تتّجه ليبيا لاعتماد "نظام الكفيل" ما يثير مخاوف العديد من الدول التي تملك حضورًا كبيرًا للعمالة فيها ومن بينها الجارة تونس.
وأثار التوجه الليبي الجديد العديد من التساؤلات حول مستقبل العمالة التونسية بالبلد وهل ستكون مشمولة بالقرار الجديد أم أنها قد تستثنى منه؟
الكفالة في ليبيا
وينص نظام الكفيل على إنشاء حساب للشركات الليبية التي ستصبح كفيلة للعامل على أن يصبح هذا الأخير مطالبًا بدفع رسوم وضرائب.
وكان وزير العمل في حكومة الوحدة الوطنية الليبية علي العابد، أكّد في تصريحات صحفية توجه بلده لتطبيق هذا النظام، مؤكدًا أنه إجراء جديد تنص عليه الفقرة السادسة من القانون رقم 24 لسنة 2023 لـ"مكافحة توطين الأجانب في ليبيا".
وأوضح الوزير الليبي أنّ الشركات المحلية ستكون الكفيل الرسمي أمام الدولة الليبية للعمالة الأجنبية التي سيجري استجلابها.
وبحسب المسؤول الليبي فقد بدأ تطبيق هذا الإجراء على أن يمنح العاملون الأجانب فترة سماح بـ3 أشهر لتصحيح وضعياتهم.
سوق العمالة في ليبيا
وعن أهداف هذا الإجراء الليبي، أوضح المتحدث ذاته أنّ نظام الكفيل يساهم في:
- إشراك الشركات وأصحاب العمل الليبيين في تحمل مسؤولية سلامة الأجانب العاملين في البلاد وأماكن وجودهم وسلامة إجراءاتهم القانونية والصحية.
- تنظيم سوق العمل مثلما تفعل ذلك كل دول العالم.
وكثيرًا ما كان العمال الأجانب خصوصًا في السنوات الأولى التي أعقبت حوادث 2011 هدفًا للاعتداءات من المليشيات المسلحة، وفي هذا الصدد أكدت تقارير دولية تعرضهم لسوء المعاملة والاستغلال وحتى الاختطاف والتعذيب من الجماعات المسلحة التي تنشط بعيدًا عن رقابة السلطة مستغلة حالة الفوضى والانقسام في البلد الإفريقي.
ولا تقف أهداف المشروع عند حماية العامل الأجنبي فقط، فوفق الوزير الليبي يستفيد العمال الوافدون من الخدمات ذاتها التي ينتفع بها المواطن الليبي وفي مقدمتها الدعم وفي المقابل لا يدفعون أي رسوم أو ضرائب على الدخل.
وتشتكي سوق العمالة في ليبيا من الفوضى وفق تقارير عدة.
ويعمل في ليبيا نحو 2.1 مليون عاملاً أجنبيا حتى نهاية 2022، أغلبهم يعمل في قطاعات غير رسمية من بينها الإنشاءات والمهن اليدوية والتجارة والزراعة، فيما يشتغل عدد قليل منهم في قطاعات الصحة والتدريس والسياحة، وفق مسح قامت به وزارة العمل والتأهيل بحكومة الوحدة الوطنية.
وسيستثني هذا القانون أصحاب رؤوس المال الذين يتوجهون لليبيا للاستثمار، وفق الوزير الليبي الذي أوضح أن هناك إجراءات أخرى خاصة بهذا الصنف من الوافدين.
انتقادات عدة
وأثارت تصريحات الوزير الليبي انتقادات عديدة من جهات سياسية وحقوقية ذهبت لاعتباره شكلاً من أشكال الإتجار بالبشر، وحذر عدد من الحقوقيين من تداعياته السلبية على وضع العمال الأجانب في ليبيا.
في المقابل، تحدث المحلل السياسي الليبي حازم الرايس عن التداعيات الاقتصادية والسياسية لهذا النظام، مؤكدا في تصريح لـ"المشهد" أنّ هذا الإجراء الجديد الذي لا تزال أهدافه أو كيفية تطبيقه غير واضحة لا يخدم مصلحة ليبيا في الوقت الحالي، موضحًا أن البلد في حاجة كبيرة للعمالة الوافدة من أجل مشاريع إعادة الإعمار.
ويلفت إلى أن في حضور هذه العمالة مصلحة متبادلة "فليبيا أيضا تستفيد منهم لأنها بحاجة لليد العاملة " وفق تعبيره، ويزيد "من المؤكد أن مثل هذا الإجراء سيؤثر على وضعية هذه العمالة التي لمسنا شعورها بالخوف من تطبيقه".
ويشير أيضا إلى أن هذا الإجراء قد تكون له تبعات على علاقات ليبيا بعدد من الدول، خصوصًا العربية ومن بينها الجارة تونس حيث يحضر التونسيون بأعداد كبيرة في سوق العمل الليبية.
ويتساءل المتحدث: "كيف يمكن لحكومة مؤقتة لا تمثل عموم الليبيين أن تقر قانونًا بمثل هذه الأهمية قد يكون له تداعيات على الوضع الليبي الداخلي والخارجي".
مخاوف تونسية
لم تشر تصريحات الوزير الليبي لوجود استثناءات لبعض الجنسيات من القرارات الجديدة بما في ذلك العمال التونسيين وهو ما فتح الباب أمام الكثير من التساؤلات.
ويقول المحلل السياسي التونسي جمعة القاسمي إنّ قانون نظام الكفيل الذي قالت حكومة الدبيبة إنها ستنطلق في تطبيقه ستكون له تداعيات كبيرة على كل الجاليات المقيمة في الغرب الليبي.
ويوضح في تصريح لـ"المشهد" أنّ:
- العدد الأكبر من العمالة التونسية في ليبيا يوجد في منطقة الغرب حيث أقرّت الحكومة هذا الإجراء وبالتالي فهي في تقديره معنية بشكل كبير بتداعياته.
- هذا الإجراء سيعطل مشاريع الإنشاءات الكبرى في ليبيا وسيقيد حرية التنقل والإقامة فيها.
- القرار مخالفة واضحة وصريحة لجل اتفاقيات هيكل اتحاد المغرب العربي والتي كانت ليبيا من بين الموقعين عليها وهي لاتزال سارية المفعول رغم حالة الموت السريري للاتحاد.
لكن الوزير الليبي أكد أنّ الاتفاقيات الموقعة مع دول عدة مثل تونس والمغرب ومصر وتركيا قديمة وسيقع تحديثها.
ولا توجد أرقام رسميّة حول عدد التونسيين الذين يعملون في ليبيا، لكن التقديرات تشير إلى أن عددهم يتراوح بين 120 ألف و150 ألف يعملون في قطاعات مختلفة.
ولا تفرض ليبيا تأشيرات على التونسيين لدخول أراضيها كما تفعل تونس الشيء نفسه مع الليبيين.
وفي تصور القاسمي، من الصعب تطبيق نظام الكفالة على أرض الواقع في ليبيا ويعود ذلك في تقديره لطبيعة المشهد الليبي المتسم بالتجاذبات السياسية وحضور المليشيات المسلحة ودورها، مؤكدًا أن هذه المليشيات لن تقبل بتطبيق هذا الإجراء لأنها ترغب في إبقاء الوضع كما هو عليه بمواصلة الاستفادة من العمالة الوافدة واستغلالها.
وعن تأثير تطبيق هذا النظام على العلاقات الدبلوماسية التونسية الليبية، يرجح القاسمي أن تتأثر بشكل محدود نظرًا لأن:
- العلاقات بين البلدين ليست في أحسن حالاتها فتونس اختارت أن تتحرك في مربع ضيق في ما يتعلق بالملف الليبي ما انعكس على تأثيرها في هذا الملف.
- حكومة الوحدة الوطنية الليبية غير قادرة على تطبيق الإجراء على أرض الواقع بسبب عجزها على السيطرة على المجال الجغرافي الليبي بأكمله.