لجأت مصر قبل عدة سنوات إلى "مبادلة الديون" مع بعض الدول الأخرى منها ألمانيا وإيطاليا ومؤخرًا الصين، وهنا يتبادر إلى ذهن البعض عدد من الأسئلة المهمة حول جدوى مبادلة الديون وتأثيرها على الدين الخارجي بل على الاقتصاد، فكيف يرى الخبراء هذه الخطوة؟
مبادلة الديون أداة للتمويل
خلال السنوات الماضية، ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض العالمي وتراجع السيولة الدولارية نتيجة رفع الفائدة الأميركية، اتجهت مصر ودول أخرى إلى التوسع في استخدام آلية "مبادلة الديون" باعتبارها واحدة من أدوات التمويل البديلة التي تساعد على تخفيف أعباء الدين الخارجي، وفي الوقت نفسه تمويل مشروعات تنموية دون تحميل الموازنة أعباء اقتراض جديدة.
ومؤخرًا، عادت القضية إلى الواجهة بعد توسع القاهرة في هذا المسار عبر اتفاقيات مع عدد من الدول، كان أحدثها التعاون مع الصين، إلى جانب برامج ممتدة مع ألمانيا وإيطاليا، في إطار استراتيجية حكومية تستهدف تنويع أدوات التمويل وخفض الضغوط على النقد الأجنبي.
وتعتبر الحكومة المصرية، أن مبادلة الديون تمثل آلية تسمح بإعادة توجيه جزء من الالتزامات الخارجية إلى استثمارات ومشروعات داخلية، بدلًا من خروج الأموال بالعملة الأجنبية إلى الخارج في صورة أقساط وفوائد.
ما المقصود بمبادلة الديون؟
ببساطة، تعني مبادلة الديون، أن تتفق دولة دائنة مع دولة مدينة على إسقاط جزء من ديونها الخارجية، مقابل أن تقوم الدولة المدينة باستخدام القيمة نفسها في تمويل مشروعات تنموية داخلها.
الدكتور أيمن حسن الخبير المصرفي، يرى أن مبادلة الديون أفضل من سداد الدين بالدولار أو اليورو إلى الدولة الدائنة، موضحا" يتم ضخ المقابل المالي داخل الاقتصاد المحلي لتمويل قطاعات مثل التعليم والصحة والطاقة والبنية التحتية والتنمية المستدامة عبر مشروعات محددة تستهدفها الدولة الأجنبية مثل مشروعات تستهدف الحد من الهجرة".
وأضاف أن مبادلة الديون ليس لها شكل محدد لكنها تختلف من دولة لأخرى، إذ ترتبط أحيانا بمشروعات بيئية ومناخية، أو ببرامج تنموية واجتماعية، بينما قد تشمل في بعض الحالات دعم مشروعات التحول الأخضر والطاقة النظيفة.
وبشأن التأثير على الدين الخارجي، أوضح في حديث مع "المشهد"، أن إحدى آليات التعامل مع الدين الخارجي وتخفيفه، هي البحث عن وسائل سداد مختلفة، ليس فقط الاعتماد على الدفع المباشر، وفلسفة مبادلة الديون تقوم بمعالجة جزء من قضية ارتفاع الدين الخارجي.
وشهدت مصر خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا في أعباء خدمة الدين الخارجي، بالتزامن مع تداعيات الأزمات التي ضربت الاقتصاد العالمي والتي بدأت بجائحة كورونا ثم حرب أوكرانيا ثم الحرب في غزة وصولا إلى حرب إيران، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، وتزايد الضغوط على الجنيه المصري.
وفند الخبير المصرفي خلال حديثه تأثير التوسع في مبادلة الديون والتي يكون لها تأثيرات مباشرة على النحو التالي:
- تخفيف الضغط على الاحتياطي النقدي.
- تقليل الحاجة للاقتراض الخارجي الجديد.
- تمويل مشروعات تنموية دون استنزاف الدولار.
- تحسين مؤشرات الدين الخارجي.
- دعم خطط التنمية المستدامة من خلال توفير سيولة للمشروعات في البلاد.
ويختتم حديثه بالقول، إن مبادلة الديون توفر مساحة مالية إضافية يمكن استغلالها في قطاعات حيوية، خصوصا مع ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا، ولدينا تجارب ناجحة للغاية مع دول أوروبية بالإضافة إلى الصين.
مبادلة الديون مع الصين
دخلت مصر والصين رسميًا في مسار مبادلة الديون خلال عام 2023، عندما وقعت الحكومتان مذكرة تفاهم للتعاون في هذا المجال، على هامش منتدى الحزام والطريق في بكين.
واعتبرت وزارة التعاون الدولي وقتها، أن الاتفاق يمثل أول اتفاق لمبادلة الديون توقعه الصين مع دولة على مستوى العالم، في خطوة تعكس تطور العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين، ويستهدف الاتفاق استخدام جزء من المديونية المستحقة للصين في تمويل مشروعات تنموية داخل مصر، بدلًا من سدادها بالكامل في صورة نقد أجنبي.
" الاتفاق مع الصين يحمل دلالات مهمة، خصوصا أن بكين أصبحت واحدة من أكبر الجهات الممولة لمشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل في مصر خلال السنوات الماضية"، هكذا يقيم الدكتور هاني قداح الخبير المصرفي تجربة مبادلة الديون بين مصر والصين.
وقال لـ"المشهد" إن مصر نجحت في تنفيذ مبادلة ديون بما يوازي 900 مليون دولار مع عدة دول من بينها الصين، مشيرا إلى أن الهدف هو توسيع أدوات التمويل المبتكر، وجذب شراكات طويلة الأجل مع القوى الاقتصادية الكبرى، بمعنى الخروج من عباءة سداد الالتزامات بالشكل التقليدي.
تبادل الديون مع ألمانيا
و في ذات السياق، تعتبر ألمانيا الشريك الأبرز لمصر في برامج مبادلة الديون، حيث نفذ البلدان عدة مراحل من التعاون في هذا الملف على مدار سنوات، ووفق بيانات وزارة التعاون الدولي التي انضمت مؤخرا لوزارة الخارجية، وقعت مصر وألمانيا اتفاقيات متتالية لمبادلة الديون وتمويل مشروعات تنموية في مجالات التعليم الفني، والطاقة المتجددة، ودعم التشغيل، والخدمات الاجتماعية.
وفي ديسمبر 2024، وقعت القاهرة وبرلين اتفاقيات جديدة بقيمة 77.3 مليون يورو، تضمنت منحًا وبرامج لمبادلة الديون لدعم قطاعات التعليم والطاقة والتنمية المستدامة، وتربط ألمانيا جزءًا من برامج المبادلة بملفات التحول الأخضر وخفض الانبعاثات، وهو ما يتماشى مع توجهات التمويل الدولية الحالية المرتبطة بالمناخ والطاقة النظيفة.
وتجاوزت القيمة الإجمالية لبرامج مبادلة الديون بين مصر وإيطاليا نحو 350 مليون دولار عبر عدة مراحل، تم خلالها تنفيذ عشرات المشروعات التنموية في محافظات مختلفة.
كيف تستفيد مصر اقتصاديًا؟
يرى رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل، أن مبادلة الديون تعني بقاء الأموال الأجنبية داخل الاقتصاد المحلي، ما يساعد على تخفيف الضغط على سوق النقد الأجنبي، وتوجيه الأموال إلى مشروعات إنتاجية وخدمية قد تسهم في خلق وظائف وتحفيز النشاط الاقتصادي.
وبسؤاله عن خفض أعباء الدين، قال إن المبادلات لا تُنهي أزمة الدين، لكنها تخفف جزءًا من الالتزامات الخارجية، وكلما نجحت الدولة في إدارة الدين بمرونة وتحسين قدرتها على السداد، انعكس ذلك إيجابيًا على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.
وفي تصريحات سابقة، يرى دكتور مصطفى بدرة الخبير المصرفي، أن مبادلة الديون إحدى الخطوات المهمة لكنها لا تمثل سوى جزء صغير من الالتزامات الضخمة التي تتحملها الدول النامية، مشيرا إلى أهمية زيادة الإنتاج والصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية من أجل التعامل مع ملف الدين الخارجي.
وأشار إلى أن نجاح التجارب السابقة مع ألمانيا وإيطاليا، والدخول في شراكة جديدة مع الصين، قد يفتح الباب أمام اتفاقيات مماثلة مع دول ومؤسسات أخرى خلال الفترة المقبلة، كأحد أدوات الدولة المصرية في التعامل مع الدين الخارجي.