو أداة شاملة للجميع ويمكن أن تدفع النمو الاقتصادي وتوفر المزيد من فرص العمل وتقضي على الفقر، مع الحفاظ على الأداء الصحي للنظم الإيكولوجية للأرض.
وأشارت الوثيقة الختامية لـ"ريو+20"، إلى أن بناء القدرات وتبادل المعلومات وتبادل الخبرات ستكون عوامل حاسمة في تنفيذ سياسات الاقتصاد الأخضر.
وأدى الاتفاق العالمي نحو الاقتصاد الأخضر إلى توسع سريع في الأدبيات المنشورة، بما في ذلك إصدارات جديدة لدراسة أثار الاقتصاد الأخضر من جانب مجموعة متنوعة من المنظمات الدولية المؤثرة والحكومات الوطنية ومراكز الفكر والخبراء والمنظمات غير الحكومية.
تعريف الاقتصاد الأخضر
يُعرف برنامج الأمم المتحدة للبيئة الاقتصاد الأخضر على أنه الاقتصاد الذي ينتج عنه تحسن في رفاهية الإنسان والمساواة الاجتماعية، في حين يقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية وندرة الموارد الإيكولوجية.
ويعد التعريف الذي طرحه برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الأكثر قبولا بين التعريفات المطروحة الأخرى، خصوصا مع النظر إلى الاقتصاد الأخضر في أبسط صورة، للمساعدة في تقليل الانبعاثات الكربونية وزيادة كفاءة استخدام الموارد بما يستوعب جميع الفئات الاجتماعية.
وفي الاقتصاد الأخضر يجب أن يكون النمو في الدخل وفرص العمل مدفوعا من جانب الاستثمارات العامة والخاصة التي تقلل انبعاثات الكربون والتلوث، وتزيد من كفاءة استهلاك الموارد والطاقة، وتحد من التأثيرات السلبية على التنوع البيولوجي والنظام الإيكولوجي.
ووفق ورقة بحثية صادرة عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية تحت عنوان "التحول نحو الاقتصاد الأخضر: تجارب دولية" من إعداد عبدالله المالكي أستاذ الاقتصاد المساعد في جامعة الملك سعود، يُعتبر مفهوم الاقتصاد الأخضر مفهوم حديث في الأدبيات البيئية والاقتصادية.
وبحسب تقرير "نحو اقتصاد أخضر" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تحتاج الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر إلى الدعم والتحفيز عن طريق الإنفاق العام الموجه، وإصلاح السياسات وتغيير اللوائح الحكومية. كما يجب أن يحافظ مسار التنمية على رأس المال الطبيعي ويحسنه ويعيد بناءه عند الحاجة، باعتباره مصدرا للمنفعة العامة، خصوصا للفقراء الذين يعتمد أمنهم ونمط حياتهم على الموارد الطبيعية.
وذكر برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن الاقتصاد الأخضر لا يحل محل التنمية المستدامة، بل أن تحقيقها يرتكز بشكل كامل على إصلاح الاقتصاد.
وعلى الرغم من أن الاقتصاد الأخضر يُعتبر الوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، ومع ذلك، فبالنسبة للعديد من البلدان النامية لا تزال مكافحة الفقر وعدم وجود احتياجات الإنسان الأساسية من بين الأولويات.
أهمية التحول إلى الاقتصاد الأخضر
قالت منظمة العمل الدولية في تقرير لها، إن "الاقتصاد الأخضر سيوفر 24 مليون فرصة عمل بحلول عام 2030".
وأشارت إلى أن "التخضير يساهم في خلق فرص عملٍ جديدة باعتماد ممارسات مستدامة في قطاع الطاقة، ومنها التغييرات في مزيج الطاقة، وتشجيع استخدام مركبات كهربائية، وتحسين كفاءة الطاقة في المباني وخدمات النظم البيئية التي تحافظ على جملة أمور، منها أنشطة الزراعة وصيد الأسماك والحراجة والأنشطة السياحية، والتي يعمل فيها 1.2 مليار عامل".
وتتباين عملية التحول نحو الاقتصاد الأخضر بين الدول، نظراً لاعتماده على تفاصيل رؤوس الأموال البشرية والطبيعية لكل دولة، وعلى المستوى النسبي لتقدمها، بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
كما أن هناك بعض البلدان التي وصلت من التقدم على مختلف العديد من الأصعدة، لكن هناك تحدٍ يكمن في تخفيض البصمة البيئية للفرد من دون التأثير على جودة الحياة، والتي في مقدمتها الدول الصناعية الكبرى.
الوظائف الخضراء
أعطى تقرير مشترك بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية لأصحاب العمل والاتحاد الدولي لنقابات العمال، تعريفا عاما للوظائف الخضراء وهي "وظيفة لائقة تسهم في الحفاظ على نوعية البيئة أو استرجاعها، سواء في الزراعة، أو الصناعة، أو الخدمات أو الإدارة".
وتركز وظائف الاقتصاد الأخضر على 5 عوامل رئيسية، تتمثل في تخفيض استهلاك الطاقة والمواد الخام، والحد من انبعاثات الغاز الدفيئة، وتقليل النفايات والتلوث، وحماية النظم الإيكولوجية واسترجاعها، وتمكين المنشآت والمجتمعات من التكيف مع تغيرات المناخ.
وبحسب تقرير "التنمية المستدامة والعمل اللائق والوظائف الخضراء" الصادر عن منظمة العمل الدولية، فإنه من العناصر المهمة في التعريف المطروح للوظائف الخضراء، هي أنها لا يجب ألا تكون خضراء فحسب بل لائقة أيضا، أي وظائف منتجة توفر مداخيل وحماية اجتماعية كافية وتحترم حقوق العمال، وتمكنهم من المشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم، بما يشمل أبعاد التنمية المستدامة.
ومن منظور إيجابي، يؤدي تزايد الطلب على المنتجات والخدمات الأكثر اخضرارا إلى توسيع نشاط الأنشطة والمنشآت نحو الاستثمار الأخضر، والتي تنعكس بدورها على الوظائف الخضراء اللائقة، والتي تحدّ من التأثيرات البيئية السلبية للنشاط الاقتصادي.
أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة
في عام 2015، اعتمدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة، باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030.
وتتكامل أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر فيما بينها، أي أنها تدرك أن العمل في مجال ما سيؤثر على النتائج في مجالات أخرى، وأن التنمية يجب أن توازن بين الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وتعهدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بعدم ترك أي شخص في الخلف، وذلك مع إظهار البلدان الكبرى والمتقدمة التزامها بتسريع التقدم للبلدان النامية.
وحسب الأمم المتحدة، صُممت أهداف التنمية المستدامة لجعل العالم يتحول إلى أصفار في العديد من جوانب الحياة المتغيرة، بما في ذلك الفقر والجوع والأمراض السارية والتمييز ضد النساء والفتيات.
وتقول الأمم المتحدة إن الجميع بحاجة للوصول إلى هذه الأهداف الطموحة، والإبداع والمعرفة والتكنولوجيا والموارد المالية في المجتمعات بمثابة أمر ضروري لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في كل سياق.
وتتكون أهداف التنمية المستدامة من 17 هدفا:
1-القضاء على الفقر.
2-القضاء التام على الجوع.
3-الصحة الجيدة والرفاه.
4-التعليم الجيد.
5-المساواة بين الجنسين.
6-المياه النظيفة والنظافة الصحية.
7-طاقة نظيفة وبأسعار معقولة.
8-العمل اللائق ونمو الاقتصاد.
9-الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية.
10-الحد من أوجه عدم المساواة.
11-مدن ومجتمعات محلية مستدامة.
12-الإنتاج والاستهلاك المستدام.
13-العمل المناخي.
14-الحياة تحت الماء.
15-الحياة في البر.
16-السلام والعدل والمؤسسات القوية.
17-الشركات من أجل الأهداف.
الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة
تتيح أهداف التنمية المستدامة فرصة لإعادة صياغة السياسة الاقتصادية بشأن العناصر الرئيسية للاستدامة وتحقيق الأهداف، ويسهم الانتقال إلى اقتصاد أخضر شامل في تحقيق الكثير من الأهداف وما يرتبط بها من سياسات.
ويعطي الاقتصاد الأخضر الأولوية لصحة الكوكب والشعوب، ويعتبرها مترابطة، بالإضافة إلى أنه يساعد على تحديد أولويات المبادرة الخضراء وتنفيذها بما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة، بحسب مركز الأمم المتحدة الإقليمي للمعلومات في غرب أوروبا.
وتؤدي الاستثمارات الكبرى في قطاع الطاقة النظيفة والبيئة إلى خلق فرص عمل لمئات الآلاف من الوظائف، إذ إن التركيز على الطاقة النظيفة وزيادة الثروة يدعمان توسع رأس المال الطبيعي والبشري والاجتماعي.
ويتمتع الاقتصاد الأخضر بالعديد من المزايا الاقتصادية والاجتماعية، حيث سيكون أمام المؤسسات متعددة التخصصات الفرصة لنشر العلوم والاقتصاد والمعرفة عبر القطاعات المحلية من أجل بناء نظام مالي يخدم مصالح المجتمع من خلال تعزيز الاقتصادات المحلية الخضراء والمحافظة على المعايير والإجراءات المشتركة.
وانطلاقا من الأولويات القصوى للحفاظ على المياه واستعادة التربة في ظل محدودية استدامة رأس المال الطبيعي، تحمي الأعمال الخضراء الطبيعة من خلال التخفيف من حدة المناخ واستعادة التنوع البيولوجي.
أهداف مشروعات الاقتصاد الأخضر
يرتبط الاقتصاد الأخضر ارتباطا وثيقا بمشروعات الاقتصاد الدائري، والقائم على نموذج الإنتاج والاستهلاك من خلال إعادة تدوير المواد والمنتجات وإعادة استخدامها لأطول فترة ممكنة.
كما يتضمن مجموعة واسعة من المشروعات التي ترتبط بتقليل استهلاك الموارد الطبيعية إلى مستويات مستدامة، ودمج الاقتصاد الشامل، والتي تهدف في النهاية إلى خلق الازدهار في كوكب الأرض.
وتستهدف مشروعات الاقتصاد الأخضر بشكل رئيسي إلى تعزيز الاستدامة من خلال ما يلي:
- إنتاج الطاقة النظيفة وخفض إجمالي استهلاك الطاقة، ورفع أداء معايير الاستدامة في الإضاءة الخارجية وكفاءة المباني.
- الحد من استهلاك المياه من خلال استخدام أدوات تحكم ذكية لقياس المياه الصالحة للشرب والري.
- خفض انبعاثات الكربون، وتقليل إنتاج الكربون إلى أدنى مستوياته في مختلف القطاعات.
- استخدام مواد البناء المستدامة، للحد من نضوب الموارد الطبيعية أثناء مرحلة البناء.
- الحد من النفايات، وإعادة استخدامها، وتدويرها، وضبطها، وتحويلها إلى مختلف الصناعات من الأسمدة.
أبرز الاستراتيجيات العربية للاقتصاد الأخضر
تتبنى العديد من البلدان العربية خطط وأهداف طموحة في إطار جهودها لتعزيز مشروعات الاقتصاد الأخضر وتحقيق التنمية المستدامة، ضمن استراتيجياتها الوطنية، ومن أبرز الخطط والمبادرات المباشرة التي تستهدف الاقتصاد الأخضر في الوطن العالمي هي: استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء، ومبادرة السعودية الخضراء، والاستراتيجية الوطنية التونسية للاقتصاد الأخضر.
الإمارات: استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء
أطلقت دولة الإمارات استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء في عام 2012، بهدف بناء اقتصاد أخضر مستدام وأن تكون مركزا رائدا لتصدير المنتجات والتقنيات الخضراء، من خلال مجموعة من البرامج والسياسات في مجالات الطاقة والزراعة والاستثمار والنقل المستدام.
السعودية: مبادرة السعودية الخضراء
أطلقت السعودية في مارس من عام 2021، مبادرة السعودية الخضراء في إطار التزامها بالمساهمة في الكفاح العالمي ضد تغير المناخ، من خلال تصميم حلول مبتكرة لتقليل الانبعاثات الكربونية وحماية المناطق البرية والبحرية، بما يدعم طموح المملكة في أن تصبح رائدة في مجال الاستدامة على المستوى العالمي.
تونس: الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأخضر
أطلقت تونس الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأخضر في عام 2014، وتهدف إلى البحث في إمكانات تطوير الأنشطة الاقتصادية واستحداث أنشطة خضراء في مجالات الزراعة والسياحة البيئية والنقل المستدام والبنية التحتية المستدامة والصناعات الخضراء والتكنولوجيات الخضراء والخدمات البيئية.