يتجه الرئيس التركي المنتهية ولايته رجب طيب إردوغان نحو تحقيق النصر في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بحسب ما يتوقع مراقبون، خصوصا أنه أظهر تفوقا خلال الجولة الأولى التي أخفق في حسم الانتخابات من خلالها، لكن هذا النصر يخشاه المستثمرون ويعتبره المحللون يُشكل خطرا على استقرار الاقتصاد ويهدد مستقبل البلاد.
ويترقب الأتراك بقلق نتائج هذه الجولة التي سترسم ملامح أوضاعهم المعيشية في المستقبل المتدهورة خلال السنوات القليلة الماضية مع جموح التضخم وتراجع قيمة العملة، ليشير استطلاع رأي أجرته مؤسسة "statista" مؤخرا شمل أكثر من 2,000 تركي بالغ إلى أن القضايا المتعلقة بالاقتصاد يجب أن تأتي على رأس اهتمامات الرئيس القادم.
وتعاني تركيا من أزمة اقتصادية خانقة منذ أكثر من عامين، إذ ارتفع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وسجل أعلى مستوى خلال 24 عاما في أكتوبر 2022 عند 85%، قبل أن يتراجع إلى 44% في أبريل الماضي، كما أن العملة المحلية فقدت أكثر من 60% منذ يناير 2021 ونحو 18% خلال أقل من عام. كل ذلك إلى جانب زلزال مدمّر في فبراير الماضي خلف آلاف الضحايا وخسائر اقتصادية قدرها البنك الدولي بنحو 34.2 مليار دولار.
الدين التركي
عدد من المحللين الاقتصاديين يحملون سياسات الرئيس التركي المنتهيةولايته مسؤولية الأوضاع الاقتصادية التي وصلت إليها البلاد، على الرغم من أن الأعوام الـ20 التي قضاها في السلطة بين رئيس للحكومة ورئيس للبلاد نجح في تحقيق طفرات اقتصادية مهمة، إلا إنهم يعتبرون أن استمرار إردوغان 5 سنوات مقبلة وفق السياسات التي اعتمدها في السنوات القليلة الماضية وتدخلاته المتكررة في قرارات البنك المركزي والتي حدت من استقلاليته، يمثل تهديدا لاستقرار الاقتصاد الكلي ويضعف ثقة المستثمرين.
وتشير الأصول التركية إلى تحول في معنويات المستثمرين عقب نتائج الجولة الأولى، إذ ارتفعت تكاليف حماية حاملي السندات التركية من خطر تخلف الحكومة عن السداد على مدى الأعوام الخمس المقبلة، لتسجل مقايضات التخلف عن السداد الدين الخارجي للبلاد هذا الأسبوع إلى أكثر من 700 نقطة أساس من أقل من 500 نقطة أساس قبل الجولة الأولى.
المحلل الاقتصادي في "كابيتال إيكونومكس" ليام بيتش يقول في مذكرة بحثية:
- الآن هناك خطر حقيقي للغاية من أن فوز إردوغان قد يؤدي إلى عدم استقرار الاقتصاد الكلي، بما في ذلك التهديد بأزمة عملة حادة وتوترات في أوضاع الديون السيادية والمصرفية.
- الكثير من المستثمرين كانوا يأملون انتصار المعارضة، والعودة إلى السياسات الاقتصادية الأكثر مصداقية لمعالجة مشكلة التضخم. لكن هذه الآمال تبخرت كما استجابت الأسواق المالية التركية بشكل سلبي لنتائج الجولة الأولى.
وتزامنا مع نتائج الجولة الأولى التي حصل فيها إردوغان على 49.3% ومرشح المعارضة كمال كليجدار أوغلو على 45%، ليخوضا سويا جولة الإعادة، اتجه المستثمرون إلى عمليات بيع مكثفة في الأصول التركية، حيث تراجع مؤشر بورصة إسطنبول الرئيسي " BIST-100" بنسبة تتجاوز 6% بعد يوم واحد من الإعلان عن النتائج، قبل أن يعاود الارتفاع بشكل طفيف في ختام تداولات الجمعة بعد أسبوعين من التذبذب، لكنه وفق بيانات بورصة إسطنبول يظل متراجعا بنسبة 4.24% منذ بداية مايو الجاري.
ويتفق الخبير الاقتصادي التركي مسلم طلاس مع ما ذكره محلل "كابيتال إيكونومكس" إذ يقول في حديثه مع منصة "المشهد" إن "إصرار إردوغان على مخالفة منطق الاقتصاد وخفض الفائدة رغم التضخم المرتفع يعتبر سياسة طاردة للاستثمار الأجنبي(..) وقد فعل ذلك على الرغم من معارضة محافظي البنك المركزي، ما أدى إلى إقالتهم".
ومنذ عام 2019، عكف إردوغان على التدخل بشكل مباشر في سياسة البنك المركزي التركي والمطالبة بخفض أسعار الفائدة، الأمر الذي قوبل بالرفض مما دفعه لإصدار قرار بإقالة محافظ البنك المركزي مراد جتينقايا، الذي كان من المقرر أن تستمر ولايته حتى عام 2020، وتعيين نائبه مراد أويسال بدلا منه والذي أقيل أيضا خلال أقل من عام وعين بدلا منه وزير المالية السابق ناجي إقبال، ليتعرض الأخير أيضا للإقالة في مارس من عام 2021، ويعين بدلا منه شهاب قوجي أوغلو النائب بالبرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي لا يزال في المنصب حتى اللحظة.
لهذا يضيف مسلم طلاس وهو أيضا أستاذ اقتصاد في جامعة "ماردين أرتوكلو" في تركيا أن "ما حدث خلال السنوات الأربعة الماضية، أضعف الثقة بالبنك المركزي والسياسة النقدية وصب المزيد من الزيت على نار التضخم، وفي النهاية أضر بعنصر الاستقرار الاقتصادي الذي هو الأساس في علميات حسابات التكاليف والأرباح بالنسبة للمستثمرين وقراراتهم المستقبلية".
وعقب إعلان نتائج الجولة الأولى من الانتخابات قبل أسبوعين تقريبا، انخفضت قيمة الليرة أمام الدولار الأميركي بنسبة 1.4% ليسجل الدولار في ختام تعاملات الجمعة الماضي 19.93 ليرة للدولار الواحد، وهو ما اعتبره محلل "كابيتال إيكونومكس" حركة طفيفة نسبيا، وجاءت نتيجة تدخل البنك المركزي والقيود على العملات الأجنبية ما حدّ من التراجع، ليقول: "من المحتمل أن يفعل البنك المركزي التركي كل ما في وسعه من خلال قيود العملة الأجنبية وتدخلاته لإدارة الليرة".
وكثف البنك المركزي التركي الذي بات يتحكم فيه إردوغان وحزب العدالة والتنمية تدخلاتها في الأسواق لتوفير بعض الاستقرار قبل الجولة الثانية من الانتخابات، حيث نقلت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية قبل يومين عن مصادر مطلعة قولها إن المركزي التركي طلب من بعض البنوك المحلية التدخل وشراء السندات الدولارية للبلاد، في محاولة للحفاظ على استقرار تكاليف الاقتراض، وكذلك لدرء ارتفاع في مقايضات التخلف عن السداد، وهو مقياس للحماية من أحداث الائتمان المحتملة مثل التخلف عن السداد.
الليرة التركية
على خط موازي، تسبب تدخل الحكومة التركية بشكل مكثف لدعم الليرة، إلى انخفاض صافي احتياطيات النقد الأجنبية لدى تركيا إلى ما دون الصفر لأول مرة منذ 21 عاما، لتبلغ -151.3 مليون دولار في 19 مايو الماضي، حسبما أظهرت بيانات نشرتها كل من "بلومبيرغ" و"رويترز"، إذ يُقدر إجمالي من أنفقته السلطات في أسواق الصرف الأجنبي لدعم الليرة على مدى 16 شهرا بنحو 177 مليار دولار.
لذلك، يعتبر ليام بيتش أن تركيا معرضة الآن لخطر كبير يتمثل في زيادة عدم استقرار الاقتصاد الكلي، قائلا: " انتصار آخر لإردوغان سيوفر المزيد من السياسة نفسها: استمرار أسعار الفائدة المنخفضة للغاية، واللوائح التقييدية للعملات الأجنبية، والتضخم المرتفع".
ويضيف المحلل الاقتصادي لدى "كابيتال إيكونومكس" أن "إطار السياسة في شكله الحالي يقف على أسس ضعيفة ونعتقد أنها في الوقت الضائع، حيث تكافح تركيا لجذب تدفقات رأس المال في ظل رقابة صارمة على الليرة أدت إلى تقييم العملة بشكل مبالغ فيه، فضلا عن تعرض القطاع المصرفي للاختناق بسبب لوائح مختلفة".
ويتوقع بيتش انخفاض حاد ومزعزع لاستقرار الليرة مما يؤدي إلى أزمات متزامنة للقطاع المصرفي والديون السيادية في المستقبل، مشيرا إلى أنه قد ينتج عن ذلك أزمة اقتصادية كبيرة وانهيار في الناتج المحلي الإجمالي.
وفي مذكرة بحثية منفصلة نشرت قبل 3 أيام، توقع المحلل الاقتصادي لدى "كابيتال إيكونومكس" جيمس رايلي أن تنخفض الليرة التركية بشكل متواصل على مدار العام ليسجل الدولار الواحد 26 ليرة بحلول نهاية 2023، قائلا: "فوز إردوغان يعني زيادة المخاطرة بشكل كبير مع ارتفاع وتيرة انخفاض الليرة التركية مقابل الدولار الأميركي".
بدوره يقول الخبير الاقتصادي التركي مسلم طلاس خلال حديثه: "أعتقد أن الليرة التركية ستسجل المزيد من التراجع مع استمرار آثار السياسة التوسعية السابقة ولحين استقرار توقعات السوق، لكن إن توجه إردوغان لسياسة نقدية انكماشية بعد فترة من الزمن ربما على المدى المتوسط فإن الليرة قد تستقر".
والخميس الماضي وعلى الرغم من اضطرابات الأسواق في تركيا وارتفاع التضخم قرر البنك المركزي التركي إبقاء سعر الفائدة الرئيسي من دون تغيير عند 8.5%، وهو ما يشير إلى فائدة حقيقية سالبة عند -35.5%.
وعما ينتظر الاقتصاد التركي في المستقبل، يقول طلاس: "الأمر يتوقف على السياسات التي سيتم اتباعاها، لكن الاحتمال الأغلب هو أنه لن يتعافى من السياسة النقدية الرعناء التي اتبعها إردوغان قبل سنتين من الزمن"، مضيفا أن "الوضع الحالي سيء وهناك نوع من الركود التضخمي الذي ينطوي على بطالة مرتفعة وتضخم مرتفع وهو ما سيتطلب سياسات اقتصادية مؤلمة ومكلفة للتعامل معها".
وتابع بالقول: "من يقود المرحلة القادمة سيدفع غالبا ثمن السياسة الاقتصادية غير العقلانية التي اتبعها إردوغان في الأعوام السابقة، لست متأكدا أن كليجدار أوغلو قادر على أن يجري تحولا كاملا في السياسة الاقتصادية خلال الفترة القادمة حال فوزه، لكن كلما تم تدارك الأمر بسرعة سيكون الثمن أقل".
وبحسب تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر عن صندوق النقد الدولي أبريل الماضي، فإن من المتوقع أن يتراجع نمو الاقتصاد التركي خلال عام 2023 إلى 2.7% من 5.6% في عام 2022، كما من المتوقع أن يظل التضخم مرتفعا ليختتم العام عند 45% وأن يرتفع معدل البطالة إلى 11% من 10.5% العام الماضي.