سلط مقال رأي نشرته صحيفة فايننشال تايمز، الضوء على تحولات سريعة يشهدها الشرق الأوسط لإعادة رسم مسارات التجارة والطاقة بعيدا عن مضيق هرمز، في خطوة يقول كاتب المقال إنها قد تمتد آثارها لعقود وتغير شكل سلاسل الإمداد العالمية.
كتب المبعوث الخاص لوزير الخارجية الإماراتي للأعمال والعمل الخيري بدر جعفر، أن العالم انشغل خلال الأسابيع الماضية بما أحدثته أزمة مضيق هرمز من اضطراب في الشحن، وارتفاع في كلفة التأمين وتقلبات في أسعار النفط، لكن ما يجري داخل المنطقة يتجاوز إدارة الأزمة الحالية إلى بناء بنية تحتية جديدة تقلل الاعتماد على هذا الممر البحري الحساس.
تحول يتجاوز الأزمة الحالية
بحسب المقال، فإن النقاش داخل المنطقة لم يعد يتركز فقط على احتواء التداعيات المباشرة للأزمة، بل انتقل إلى مراجعة نموذج تجاري وبنية تحتية استمرا لنحو 50 عاما. ويرى الكاتب أن الأزمة كشفت هشاشة كبيرة في تركيز هذا الحجم من التجارة العالمية داخل ممر ضيق ومعرض للتوترات.
أشار المقال، إلى أن نحو 30% من تدفقات النفط المنقول بحرا في العالم تمر عادة عبر مضيق هرمز، إلى جانب نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ويعتمد عليه جزء كبير من تجارة الأسمدة والكبريت، بما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي العالمي، فضلا عن شحنات الألمنيوم والهيليوم المستخدم في صناعات دقيقة، مثل أشباه الموصلات وسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي.
ويرى جعفر بحسب ما ورد في مقاله، أن استمرار مرور هذا الحجم من التجارة العالمية عبر ممر واحد متنازع عليه كان أمرا غير طبيعي قبلت به الأسواق الدولية لعقود، إلا أن الأزمة الحالية تدفع الحكومات والشركات إلى البحث الجدي عن بدائل أكثر أمنا واستقرارا.
ممرات بديلة تتشكل في الخليج
لفت المقال إلى أن الاستثمارات الجارية حاليا ترسم عمليا ملامح مرحلة ما بعد هرمز. فالسعودية توسع من دور موانئ البحر الأحمر وطاقة خطوط الأنابيب، بينما توفر الإمارات عبر ساحلها الشرقي موانئ عميقة ومسارات تربط منتجي الخليج بالمحيط الهندي.
وتبرز سلطنة عمان عبر تطويرات الدقم وصحار بوصفهما منفذين يقعان خارج نطاق الاختناق الذي يفرضه المضيق.
وأشار إلى أن السلع والطاقة بدأت بالفعل تتحرك عبر بعض هذه المسارات، بما في ذلك ترتيبات نقل بري عابرة للحدود كان يصعب تصورها قبل أشهر قليلة فقط.
إحياء بنية تحتية قديمة لخدمة واقع جديد
قال المقال إن الشرق الأوسط يمتلك أصولا غير مستغلة بالكامل يمكن أن تصبح جزءا من الحل، مثل خطوط الأنابيب التي أنشئت في أزمات سابقة ثم جرى تجميدها، إلى جانب شبكات الطرق والسكك الحديدية والربط الكهربائي وأنظمة المياه العابرة للحدود.
وأضاف أن إعادة تفعيل هذه الأصول ضمن إطار أوسع من التعاون الإقليمي يمكن أن تعزز ارتباط المنطقة بالأسواق العالمية، وأن تدفع نحو تكامل اقتصادي عملي داخل الشرق الأوسط نفسه.
بحسب المقال، فإن الأزمة الحالية صنعت ظروفا لم تنجح سنوات طويلة من الاجتماعات والقمم في تحقيقها، إذ دفعت دولا كانت علاقاتها متوترة قبل أسابيع فقط إلى البحث عن مصالح مشتركة ترتبط بتأمين التجارة والطاقة وحماية اقتصاداتها من المخاطر.
ومن هذا المنطلق، فإن تحويل التجارة الحيوية بعيدا عن نقطة اختناق واحدة لا يخدم اقتصادات المنطقة فقط، بل يقلل أيضا هشاشة سلاسل التوريد بالنسبة إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا، ويمنح الأسواق العالمية وصولا أكثر استقرارا إلى موارد أساسية.
رأى الكاتب، أن التحول الجاري يمثل فرصة استثمارية ممتدة أمام القطاع الخاص ومطوري البنية التحتية، لأن المطلوب الآن ليس حلولا مؤقتة بل ممرات تجارية جديدة يمكن أن تحمل جزءا كبيرا من تجارة العالم خلال العقود المقبلة.
كما أشار إلى أن الشركات متعددة الجنسيات العاملة في الخليج بدأت تعيد تموضعها بالفعل، ليس فقط للتعامل مع الاضطراب الحالي، بل لضمان موقع متقدم لها في مشروعات البناء والتوسع التي تتشكل في المنطقة.
ورغم هذه الرؤية، شدد المقال على أن المشهد لا يخلو من المخاطر، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع مستوى القلق في المنطقة، إلا أن الكاتب يرى أن الاتجاه العام أصبح واضحا، وأنه من غير المرجح أن تعود الحكومات إلى مستوى الاعتماد الاستراتيجي نفسه على ممر بحري ضيق تحيط به حالة عالية من عدم اليقين.
وختم المقال بالتأكيد على أن العالم يراقب اليوم ما تدمره الأزمة، لكنه مطالب أيضا بمراقبة ما يجري بناؤه في المقابل، لأن البنية التجارية الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط قد تعيد توزيع حركة الطاقة والتجارة العالمية لفترة طويلة.