خلال السنوات الماضية، تباطأ النمو الاقتصادي العالمي بسبب تداعيات فيروس كورونا والتغيرات المناخية، واشتعال الصراعات في عدد من دول العالم وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية.
ويعتبر استقرار الاقتصاد الكلى شرطا ضروريا من أجل التنمية والنمو، ومواجهة هذه التغيرات العالمية التي تزيد من الضغوط على اقتصادات الدول.
فما هو الاقتصاد الكلي؟
هو فرع الاقتصاد الذي يدرس سلوك وأداء الاقتصاد ككل.
ويركز على التغيرات الكلية في الاقتصاد مثل البطالة ومعدل النمو والناتج المحلي الإجمالي والتضخم، بحسب مجلة إيكونوميست تايمز.
ويعرّفه المحلل الاقتصادي حسان عبد الله، "بأنه هو اقتصاد المجتمع أو الدولة ككل، فهو معني بسلوك الاقتصاد ونشاطه على مستوى الدولة، كالناتج المحلي الإجمالي، والتضخم".
وذكر عبدالله في حديثه مع منصة "المشهد" أن الاقتصاد الكلي يهتم بالمتغيرات الاقتصادية الكلية على مستوى الدولة والمجتمع، ويدرس العلاقة بينها، فعلى سبيل المثال، يُمثّل الناتج المحلي الإجمالي (لأي دولة)، قيمة السلع والخدمات التي أُنتجت في تلك الدولة خلال فترة زمنية محددة.
وأضاف أن الاقتصاد الكلي يعكس الوضع الاقتصادي للدولة التي يمثّلها، فإذا ارتفع التضخم بنسبة معينة في الدولة، فإن ذلك يعني أن مستويات الأسعار في تلك الدولة قد ارتفعت بتلك النسبة.
وأشار عبدالله إلى أنه من خلال الاقتصاد الكلي يتم دراسة المشكلات المتعلقة بالاقتصاد كالبطالة والتضخم المرتفع وتباطؤ النمو، ونحوه، وتحليل البيانات واقتراح الحلول، واستخدام الأدوات اللازمة لحل تلك المشكلات.
وعليه فإن السياسة الاقتصادية الكلية، تهدف إلى:
- دعم النمو الاقتصاد.
- دعم الاستثمارات.
- احتواء البطالة.
- الحد من الفقر.
- كبح التضخم.
ومن أجل ذلك تستخدم الحكومات أدوات السياسة المالية المتمثّلة في الإنفاق والضرائب، وأدوات السياسة النقدية المتمثلة بشكلٍ أساسي في سعر الفائدة، بحسب المحلل الاقتصادي حسان عبدالله.
كما يدرس الاقتصاد الكلي:
- تأثير الناتج المحلي الإجمالي بالتغيرات في البطالة والدخل القومي ومعدلات النمو ومستويات الأسعار.
- تأثير الزيادة أو النقصان في صافي الصادرات على حساب رأس المال للدولة.
- تأثير الناتج المحلي الإجمالي بمعدل البطالة.

متى ظهر مفهوم الاقتصاد الكلي؟
ينظر الكثير من المؤرخين إلى الإنكليزي جون ماينارد كينز باعتباره مؤسس الاقتصاد الكلي، عندما نشر كتابه النظرية العامة للتوظيف والفائدة والمال عام 1936.
فقد توسّع في مفهوم تفضيلات السيولة وبنى نظرية عامة لكيفية عمل الاقتصاد.
وركزت نظرية كينز على كل من العوامل الاقتصادية والنقدية الحقيقية لأول مرة.
وأكدت أن الناتج الاقتصادي مرتبط إيجابيا بسرعة تداول المال.
أهمية دراسة الاقتصاد الكلي
- دراسة الاقتصاد الكلي مهمة للغاية لتقييم الأداء العام للاقتصاد من حيث الدخل القومي.
- يساعد على تقييم موارد وقدرات الاقتصاد.
- يساهم في إيجاد طرق لزيادة الدخل القومي وتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل للارتقاء بالاقتصاد من حيث التنمية النقدية.
- ويعد تحليل الاقتصاد الكلي ذا أهمية قصوى في الحصول على فكرة عن أداء النظام الاقتصادي.
- ضروري للفهم الصحيح للاقتصاد الجزئي.
- للاقتصاد الكلي أهمية قصوى لتحليل وفهم آثار التضخم والانكماش.
- يساعد الاقتصاد الكلي على دراسة طبيعة وحجم الرفاهية المادية للأمم.
- يتيح اتخاذ خطوات معينة لمواجهة التأثيرات السلبية للتضخم والانكماش.
- يساعد بشكل كبير في صياغة السياسات الاقتصادية.
ونتيجة للدراسة المتقدمة في الاقتصاد الكلي، أصبح من الممكن إيلاء المزيد من الاهتمام لمشكلة التنمية في البلدان المتخلفة.
لم تكشف دراسة الاقتصاد الكلي عن التفاوتات الصارخة في الثروة داخل الاقتصاد فحسب، بل أظهرت أيضا الاختلافات الشاسعة في مستويات معيشة الناس في مختلف البلدان مما يستلزم اعتماد خطوات مهمة لتعزيز رفاهيتهم الاقتصادية.
ويساعد الاقتصاد الكلي على فهم وتحليل أداء الاقتصاد، وتُستخدم تقديرات الناتج القومي الإجمالي أو الدخل القومي لقياس أداء الاقتصاد بمرور الوقت من خلال مقارنة إنتاج السلع والخدمات في فترة واحدة مع تلك الخاصة بالفترات الأخرى، يعطي تكوين الناتج القومي الإجمالي معلومات حول الكم.

سياسات الاقتصاد الكلي
عادة ما يتم تنفيذ سياسة الاقتصاد الكلي من خلال مجموعتين من الأدوات: السياسة المالية والنقدية.
ويتم استخدام كلا الشكلين من السياسة لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد، مما يساهم في تعزيز الاقتصاد على مستوى الناتج المحلي الإجمالي المتوافق مع التوظيف الكامل.
السياسة المالية
هي سياسة الاقتصاد الكلي حيث تقوم الحكومة بإجراء تغييرات في الإنفاق الحكومي أو الضرائب لتحفيز النمو. وتتعامل السياسة النقدية مع التغيرات في عرض النقود أو التغيرات مع المعايير التي تؤثر على عرض النقود في الاقتصاد.
كما أن قوانين العقود وسياسة إدارة الديون وسياسة الدخل هي بعض سياسات الاقتصاد الكلي الأخرى المصممة لتعديل مؤشرات الاقتصاد الكلي للاقتصاد.
وتركز سياسة الاقتصاد لتحقيق النمو واستقرار الأسعار وحل مشكلات التضخم والبطالة.
مبادئ الاقتصاد الكلي
يركز الاقتصاد الكلي على خمسة مبادئ رئيسية هي:
- الناتج الاقتصادي
هو أحد المبادئ الأساسية في الاقتصاد الكلي، ويتم قياسه من خلال الناتج المحلي الإجمالي لبلد أو منطقة.
وبحسب بنك "سي أي بي"، فإن الناتج المحلي الإجمالي يعد بطاقة قياس الأداء الاقتصادي، فهو القيمة الإجمالية لجميع السلع والخدمات النهائية التي تقوم بإنتاجها أي دولة باعتباره أداة شاملة لقياس إنتاج هذه الدولة.
النمو الاقتصادي
هو زيادة في إنتاج السلع والخدمات الاقتصادية، مقارنة من فترة زمنية إلى أخرى. ويمكن قياسه من الناحية الاسمية أو الحقيقية.
وتقليديا، يتم قياس النمو الاقتصادي الكلي من حيث الناتج القومي الإجمالي أو الناتج المحلي الإجمالي على الرغم من استخدام مقاييس بديلة في بعض الأحيان.
ويشير النمو الاقتصادي إلى زيادة في إجمالي الإنتاج في الاقتصاد. وفي كثير من الأحيان، ترتبط المكاسب الإجمالية في الإنتاج بزيادة متوسط الإنتاجية.
ويؤدي ذلك إلى زيادة الدخل، مما يلهم المستهلكين لفتح محافظهم وشراء المزيد، مما يعني جودة حياة مادية أعلى أو مستوى معيشي.
- التضخم والانكماش
هو انخفاض القوة الشرائية لعملة معينة بمرور الوقت، بحيث تشتري كل وحدة من العملات عددًا أقل من السلع والخدمات؛ وبالتالي فإن التضخم يتوافق مع انخفاض في القوة الشرائية للنقود.
أما الانكماش وهو انخفاض مستدام في المستوى العام لأسعار للسلع والخدمات.
- البطالة
يشير مصطلح البطالة إلى الأشخاص الذين يبحثون عن عمل، ولكنهم غير قادرين على العثور على عمل.
وتعتبر مقياسًا رئيسيًا لصحة الاقتصاد؛ لأنها تشير إلى قدرة (أو عدم قدرة) العمال على الحصول على عمل مربح والمساهمة في الناتج الإنتاجي للاقتصاد.
كما أن وجود المزيد من العاطلين يعني انخفاض إجمالي الإنتاج الاقتصادي.
ويتم احتساب معدل البطالة بقسمة عدد العاطلين عن العمل على عدد الأشخاص في قوة العمل.
وتشير معدلات البطالة المرتفعة والمستمرة إلى ضائقة خطيرة في الاقتصاد، بل وقد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية.
عوامل الاقتصاد الكلي
توجد مجموعة من العوامل التي تؤثر على الاقتصاد الكلي في أي بلد وهي:
1- معدلات الفائدة
تؤثر قيمة عملة الدولة بشكل كبير على صحة اقتصادها. وتعكس أسعار الفائدة مقدار العائد المكتسب من خلال استثمار الأموال في النظام المالي للبلد. وتشير أسعار الفائدة المرتفعة إلى قيمة أعلى لعملة الاقتصاد الوطني.
2- التضخم
يٌعرف التضخم بأنه زيادة في متوسط تكلفة السلع أو الخدمات خلال فترة زمنية.
والتضخم الذي يحدث بسرعة هو مقياس لعدم الاستقرار الاقتصادي أو الانكماش الاقتصادي بينما عادة ما يتم التنبؤ بالتضخم المطرد كعامل اقتصادي عادي.
3- السياسة المالية
تتشكل السياسة النقدية من قبل المؤسسات المالية الكبيرة في كل من القطاعين العام والخاص.
وتتخذ البنوك الكبيرة والوكالات الحكومية قرارات تؤثر على أسعار الفائدة والتضخم والميزانيات الفيدرالية.
4- الناتج المحلي الإجمالي
يٌعرف الناتج المحلي الإجمالي القيمة الاقتصادية الإجمالية للسلع والخدمات التي ينتجها بلد ما.
5- الدخل القومي
الدخل القومي هو المبلغ المجمع للأموال التي يولدها بلد ما داخل اقتصاده. ويساعد هذا الرقم الاقتصاديين في قياس النمو الاقتصادي جنبًا إلى جنب مع مستويات المعيشة للمواطنين بما في ذلك توزيع الدخل.
6- التوظيف
يقدم معدل البطالة في بلد ما مؤشرا على الصحة الاقتصادية للأمة. ويشير ارتفاع معدل التوظيف مقابل العاطلين عن العمل إلى اقتصاد أقوى. عندما يعمل غالبية المواطنين، فإن إنفاقهم يزيد من كمية الأموال المتداولة ويعزز الاقتصاد.
7- النمو الاقتصادي
عملية يتم فيها زيادة الدخل الحقيقي زيادة تراكمية ومستمرة عبر فترة ممتدة من الزمن (ربع قرن) بحيث تكون هذه الزيادة أكبر من معدل نمو السكان، مع توفير الخدمات الإنتاجية والاجتماعية وحماية الموارد المتجددة من التلوث، والحفاظ على الموارد غير المتجددة من النضوب.
8- التجارة الدولية
يؤثر تداول السلع والخدمات على المستوى الدولي على الصحة الاقتصادية لبلد ما من خلال الإشارة إلى قيمة عملتها والطلب عليها في جميع أنحاء العالم. والاقتصادات التي تصدر سلعًا أكثر مما تستورده من خلال التجارة الدولية تصل إلى فائض وترفع من قيمة عملتها نظرًا لزيادة الطلب على سلعها.
إذا كانت دولة ما تستورد أكثر مما تصدر، فإنها تنفق المزيد من عملتها في شراء سلع من دولة أخرى.
تسمى هذه الظاهرة بالعجز التجاري وتتسبب في أن تكون العملة أقل قيمة من عملة الشريك التجاري الاقتصادي.
9- مبيعات التجزئة
تشير مبيعات التجزئة إلى مقدار ما ينفقه المواطنون. ويراقب متداولو الأعمال تقارير الإنفاق للحصول على نظرة ثاقبة على الصحة العامة للاقتصاد. ويعد البيع بالتجزئة هو السوق المباشر للسلع والخدمات المحلية.
10- دورة الأعمال
يشار إلى الأنماط الاقتصادية المتوقعة للنمو والركود والانتعاش بدورة الأعمال. وتؤثر هذه الدورة على الأسواق الاقتصادية ويمكن ملاحظتها من خلال فترات انخفاض معدلات البطالة وارتفاع معدلات الإنتاج التي تتحول إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الإنتاج والعودة مرة أخرى إلى النمو الاقتصادي.
الفرق بين الاقتصاد الكلي والجزئي
ينقسم الاقتصاد إلى فئتين: الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي. وعلى الرغم من أن هذين الفرعين من الاقتصاد يبدوان مختلفين، إلا أنهما مترابطان في الواقع ويكملان بعضهما البعض، وتوجد العديد من القضايا المتداخلة بينهما.
وقال المحلل الاقتصادي حسان عبدالله: "إنه وعلى خلاف الاقتصاد الكلي، فإن الاقتصاد الجزئي (Microeconomic) معنيٌ بالسلوك الاقتصادي للفرد أو المنشأة، فهو يسلط الضوء مثلاً على سلوك الفرد في حالة ارتفاع سعر سلعةٍ ما، أو سلوك شركة ما وتكيّفها مع التكاليف والإيرادات".
وتتمثل أبرز الفروقات فيما يلي:
- يدرس الاقتصاد الجزئي الأفراد والقرارات التجارية، بينما يحلل الاقتصاد الكلي القرارات التي تتخذها الدول والحكومات.
- يركز الاقتصاد الجزئي على العرض والطلب والقوى الأخرى التي تحدد مستويات الأسعار، مما يجعله نهجًا تصاعديًا.
- يتخذ الاقتصاد الكلي نهجًا من أعلى إلى أسفل وينظر إلى الاقتصاد ككل، في محاولة لتحديد مساره وطبيعته.
- يمكن للمستثمرين استخدام الاقتصاد الجزئي في قراراتهم الاستثمارية، في حين أن الاقتصاد الكلي هو أداة تحليلية تستخدم بشكل أساسي لصياغة السياسة الاقتصادية والمالية.
- قد يكون من الأفضل للمستثمرين الأفراد التركيز على الاقتصاد الجزئي، لكن لا يمكن تجاهل الاقتصاد الكلي تماما.
قد يختلف المستثمرون حول الدور المناسب للتحليل الاقتصادي. في حين أنه من المرجح أن يؤثر الاقتصاد الجزئي على الاستثمارات الفردية، إلا أن عوامل الاقتصاد الكلي يمكن أن تؤثر على محافظ بأكملها.
وصرح وارن بافيت، أشهر مستثمر في الولايات المتحدة، أن توقعات الاقتصاد الكلي لم تؤثر على قراراته الاستثمارية. عندما سُئل كيف يختار هو وشريكه تشارلي مونجر الاستثمارات، قال بافيت: "أنا وتشارلي لا نولي اهتمامًا للتوقعات الكلية".
ووصف أدبيات الاقتصاد الكلي على أنها "أوراق مضحكة".