دخل النزاع التجاري بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة أكثر حدة، بعدما فشل البلدان في اللحظات الأخيرة في إتمام صفقة كانت ستمنع جولة جديدة من الرسوم الجمركية وتخفف القيود المفروضة على قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم الكندية.
وبدأت واشنطن تطبيق رسوم بنسبة 50% على واردات كندية تقترب قيمتها من 20 مليار دولار، بينما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، تعليق المفاوضات والاستعداد للرد بإجراءات تعادل الرسوم الأميركية من حيث القيمة.
اتفاق أميركا وكندا ينهار في اللحظات الأخيرة
جاء انهيار الاتفاق بعد 3 أيام متتالية من المفاوضات المكثفة في واشنطن، بين الوزير الكندي المسؤول عن التجارة مع الولايات المتحدة دومينيك لوبلان، والممثل التجاري الأميركي جيميسون جرير.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أرجأ تطبيق الرسوم لمدة 3 أيام، من 19 إلى 22 أغسطس 2026، معلنًا أن البلدين توصلا إلى اتفاق يحتاج فقط إلى استكمال الوثائق.
لكن كارني اكتفى بالقول إن تقدمًا ملموسًا تحقق، مع بقاء أعمال مهمة يتعين إنجازها، ما أظهر أن أوتاوا لم تكن تعتبر الصفقة منتهية مثلما قدمتها واشنطن.
وبعد استمرار المحادثات حتى الساعات الأخيرة من الجمعة، أعلن كارني وقفها وعودة المفاوضين الكنديين إلى أوتاوا، متهمًا الجانب الأميركي بإدخال تغييرات متأخرة وصفها بأنها مجحفة وغير اقتصادية وتثير الشكوك حول إمكان الاعتماد على الاتفاق.
في المقابل، قالت واشنطن إن كندا تراجعت عن تفاهمات سبق الاتفاق عليها. ولم يكشف أي من الطرفين رسميًا عن طبيعة التعديلات الأخيرة التي أدت إلى انهيار الصفقة.
ماذا كانت الصفقة ستقدم لكندا؟
كانت الولايات المتحدة تدرس خفض الرسوم على السيارات والشاحنات المصنعة في كندا إلى 15% بدلًا من 25%، بينما طالبت أوتاوا بخفضها إلى 10%.
وكان المقترح الأميركي يسمح بخصم قيمة المكونات المصنعة في الولايات المتحدة من القيمة الخاضعة للرسوم، ما كان سيخفض المعدل الفعلي على بعض السيارات إلى أقل من 15%.
لكن طريقة حساب المكونات ظلت محل خلاف، إذ أرادت كندا حماية سلاسل الإنتاج المتكاملة في أميركا الشمالية، بينما ركزت واشنطن على منح المزايا للمكونات الأميركية تحديدًا.
وتضمنت الصفقة أيضًا خفض رسوم الصلب والألومنيوم الكنديين من 50% إلى 25%. وكان التخفيض المقترح للصلب سيطبق داخل حصة سنوية يرجح أن تبلغ أربعة ملايين طن، بينما تخضع الكميات التي تتجاوزها لرسم 50%.
التنازلات الأميركية المطلوبة من كندا
طلبت واشنطن في المقابل إلغاء أو تخفيف الرسوم الكندية الانتقامية على السيارات والصلب والألومنيوم الأميركي، وإعادة المشروبات الكحولية الأميركية إلى متاجر المقاطعات.
وكانت معظم المقاطعات الكندية قد أوقفت بيع تلك المنتجات ردًا على رسوم ترامب، ما أدى إلى تراجع صادرات النبيذ والمشروبات الروحية الأميركية إلى كندا.
كما طالبت الولايات المتحدة بتوسيع وصول منتجات الألبان الأميركية إلى السوق الكندية. وتعترض واشنطن على نظام إدارة المعروض الذي يحمي منتجي الألبان والدواجن والبيض من خلال حصص إنتاج ورسوم مرتفعة يمكن أن تتجاوز 200% على الكميات المستوردة خارج الحصص.
ورفضت الحكومة الكندية سابقًا وضع نظام إدارة المعروض على طاولة التفاوض، بسبب أهميته الاقتصادية والسياسية للمزارعين، خصوصًا في كيبيك وأونتاريو.
وشملت المطالب الأميركية أيضًا تحسين وصول الشركات إلى المشتريات الحكومية الكندية، والتراجع عن سياسات تفضيل المنتجات المحلية، ومعالجة الخلافات المتعلقة بالتجارة الرقمية والأمن الاقتصادي.
رسوم أميركية على واردات بقيمة 20 مليار دولار
تشمل الرسوم الجديدة النبيذ ومنتجات الألبان والأسمنت والأثاث ومعدات الهوكي وأحواض السباحة وأدوات صيد الأسماك والبذور والملابس ومنتجات أخرى.
وتمثل هذه السلع نحو 5.2% من إجمالي واردات الولايات المتحدة من كندا، التي بلغت قرابة 382 مليار دولار خلال 2025.
ورغم محدودية النسبة، فإن الرسوم تتركز في صناعات تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الأميركية، ولا تستطيع كثير من الشركات تحمل ضريبة تبلغ 50% أو تمريرها بالكامل إلى المستهلك.
كما تطبق الإجراءات الجديدة حتى على السلع المستوفية لقواعد اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي كانت تحمي معظم الصادرات الكندية من الرسوم السابقة.
ترامب يستخدم قانونًا من عام 1930
استند ترامب إلى المادة 338 من قانون التعريفة الجمركية لعام 1930، التي تسمح للرئيس بفرض رسوم تصل إلى 50% على واردات دولة يرى أنها تمارس تمييزًا ضد التجارة الأميركية.
ويمثل القرار أول استخدام معروف لهذه المادة منذ صدور القانون قبل نحو قرن. وبررت واشنطن الخطوة بالقيود الكندية على السيارات والألبان والمشروبات الكحولية، إلى جانب استمرار رسوم أوتاوا الانتقامية.
أما كندا فترى أن إجراءاتها جاءت ردًا على رسوم أميركية أحادية انتهكت اتفاقية التجارة الحرة، وأن واشنطن تستخدم الرد الكندي مبررًا لجولة جديدة من التصعيد.
كيف بدأت الحرب التجارية؟
بدأت الأزمة في فبراير 2025، عندما أمر ترامب بفرض رسوم بنسبة 25% على معظم الواردات الكندية، إلى جانب رسم بنسبة 10% على منتجات الطاقة، وربط القرار بمطالب تتعلق بالهجرة وتهريب الفنتانيل.
وردت كندا بفرض رسوم بنسبة 25% على واردات أميركية قيمتها 30 مليار دولار كندي، ثم وسعت ردها بعد فرض واشنطن رسومًا على الصلب والألومنيوم والسيارات.
وفي يونيو 2025، رفعت الولايات المتحدة رسوم الصلب والألومنيوم إلى 50%، ما زاد الضغوط على الشركات الكندية وسلاسل الإنتاج المشتركة بين البلدين.
وخففت حكومة كارني لاحقًا جانبًا كبيرًا من الرسوم الانتقامية على السلع الأميركية المتوافقة مع اتفاقية التجارة الحرة، لكنها أبقت القيود المتعلقة بالسيارات والصلب والألومنيوم.
مستقبل اتفاقية التجارة الحرة
يتزامن التصعيد مع مراجعة اتفاقية التجارة بين أميركا وكندا والمكسيك، التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2020.
ورفضت الولايات المتحدة في يوليو 2026 تمديد الاتفاقية تلقائيًا لمدة 16 عامًا أخرى. وتظل الاتفاقية سارية حتى 2036، لكنها ستخضع لمراجعات سنوية ما لم تتوصل الدول الثلاث إلى تفاهم جديد.
وتسعى واشنطن إلى تشديد قواعد المنشأ في صناعة السيارات وزيادة المكونات الأميركية والإقليمية ومنع الشركات الصينية من استخدام كندا أو المكسيك للاستفادة من مزايا الاتفاقية.
وكان نجاح الصفقة الأخيرة سيخفف التوتر قبل استكمال المراجعة، لكن انهيارها يزيد صعوبة المحادثات ويضع كندا تحت ضغط أكبر إذا توصلت المكسيك إلى تفاهمات منفردة مع واشنطن.
التداعيات الاقتصادية لفشل الاتفاق
تعتمد كندا على السوق الأميركية في استيعاب نحو 72% من صادراتها، ما يجعل اقتصادها شديد التأثر بأي قيود تجارية جديدة.
ولا تقتصر المخاطر على السلع المشمولة بالرسوم الأخيرة، بل تشمل تراكم الإجراءات فوق الرسوم الحالية على السيارات والمعادن والأخشاب، وما يصاحبها من تأجيل للاستثمارات وخفض للإنتاج والوظائف.
أما الشركات الأميركية المستوردة فتتحمل الرسوم عند دخول السلع، ثم تختار بين رفع الأسعار على المستهلكين أو تقليص أرباحها أو البحث عن موردين جدد.
ورغم تعليق المفاوضات، لا تزال شروط الصفقة المنهارة أساسًا محتملًا لأي تسوية مستقبلية، لكنها كشفت أن الأزمة لم تعد مرتبطة بنسب الرسوم وحدها، بل أيضًا بمدى ثقة كندا في استقرار الالتزامات الأميركية ومستقبل التكامل الاقتصادي في أميركا الشمالية.


