اتخذت حكومات في أوروبا خطوات جادة نحو الانضباط المالي خلال الأسبوعين الماضيين، بعدما أعاد ارتفاع عوائد السندات الأميركية وسندات دول أخرى وتصاعد تكاليف الفائدة إلى الأذهان ذكريات أزمة ديون منطقة اليورو.
وتشمل هذه الخطوات موازنة فرنسا التي تستهدف تقليص العجز، ومؤشرات على نهج أكثر واقعية، ومقترحاً من رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام لإنهاء نظام "الضمان الثلاثي" لمعاشات التقاعد الحكومية، إضافة إلى خفض إيطاليا خطط الاقتراض لتمويل الإنفاق الدفاعي، بحسب تقرير بلومبرغ.
هذه الخطوات قد لا تكفي لردع مستثمري السندات الذين كادت مضارباتهم تتسبب في انهيار اليورو سابقاً، ومن المبكر الجزم بما إذا كانت تمثل تحولاً جذرياً أم إجراءات مؤقتة.
وتبدو الصورة في أوروبا مغايرة لواشنطن، حيث يولي السياسيون اهتماماً أقل لوقف الارتفاع السريع في مستويات الدين.
ضغوط على الأسواق
وقال رئيس فريق التصنيفات السيادية في أوروبا الغربية لدى "فيتش ريتنغز" فيديريكو باريغا سالازار: "إدراك مشكلات المالية العامة أصبح الآن واسع الانتشار في أوروبا، بين صناع السياسات والفاعلين الاقتصاديين، وربما أيضاً بين شرائح متزايدة من السكان".
تراجعت أسعار السندات في الاقتصادات المتقدمة خلال الأسابيع الماضية، مع استعداد الأسواق لمزيد من الضغوط السعرية الناجمة عن أزمة الطاقة في الشرق الأوسط.
وبلغ العائد الإضافي الذي يطالب به المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الفرنسية لأجل 10 سنوات مقارنة بنظيرتها الألمانية أعلى مستوياته منذ 2011، فيما قفز فارق عائد السندات الإيطالية أيضاً.
وارتفعت عوائد السندات البريطانية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، إذ تضمن تسعيرها علاوة مخاطر تبلغ 30 نقطة أساس، وفق حسابات "بلومبرغ إيكونوميكس".
وقال كبير مسؤولي المالية في المفوضية الأوروبية، فالديس دومبروفسكيس لبلومبرغ، رافضاً مقترحات إيطالية ويونانية لمنحهما مرونة إضافية في الموازنة: "ما أؤكد عليه هو ضرورة التحلي بالحرص المالي، لا سيما في ظل التطورات الحالية في سوق السندات".
وقال كارلو كابوانو، نائب رئيس قسم التصنيفات السيادية والقطاع العام لدى "سكوب ريتنغز"، إنه يتوقع أن تبذل أحزاب المعارضة في فرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا جهوداً أكبر بكثير لطمأنة الأسواق، إذ تُجرى انتخابات في هذه الدول خلال العامين الجاري والمقبل.
وأشار مسؤول كبير في منطقة اليورو، طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إلى أن أسواق السندات تفرض قدراً من الانضباط.
فرنسا تعاني
وتضمنت الموازنة الفرنسية، إجراءات بقيمة 43 مليار يورو (48.3 مليار دولار) لخفض العجز في العام المقبل إلى 5% من 5.4%، ووصفها وزير المالية رولان ليسكور بأنها "جهد كبير".
وتقترح الحكومة خفض العجز إلى ما يصل إلى 3.7% في 2027،
وقال "ليسكور" أمام جمعية الصحفيين الاقتصاديين والماليين في باريس هذا الأسبوع: "لا بد من الإقرار بأن ضغوط أسواق المال تساعدنا قليلاً. لم أسمع اليوم أي حزب يدعو إلى تيسير السياسة المالية. لدي انطباع بأن حتى لوبان باتت تؤمن بالانضباط المالي".
إيطاليا وبريطانيا
في إيطاليا، بدا أن اتساع فارق عوائد السندات الأسبوع الماضي أثار قلق رئيسة الوزراء جورجا ميلوني، ودفعها إلى تقليص خطط الاقتراض لتمويل الإنفاق الدفاعي بما يصل إلى 8 مليارات يورو في اللحظات الأخيرة.
وتعتزم روما الآن تخصيص 0.6% من الناتج للإنفاق العسكري الإضافي خلال عامين، بدلاً من 0.9%.
أما في بريطانيا، فلم تتضح بعد التداعيات الكاملة لخطاب "بيرنام" أمام مؤتمر حزبه في 29 سبتمبر، لكن تعهده بإصلاح نظام المعاشات يحمل دلالة رمزية كبيرة. وقال إنه سيبعث "رسالة ثقة واستقرار إلى الأسواق والعالم".
لكن بيرنام نفسه قال سابقاً إن على بريطانيا أن تصبح أقل "ارتهاناً" لأسواق السندات، وهو موقف عبّر عنه سياسيون أوروبيون كثيرون.



