دفعت أزمة اقتصادية متراكمة في إيران، إلى موجة احتجاجات مناهضة للحكومة بعدما هبطت العملة المحلية إلى مستوى قياسي متدن، ما جعل حتى السلع الأساسية خارج متناول شرائح واسعة من السكان، بحسب تقرير نشرته "بلومبرغ".
ومع ارتفاع أسعار مواد مثل البيض وزيت الطهي، تحولت الضغوط المعيشية إلى غضب في الشارع بدأ من التجار وأصحاب المحال في طهران أواخر ديسمبر 2025، ثم اتسع ليشمل طلابا وعمالا وفئات أخرى، مع مطالب لا تقتصر على تحسين مستوى المعيشة، بل تمتد إلى تغيير سياسي أوسع.
شرارة الاحتجاجات
تعتمد إيران على الاستيراد لتأمين جزء كبير من السلع الضرورية، بينها القمح وزيوت الطهي ومكونات دوائية.
ومع هبوط الريال، ارتفعت كلفة هذه الواردات على التجار، فانتقلت الزيادة إلى المستهلكين عبر موجة رفع أسعار سريعة، جعلت عددا من السلع الأساسية باهظة بالنسبة للأسر.
وزادت الأزمة حدة مع استمرار الجفاف لخمسة أعوام، ما أضعف الإنتاج المحلي ورفع الاعتماد على واردات أغلى ثمنا.
وتتزامن أزمة العملة مع تضخم مرتفع يضغط على القوة الشرائية، ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، كان من المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 42% في 2025 مقارنة بنحو 33% في 2024، ما يعني أن كلفة المعيشة تتصاعد بسرعة أكبر من قدرة الدخول على التعويض.
لماذا يواصل الريال الهبوط؟
ظل الريال تحت ضغط لسنوات، بسبب العقوبات الغربية ومشكلات الثقة المرتبطة بالفساد وضعف الإدارة الاقتصادية، وفي 2025، تراجع الريال بنحو 45% أمام الدولار، مع اتجاه كثير من الإيرانيين لتحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية أو ذهب أو عقارات كملاذات أكثر أمانا.
وتفاقم نظام أسعار الصرف المتعددة الأزمة، إذ يقدم دعما لاستيراد سلع معينة لصالح جهات محددة، وهو ما يغذي فرص الفساد ويثير غضبا شعبيا بسبب تفاوت الوصول إلى العملة المدعومة.
وتضرر الاقتصاد أيضًا من تراجع أسعار النفط، فقد انخفض خام برنت بنحو 18% خلال 2025 إلى قرابة 60 دولارًا للبرميل، وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات إلى أن الحكومة الإيرانية تحتاج سعرًا أعلى بكثير لتحقيق التعادل المالي في الموازنة، ما يزيد الضغط على التمويل العام ويحد من القدرة على امتصاص الصدمات.
ورغم امتلاك إيران احتياطيات نفطية كبيرة، فإن العقوبات تجعل الخام خارج نطاق معظم المشترين الأجانب، وتقلص فرص الاستثمار والتكنولوجيا.ومع تراجع الاستثمار وتآكل البنية التحتية، تراجعت كفاءة قطاعات إنتاجية كثيرة، وتضررت الزراعة بفعل شح المياه وضعف أساليب الري، كما يهيمن على إنتاج سلع استهلاكية جزء من كيانات شبه حكومية ومؤسسات كبيرة تعمل بقدر محدود من الشفافية.
ملف العقوبات
خففت عقوبات أممية في 2015 ضمن اتفاق نووي، لكن الاستفادة كانت محدودة، ثم انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق في 2018 وأعاد فرض عقوبات أميركية واسعة.
وفي أبريل 2025، جرت محادثات بين طهران وواشنطن حول البرنامج النووي كان يمكن أن تفتح باب تخفيف للعقوبات، لكنها لم تنته إلى اتفاق.
وبعد ضربات جوية إسرائيلية وأميركية في يونيو 2025 استهدفت منشآت نووية ودفاعية، تراجع هامش قدرة الرقابة الدولية على تقييم برنامج اليورانيوم عالي التخصيب.
وفي سبتمبر 2025 أعيد فرض عقوبات أممية شاملة، ما زاد القيود على الاقتصاد.
ما المختلف في هذه الاحتجاجات؟
شهدت إيران موجات احتجاج سابقة كانت شرارتها غالبا سياسية أو اجتماعية، لكن هذه المرة جاء الدافع اقتصاديا بالدرجة الأولى تدهور العملة، تضخم مرتفع، وتراجع واضح في مستوى المعيشة.
وتحدثت تقارير عن اتساع الغضب، بسبب التلوث المزمن ونقص الغاز والكهرباء وسوء إدارة الموارد، إضافة إلى تعديل آلية دعم الوقود في ديسمبر، بما رفع أسعار البنزين وزاد الأعباء على الأسر والشركات.
وفي مواجهة الاحتجاجات، قال المرشد الأعلى علي خامنئي إن "مثيري الشغب يجب وضعهم في مكانهم"، وجرى توقيف أشخاص وصفوا في وسائل إعلام رسمية بمحرضين.
وفي المقابل، وصف الرئيس مسعود بزشكيان، وهو سياسي معتدل، مطالب المحتجين بأنها مشروعة، ودعا قوات الأمن إلى عدم استهداف المتظاهرين السلميين.
أعلنت الحكومة، أنها ستنهي دعم سعر الصرف الأجنبي لأنه يغذي الفساد، مع خطط لزيادة الإعانات لتقليل أثر الأسعار على السلع الأساسية، لكن إذا لم تُترجم هذه الإجراءات إلى تحسن سريع في القوة الشرائية واستقرار في سوق الصرف، فقد تواجه البلاد ضغطا مزدوجا يتمثل في غضب داخلي متزايد وبيئة خارجية أكثر عداء.