خبير يكشف تغيرات السوق
يرى المحلل الفني لأسواق المال أسامة زرعي، أنّ ما حدث في أسواق التداول خلال مارس، لا يمكن اعتباره مجرد موجة تقلب عابرة، بل هو تحوّل هيكلي قصير الأجل في سلوك السيولة والتسعير داخل الأسواق العالمية، خصوصًا في سوق السندات الذي يُعد مرآة لتوقعات الاقتصاد الكلي.
زرعي يوضح، في حديث مع "المشهد"، أنّ تصفية صناديق التحوط الأوروبية لمراكزها بشكل متزامن، خلقت ما يُعرف فنيًا بـ Liquidity Vacuum، وهو اختفاء المشترين والبائعين مع وجود فجوة سيولة، وهو ما يفسر الهبوط الحاد في مستويات السيولة إلى نحو 10% فقط من معدلاتها الطبيعية، وهذا النوع من التحركات، من وجهة نظره، يعكس ضغطًا وليس قرارًا استثماريًا في ظرف طبيعي، ما يزيد من حدة التذبذب ويؤدي إلى تسعير غير كفء للأصول.
ويضيف أنّ اتساع الفارق بين أسعار العرض والطلب بنسبة 27% في سندات الخزانة الأميركية، يمثل إشارة فنية شديدة السلبية، حيث يدل على أنّ السوق أصبح أكثر هشاشة، وهو ما يدفع صناع السوق إلى تقليل انكشافهم وتقسيم الصفقات، ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع تكلفة التنفيذ وتراجع كفاءة التسعير.
وتعقيبًا على تراجع شهية المخاطرة لدى صناع السوق، قال إنها ظاهرة خطيرة وتضرب قواعد التداول، لأنهم صانع السوق هو مزود السيولة الرئيسي، وعندما يبدأ في الانسحاب أو التحفظ، فإنّ ذلك يُدخل السوق في ما يُعرف بحالة التحوط الكبرى أو القصوى، حيث تصبح التحركات السعرية أكثر حدة حتى مع أحجام تداول محدودة.
خسائر الصناديق
وأشار إلى أنّ حرب إيران لعبت دور المحفز وليس السبب الوحيد في الصناديق، حيث جاءت في توقيت كانت فيه الأسواق ممتدة نحو الصعود وتعاني من تشبع شرائي عبر أصول عدة، ما جعلها أكثر عرضة لأيّ صدمة خارجية، لذلك جاءت صدمة الحرب لتخلق حالة من النزيف في الأسهم.
وفي سوق الذهب، يلفت إلى أنّ تراجع المعدن رغم كونه ملاذًا آمنًا يعكس سلوك المستثمرين نحو السيولة النقدية، وليس فقدان الثقة في الذهب، وهو نمط يتكرر في المراحل الأولى من الأزمات عندما يسعى المستثمرون لتغطية مراكزهم، لأنّ النفط سحب السيولة مع ارتفاعات بلغت أكثر من 45% خلال 3 أسابيع.
وفي أوروبا، ساهمت صناديق التحوط، التي تهيمن حاليًا على تداول السندات، في تعزيز هذه التحركات من خلال تصفية عدد من مراكزها بسرعة هذا الشهر.
ويقول مستثمرون إنهم واجهوا صعوبة في بعض الأحيان في الحصول على أسعار أو تنفيذ صفقات خلال مارس، إذ يخشى صناع السوق من المشاركة في مراكز كبيرة قد تصبح سريعًا غير مربحة.
وقال راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة جاما لإدارة الأصول: "عندما نحاول التداول، يستغرق الأمر وقتًا أطول، يريد (صناع السوق) منا التحلي بمزيد من الصبر وتقسيم الصفقات إلى أحجام أصغر"، مضيفًا أنّ الفجوات اتسعت بين سعر الشراء الذي يستهدفه صناع السوق للأصل وسعر بيعه المستهدف، ونتيجة لذلك، قلص الجميع أحجام مراكزهم".
تقلبات الأسهم
وارتفعت مؤشرات تقلبات مختلفة إلى مستويات شهدتها خلال أزمات سوق سابقة، ومنها مؤشرات الأسهم والسندات والنفط والذهب.
وظهرت تصدعات حتى في أسواق السندات الحكومية التي تتسم عادة بقوة التداولات ووفرة السيولة، وهي حجر زاوية في التمويل العالمي، تضررت بشدة من خشية المستثمرين من مخاطر التضخم.
ويقول بنك مورغان ستانلي، إنّ الفارق بين أسعار العروض والأسعار المطلوبة على سندات الخزانة الأميركية الجديدة لأجل عامين، وهو مقياس رئيسي على متانة السوق وتكلفة معاملات الأوراق المالية الأكثر تداولًا، زاد بنسبة %27 تقريبًا في مارس مقارنة بمستويات فبراير، ما يشير إلى أنّ المتعاملين يفرضون علاوة أعلى لتحمّل المخاطر.
سوق العقود الآجلة
من المؤكد أنّ أحدث أعراض الضغوط على الأسواق، شوهدت من قبل خلال فترات اضطراب سابقة، كما حدث خلال رسوم "يوم التحرير" الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أبريل الماضي، وجائحة كوفيد-19 في 2020.
لكنّ هذه الموجة من التقلبات جاءت في وقت شهدت فيه الأسواق حالة توسع، إذ استغل المستثمرون ارتفاعًا كبيرًا في جميع فئات الأصول، ما يشير إلى احتمال حدوث تصحيح أكبر إذا استمرت الحرب لوقت أطول وتبخرت السيولة.
وفي أوروبا، ظهرت التبعات السلبية بشكل أكثر وضوحُا في سوق العقود الآجلة لأسعار الفائدة قصيرة الأجل، إذ احتسب المتعاملون بسرعة أثر تطبيق زيادات كبيرة في أسعار الفائدة من البنوك المركزية.
وقال دانيال أكسان، الرئيس المشارك لقسم أسعار الفائدة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى مورغان ستانلي، إنّ السيولة "انخفضت بشكل حاد" في مرحلة ما، إذ وصلت إلى %10 فقط من المستويات المعتادة.
وأضاف أنّ وضع غياب السيولة وتحركات الأسعار "ذكّرني بأيام كوفيد".
وقالت 3 هيئات معنية بتنظيم الشؤون المالية في أوروبا يوم الجمعة، إنّ التوتر الجيوسياسي المستمر، وبالتحديد الحرب في الشرق الأوسط، يشكل مخاطر جسيمة على المشهد المالي العالمي من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية المحتملة، وضعف النمو الاقتصادي. وكررت هذه الهيئات تحذيرها بشأن تأثير التقلبات على السيولة، وبشأن مخاطر التأرجح المفاجئ في الأسعار.
حماية الأرباح
لا يزال التداول طبيعيًا حتى الآن، لكن قلة المشترين زادت في وقت يسارع فيه مستثمرون إلى تقليل المخاطر والتحول إلى النقد، ما يدفع المتعاملين بدورهم إلى التردد في اتخاذ القرارات.
وقال توم دي جالوما، العضو المنتدب في قسم تداول أسعار الفائدة العالمية في شركة ميشلر فاينانشال للوساطة المالية: "خسرت الشركات الكثير من الأموال، سواء في جانب البيع أو جانب الشراء، لدرجة الوصول إلى أزمة سيولة مع غياب المتعاملين"، في إشارة إلى سوق سندات الخزانة الأميركية.
ورغم أنّ أحجام التداول في سندات الخزانة زادت، يقول محللون إنّ بعض هذه الصفقات تمت بدافع الضرورة وليس بالاختيار.
وقال إيلي كارتر، محلل أسعار الفائدة الأميركية في مورغان ستانلي: "مع اتساع الفارق بين السعر المعروض والسعر المطلوب، يصبح تنفيذ الصفقة أكثر تكلفة وأقل جاذبية للناس للدخول في صفقات، لكنّ حقيقة أنك لا تزال ترى أحجامًا عالية للغاية، تشير إلى أنّ بعض هذه الصفقات شكلت عمليات تخارج من مراكز أو تصفية قسرية".
صناديق أوروبا
مثلت عمليات البيع الكبيرة في السندات الأوروبية على وجه الخصوص، مثالًا على التأثير الذي قد تحدثه صناديق التحوط على هذا السوق في أوقات الضغوط، وهو خطر أشار إليه بنك إنجلترا تحديدًا في ظل نمو أثرها بسرعة في السنوات القليلة الماضية.
وأظهرت أحدث بيانات تريد ويب لعام 2025، أنّ صناديق التحوط صارت تشكل أكثر من %50 من أحجام التداول في أسواق السندات الحكومية في بريطانيا ومنطقة اليورو.
ويوفر وجود تلك الصناديق في أسواق السندات السيولة في الأوقات الجيدة، لكنّ الكثير منها تكالب على الصفقات نفسها، والتي سرعان ما ثبت أنّ بعضها خاسر.
لكنّ صناع السوق ما زالوا يواجهون ضغوطًا للفوز بالأعمال حتى مع تقليل العملاء لتكرار وحجم الصفقات.
وقال ساجار سامبراني، وهو من كبار متعاملي خيارات العملات في بنك نومورا، إنّ أسعار الطلبات الكبيرة زادت مقارنة بظروف السوق العادية لمراعاة مخاطر السوق. لكنه أضاف: "على عكس المتوقع، فإنّ أسعار الطلبات الصغيرة أصبحت أقل من المعتاد، إذ يسعى صناع السوق جاهدين للاستفادة من انخفاض تدفقات العملاء".
ففي سوق الذهب، التي تتأثر بشدة بأسعار الفائدة، قال موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة أرافالي لإدارة الأصول، إنّ هناك أيامًا غاب فيها صناع السوق تمامًا، ما يشير إلى العزوف عن إجراء معاملات.
وتراجع سعر الذهب، وهو عادة من أصول الملاذ الآمن، هذا الشهر بعد ارتفاع قياسي في 2025.
وقال ديف: "لا يريدون جني المال في الوقت الحالي، ولا يريدون خسارة المال من خلال الوجود في السوق. إذا أتيحت لهم الفرصة، فإنهم لا يريدون الوجود في السوق".