قدّم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي رؤية اقتصادية جديدة وصفها مراقبون بأنها الأكثر تطورا منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، تضمنت 3 محاور رئيسية.
وتتقدم هذه الخطة، خصخصة القطاع العام، وإعادة النظر في سعر صرف الدولار، وملاحقة كبار المتهمين بالفساد، في خطوة تُظهر جدية الحكومة في رسم هوية اقتصادية مختلفة للبلاد عنوانها "التخلّص من العقلية الاشتراكية وإعادة بناء الدولة اعتمادا على اقتصاد السوق".
وصرّحت مصادر مقرّبة من "تيار الحكمة" لمنصة "المشهد"، أنّ الزيدي عقد الأسبوع الماضي اجتماعا مع قوى الإطار التنسيقي وعرض عليهم خطته، التي لاقت ترحيبا وتوافقا داخل الإطار.
فيما أكد الزيدي أنّ جميع هذه الخطوات مرتبطة بقدرة الحكومة على حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء دور الفصائل المسلحة على الأراضي العراقية، لإفساح المجال أمام الشركات الأميركية والخليجية لدخول الأسواق العراقية والاستثمار فيها.
ما هي خطة الزيدي؟
وركز الزيدي في خطته على معالجة ملف الدين العام الذي تجاوز 83 مليار دولار أميركي، وذلك عبر بيع المؤسسات الحكومية ذات النشاط الإنتاجي التي تراكمت عليها الديون إلى الشركات الخاصة لتخفيف الأعباء عن وزارة المالية.
أما في المرحلة الثانية، فطرح الزيدي مقترحا لرفع سعر الدولار مقابل الدينار، الذي تم تثبيته منذ العام 2023 على 1,300 دينار عراقي للدولار الواحد. أما المرحلة الثالثة من خطة الزيدي، والتي وُصفت بالأكثر جراءة هي استعادة الأموال المنهوبة من كبار المتهمين بالفساد.
هل سيتم توقيف السوداني؟
وبعد إعلان الزيدي خطته بأيام عدة، اعتقلت قوة أمنية خاصة، المسؤول النفطي عدنان الجميلي، في عملية نُفذت شمال محافظة صلاح الدين، بعد الكشف عن شبكة تمويل غير شرعية في قطاع النفط تموّل أحزابا تابعة للفصائل العراقية المسلحة.
وبدأت مواقع إعلامية عراقية تتحدث عن إمكانية التحقيق مع رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، حيث كشف الزيدي أنّ خزينة الدولة لا تتجاوز تريليون دينار عراقي، في حين كان رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي قد سلمها للسوداني بمبلغ 100 تريليون دينار عراقي.
وكشفت مصار خاصة لمنصة "المشهد"، أنه مع كل دورة حكومية جديدة تنتشر هذه الأخبار المتعلقة بمحاسبة مسؤولي الحكومة السابقة، إلا أنه على أرض الواقع لا توجد أيّ تحركات لمحاسبة أو مساءلة رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، لكن هناك لقاءات ومشاورات بين الزيدي وتوم براك لاجتثاث رؤوس الفساد كافة في الدولة العراقية.
وأوضحت أنّ حديث الزيدي عن خزينة الدولة ليس إلا محاولة لتبرئة نفسه من الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة، إنها حيلة سياسية يريد من خلالها أن يقول: "الخطأ ليس خطئي لأنني استلمتُ خزينة للدولة لا تكفي لسداد الرواتب"، خصوصا في ظل خروج عشرات التظاهرات في مختلف المدن العراقية للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية بتوزيع الرواتب.
وحول النقص الذي تحدث عنه الزيدي في خزينة الدولة، بيّنت المصادر أنه منذ 28 فبراير الماضي (نشوب الحرب الأميركية الإيرانية) وحتى الآن، لم يصدّر العراق أكثر من 10 ملايين برميل نفط، بعد أن كان يصدّر 3.3 ملايين برميل نفط يوميا، ما أدى إلى انخفاض الإيداعات في خزينة الدولة لا يمكن تحميل الحكومة السابقة مسؤولية الأوضاع الدولية.
كما أنّ فترة حكومة السوداني شهدت افتتاح مشاريع خاصة عدة في ما يتعلق بالبناء والطرقات، تم تمويلها جميعها من خزينة الدولة.
وفي سياق متصل، يقول المحلل السياسي وائل الركابي لمنصة المشهد، إنه لم يشهد العراق سابقا محاسبة رئيس وزراء عراقي سابق، لكنّ الأمر متروك للقضاء العراقي، والجميع سيحترم القرارات القضائية في حال إثبات الإدانة بحق السوداني من دونها.
ويوضح الركابي، أنّ التحقيق مع السوداني أمر مُستبعد، حتى وإن كان الزيدي لديه ملفات تدين الحكومة السابقة، لا يستطيع وحده أن يقرر مصير رجالاتها، لأنّ هذا الموضوع يبت فيه القضاء العراقي، إذًا المسألة قضائية أكثر من كونها سياسية تتوافق مع توجهات شخصيات معينة أو مصالحها أو أهوائها.
الحلبوسي في مرمى نيران الحكومة
وتزامن إعلان الزيدي عن خطته الاقتصادية، بانتشار معلومات عن اقتراب توقيف رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي بتهم متعلقة بالفساد بموافقة مباشرة من الفيدرالي الأميركي.
وعن ذلك يقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إنّ الرؤية لا تزال غير واضحة، لكن لا يمكننا أن نُنكر أنّ الحلبوسي والسوداني معا كانا جزءا من الفساد وغيرهما الكثير من الشخصيات السياسية داخل الحكومات العراقية.
ويرى القيسي، أنّ جمع الأموال الطائلة خلال سنوات قليلة يدعو إلى الشك، ومن الممكن جدا إن قررت الولايات المتحدة الأميركية التحرك ضد الحلبوسي وغيره، ستكشف ملفات فساد مُخيفة للشعب العراقي خلال الفترة القادمة، لغاية الآن لم نلاحظ أيّ تحركات جدية لكن ممكن جدا أن نشهد تحقيقا مع السوداني الذي سلّم الزيدي حكومة متهالكة عاجزة عن دفع الرواتب.
ويدعو القيسي، مجلس القضاء العراقي أن يأخذ مسألة محاربة الفاسدين أولوية بالنسبة له ولرئيس الحكومة علي الزيدي ابتداءً من السوداني وصولا إلى حكومات 2006 وحتى الآن لاستعادة أموال الشعب العراقي المنهوبة، وإنهاء ملف الفساد في الحكومات المتعاقبة عبر تغيير الشخصيات القديمة والاعتماد على وجوه شابة تمتلك رؤية مختلفة عن سابقتها، التي تم تجريبها أكثر من مرة، واتضح أنّ معظمها تابعة لأجندات خارجية صنعت من خلال سرقة المال العام جمهورا زبائني يصوّت لها.
خطوات عملية ضد رؤوس الأموال
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ الزيدي عندما ألغى مشروع تطوير مطار بغداد، قطع الطريق على العديد من رؤوس الأموال السياسية التي اشترت الأراضي المحيطة بالمطار لإدراكها مسبّقا أنّ سعرها سيرتفع بمجرد المباشرة بالمشروع.
وقال الخبير في الشأن الاقتصادي والمصرفي الدكتور عبد الرحمن الشيخلي لمنصة "المشهد"، إنّ الدستور العراقي أقر بتغيير النظام الاقتصادي من النظام الشمولي المقيّد إلى اقتصاد السوق، لكن إلى الآن الوصاية الحكومية ما زالت موجودة على كل التفاصيل الاقتصادية حتى في قضايا البيع والشراء، لذلك نسأل أين دور القطاع الخاص واقتصاد السوق؟
وأوضح الشيخلي، أنّ العراق بقي حاملا للعبء الاشتراكي منذ ما قبل 2003، وما زالت الحكومات ترى نفسها وصيّة على أموال الشعب، الاقتصاد الاشتراكي أثبت فشله، لذلك يرغب الزيدي أن يفعّل القطاع الخاص، بما يخفف العبء على الدولة عن طريق تحويل بعض المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص.
وتابع: "القطاع الخاص هو الحامل للاقتصاد الديل على ذلك، عندما دخل ترامب للبيت الأبيض أحضر معه إليون ماسك باعتباره من أثرياء أميركا".
وفي سياق متصل، كشفت مصادر اقتصادية مقرّبة من رئيس الحكومة علي الزيدي، أنّ موازنة عام 2027، سيكون عنوانها التقشف وإلغاء لمؤسسات حكومية لا داعي لها عبر تحويلها إلى القطاع الخاص.
وفي مثال على ذلك، سيتم خصخصة بعض المؤسسات عبر بيعها للقطاع الخاص بنسبة 50% للدولة و50% للمساهم، وتشترط عليه الدولة توظيف العمال والموظفين المحسوبين عليها أنفسهم، بالتالي تتخلص من أعباء المرتبات الشهرية التي أثقلت كاهل الحكومة وتترك للمساهمة مسؤولية دفعها.
يُذكر أنّ الزيدي، صرّح منذ أيام، أنّ خطة الحكومة هي رسم هوية اقتصادية جديدة للعراق والخروج من العقلية الاشتراكية للوصول إلى اقتصاد أكثر انفتاحا على الاستثمار العالمي وأكثر اعتمادا على القطاع الخاص وأقل ارتباطا بالدولة الريعية التقليدية وأقل فسادا في ملفاته الحساسة.