أعلنت الحكومة المصرية الأسبوع الماضي قرارًا بالإغلاق المبكر لمدة شهر على الأقل، يقضي بإغلاق المحال في الـ9 مساء خلال الأسبوع وفي الـ10 خلال نهاية الأسبوع، مع التمديد حتى الـ11 أثناء احتفال الأقباط بالفصح الأسبوع المقبل. ويؤدي القرار إلى تغيير جذري في حياة القاهرة، التي طالما وصفها محبوها بالـ"ساهرة".
القاهرة تغرق في الظلام
وقبل القرار، كانت شوارع القاهرة وخصوصًا في نهاية الأسبوع، تعج بالعائلات التي تخرج للنزهة والشباب الذين يجتمعون في المقاهي التي تتصاعد منها أصوات الموسيقى. أمّ اليوم، تنتهي المساءات بالإسراع في إنهاء الأعمال وشراء الحاجيات، قبل أن تنطفئ الأنوار وتغلق الأبواب في الـ9، بينما تمر دوريات الشرطة للتأكد من الالتزام بالتعليمات.
ويقول علي حجاج (53 عامًا)، العامل في أحد محال بيع الملابس بوسط المدينة، إنّ "البيع والشراء كانا يبدآن في الـ9، ولكن الآن بات الوضع أشبه بأيام تفشي فيروس كورونا، بعد أن كانت المدينة لا تنام".
تقليص الدخل
وفي ساعات الليل، يتوجه البعض للفنادق والمطاعم على ضفة النيل والتي استثنتها الحكومة من قرار الإغلاق المبكر كونها وجهات سياحية، غير أنه لا يمكن للجميع تحمل نفقاتها.من جانبها، تعاني الأنشطة التجارية الصغيرة من آثار الإغلاق. ويوضح حجاج أنّ متجره خسر أكثر من نصف مداخليه خلال أيام فقط.
ويؤكد المسؤولون أنّ القرار كان حتميًا، نظرًا لاعتماد البلاد الكبير على الوقود المستورد.
وارتفعت أسعار الطاقة العالمية بشكل كبير منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير.
وبحسب رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ازدادت فاتورة استيراد الطاقة الشهرية في مصر أكثر من مرتين بين يناير ومارس، لتصل إلى 2.5 مليار دولار.
ويُخصص نحو 60% من ميزانية النفط السنوية التي تبلغ 20 مليار دولار لتشغيل شبكة الكهرباء.
إجراءات استثنائية
وفي الأسابيع الأخيرة، اتخذت الحكومة ما وصفته بـ"إجراءات استثنائية"، شملت رفع أسعار الوقود وإبطاء وتيرة المشاريع الحكومية وتطبيق نظام العمل عن بُعد أيام الأحد وتخفيف إضاءة الشوارع.
ويرى منتقدو القرار أنّ الإغلاق المبكر يؤثر بشكل غير متناسب على القطاع غير الرسمي، الذي يشكل نحو ثلثي إجمالي الوظائف في مصر.
ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس لوكالة فرانس برس: "تعتمد ملايين الشركات الصغيرة على حركة المشاة في المساء.. إنّ تقليص ساعات العمل هذه يعني تقليص الدخل".
ومنذ بدء الحرب، انخفضت قيمة الجنيه المصري بنحو 15%، مسجلًا مستوى قياسيًا بلغ 54.3 جنيها للدولار الأميركي، بينما بلغ معدل التضخم في مارس 13.6%.
وفي مواجهة القرار، لجأت بعض المقاهي في الشوارع الجانبية إلى أسلوب اعتمدته خلال جائحة كوفيد، عبر تخفيف الإضاءة وإغلاق أبوابها على الزبائن الذي يظلون داخلها، مع تكليف أحد الأطفال الوقوف عند مدخل الشارع للإبلاغ عن اقتراب دوريات الشرطة.
كيف أغلق في الـ9؟
وفي الواقع، أكثر من يعاني جراء قرار الإغلاق المبكر، هما الأماكن السياحية وصالات السينما.ويصف المنتج السينمائي غابي خوري القرار بأنه "كارثي"، مؤكدًا أنّ 60% من إيرادات الصالات تأتي من عروض الـ9 والـ12 ليلًا". وأضاف أنه تم تأجيل عرض العديد من الأفلام فيما تم إرجاء العمل على بعض الأعمال إلى أجل غير مسمى.
ويخشى قطاع السياحة، وهو مصدر رئيسي للدخل القومي والعملات الأجنبية، من تراجع حاد.
وفي حين استثنى القرار المنتجعات السياحية الكبرى في مدن مثل الأقصر وأسوان بجنوب مصر، فإنه يشمل المعالم التاريخية في القاهرة مثل سوق خان الخليلي العريق.
وبحلول الساعة الـ9 ليلًا، يبدأ أصحاب متاجر خان الخليلي بإزالة البضائع وإغلاق المحال رغم استمرار السياح في التجول بين أزقة السوق.
ويقول أحمد علي الذي يعمل في أحد المتاجر "الساعة تقترب من الـ8 مساء ولا يزال السيّاح يصلون، كيف يمكنني أن أغلق في الـ9؟". ويتساءل "هل سيقضي السياح ساعة واحدة فقط في السوق؟.. هذا غير معقول".
ويشير مسؤول في قطاع السياحة لفرانس برس، إلى أنّ "السياح وخصوصًا العرب، يأتون ليعيشوا أجواء المدينة". ويقول طالبا عدم كشف هويته: "القاهرة بالنسبة إليهم تعني السهر والحركة في كل مكان.. حين يذهب المصريون للمنازل في وقت مبكر، تزول هذه الأجواء وسيبحث السياح تاليًا عن وجهات أخرى".