لم ينجح إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، توسيع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في تحقيق تهدئة مستدامة للأسواق، إذ تراجعت العوائد بقوة في البداية قبل أن تستعيد معظم خسائرها، بالتزامن مع ارتفاع مؤشرات توقعات التضخم.
وتشير حركة السوق، إلى أن المستثمرين ينظرون إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض باعتباره نتيجة لمشكلات أعمق تتعلق بالعجز وتراكم الديون وكثافة إصدارات السندات، وليس مجرد نقص مؤقت في السيولة يمكن معالجته بعمليات إعادة الشراء.
تأثير خطة بيسنت يتبدد سريعًا
أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 19 أغسطس، رفع الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات الاسمية طويلة الأجل من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية.
وتستهدف الخطة السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عامًا، على أن تدخل التعديلات حيز التنفيذ اعتبارًا من 9 سبتمبر وتستمر العمليات المعلنة حتى مطلع نوفمبر.
ودفع الإعلان عوائد السندات طويلة الأجل إلى التراجع بما يصل إلى 10 نقاط أساس، كما انخفض الدولار بنحو 0.8% أمام سلة من العملات، لكن هذا التحسن لم يستمر طويلًا.
وعادت العوائد إلى الصعود في الجلسات التالية، لتتجاوز مستوياتها المسجلة قبل الإعلان. وأظهرت بيانات وزارة الخزانة أن عائد سندات الـ10 سنوات بلغ 4.70% في 24 أغسطس، بينما سجل عائد السندات لأجل 30 عامًا نحو 5.23%.
توقعات التضخم ترتفع
تزامن ارتداد العوائد مع ارتفاع معدلات التعادل التضخمي، وهي مؤشرات يقيس من خلالها المستثمرون متوسط التضخم المتوقع بمقارنة عوائد السندات التقليدية بعوائد السندات المحمية من التضخم.
وارتفع معدل التعادل لـ5 سنوات إلى 2.34% في 20 و21 أغسطس، مقارنة بنحو 2.27% قبل الإعلان بيوم، فيما صعد المؤشر لـ10 سنوات إلى 2.34% من 2.30%.
وتراجعت المؤشرات قليلًا إلى 2.32% في 24 أغسطس، لكنها ظلت أعلى من مستويات ما قبل إعلان الخزانة، بما يعكس بقاء القلق من الضغوط السعرية حاضرًا في سوق الدخل الثابت.
ولا تمثل هذه المؤشرات توقعًا مؤكدًا لمسار التضخم الفعلي، كما لا تثبت أن إعلان الخزانة تسبب بمفرده في ارتفاعها، لكنها تكشف أن المستثمرين لم يفسروا الخطة باعتبارها حلًا للمخاطر الاقتصادية والمالية طويلة الأجل.
لماذا لم تقتنع سوق السندات؟
تهدف عمليات إعادة الشراء إلى تحسين السيولة في أجزاء من سوق السندات طويلة الأجل، عبر شراء إصدارات قديمة ضعيفة التداول، لكنها لا تخفض بصورة مباشرة حجم الدين العام أو العجز المالي.
وأكد وزير الخزانة سكوت بيسنت، أن الحكومة ستواصل برنامجها المعتاد لطرح السندات، بما يشمل الإصدارات طويلة الأجل، رغم توسيع عمليات إعادة الشراء.
كما أوضح أن الوزارة لم تشتر أي سندات حتى الآن في إطار البرنامج الموسع، وأن أولى العمليات الفعلية ستبدأ في سبتمبر، ما يجعل وصف الخطة بالفشل النهائي سابقًا لأوانه.
لكن رد فعل السوق يعكس شكوكًا بشأن قدرة أداة مخصصة لتحسين السيولة على احتواء العوامل التي تدفع العوائد إلى الارتفاع، وفي مقدمتها زيادة الاقتراض الحكومي واستمرار العجز وارتفاع علاوة الأجل التي يطلبها المستثمرون لحيازة السندات لفترات طويلة.
تزامن إعلان إعادة الشراء مع تجاوز إجمالي الدين العام الأميركي مستوى 40 تريليون دولار للمرة الأولى، ليبلغ نحو 40.047 تريليون دولار، وفقًا لبيانات وزارة الخزانة.
وتتوقع الوزارة اقتراض 739 مليار دولار من الأسواق خلال الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر، إضافة إلى 628 مليار دولار في الربع الأخير من العام، ما يعني استمرار تدفق الإصدارات الجديدة إلى سوق تعاني بالفعل ارتفاع العوائد.
وتواجه السندات الحكومية أيضًا منافسة من موجة قياسية لإصدارات شركات التكنولوجيا التي تجمع التمويل لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يزيد المعروض من أدوات الدين ذات العائد المرتفع أمام المستثمرين.


