تسبب حرب إيران في واحدة من أكبر الاضطرابات التي شهدتها التجارة العالمية وتدفقات الطاقة منذ عقود، فإلكنها أفرزت عدداً من المستفيدين غير المتوقعين من هذا التصعيد.
بدائل لإمدادات الوقود
ومع استمرار الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز لأكثر من 3 أشهر منذ اندلاع الصراع، تسارع المستوردون للبحث عن بدائل لإمدادات الوقود، بينما أعادت شركات الشحن والطيران رسم مسارات التجارة وحركة النقل عبر القارات.
وأدت هذه الاضطرابات إلى ظهور رابحين في أماكن بعيدة عن خطوط المواجهة؛ فمن الموانئ العُمانية والمصافي النيجيرية إلى حقول النفط الفنزويلية والأجواء السورية، وجدت أطراف عديدة نفسها أمام فرصة لملء الفراغ الناتج عن تعطل الإمدادات الخليجية.
سوريا تعود للواجهة
مع إعادة شركات الطيران توجيه رحلاتها بعيداً عن الأجواء المتأثرة بالحرب، شهدت الأجواء السورية طفرة كبيرة في حركة العبور، رغم سنوات طويلة تجنبت خلالها شركات الطيران الدولية التحليق فوق البلاد بسبب تداعيات الحرب الأهلية والمخاطر الأمنية.
ووفقاً لهيئة الطيران المدني السورية، عبرت 11,801 رحلة جوية الأجواء السورية خلال مايو الماضي، مقارنة بـ4,267 رحلة فقط في فبراير، أي قبل اندلاع الحرب، بما يعادل نحو 3 أضعاف.
وتوفر هذه الزيادة مصدراً مرحباً به للعملة الأجنبية بالنسبة لدمشق. وكانت الحكومة السورية، التي تولت السلطة عقب الإطاحة بالرئيس بشار الأسد في يناير 2025، قد فرضت في وقت سابق من العام رسوماً ثابتة بقيمة 499 دولاراً على كل رحلة عبور.
وتشير تقديرات وكالة "رويترز" إلى أن حركة العبور خلال مايو وحده ربما حققت عائدات تقارب 5.9 ملايين دولار.
وعلى مدار معظم العقد الماضي، تجنبت شركات الطيران الدولية الأجواء السورية بسبب الحرب والعقوبات والمخاطر الأمنية، إلا أن الصراع الإقليمي قلب هذا الواقع مؤقتا، مع توجه المزيد من شركات الطيران إلى استخدام المسار السوري كبديل للممرات الجوية المتأثرة بالقتال.
الموانئ العُمانية الرئيسية
ورغم أن سلطنة عُمان لم تكن بمنأى بالكامل عن تداعيات الصراع، إذ تعرضت لاختراقات متقطعة لطائرات مسيرة إيرانية وتظل معرضة لمخاطر عدم الاستقرار الإقليمي، فإنها نجت من الهجمات المتواصلة التي طالت دولا خليجية أخرى.
وتكمن الأهمية الأكبر في أن الموانئ العُمانية الرئيسية تقع على بحر عُمان وبحر العرب، خارج نطاق مضيق هرمز، ما منح السلطنة ميزة إستراتيجية في ظل تعطل جزء كبير من صادرات الطاقة الخليجية.
وفي الوقت الذي تعطلت فيه تدفقات الطاقة عبر الخليج، واصلت عُمان تصدير الغاز الطبيعي المسال، وبدأت في أبريل 2026 تسليم شحنات بموجب عقد طويل الأجل مع ألمانيا.
ووفقاً لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة، صدرت السلطنة نحو 15.1 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025، ذهب منها نحو 13.9 مليار متر مكعب إلى الأسواق العالمية خارج الخليج.
كما عززت الأزمة أهمية البنية التحتية اللوجستية العُمانية، مع تزايد اعتماد الشركات على الموانئ ومرافق التخزين ومراكز الشحن في السلطنة كبدائل للمسارات المتضررة من الحرب.
وبرز ميناء "صحار" بشكل خاص كمركز رئيسي لإعادة الشحن. ففي 30 مايو، استأنفت شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" صادرات النفتا بمعدل يقترب من مليون طن شهرياً عبر توجيه الشحنات من خلال صحار باستخدام عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، ما سمح باستمرار الإمدادات رغم الاضطرابات التي تشهدها موانئ خليجية أخرى.
نيجيريا تستفيد
تحولت مصفاة "دانغوتي" النيجيرية إلى أحد أبرز المستفيدين من تعطل صادرات الوقود الخليجية، بعدما دخلت بقوة لسد النقص المتزايد في وقود الطائرات داخل الأسواق الأوروبية.
وتمكنت المصفاة، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 650 ألف برميل يومياً وتعد الأكبر في إفريقيا، من زيادة صادراتها في وقت يواجه فيه الموردون الخليجيون صعوبات متزايدة بسبب أزمة مضيق هرمز.
وخلال مؤتمر للطاقة عُقد في لندن الثلاثاء الماضي، قال ديفيد بيرد، الرئيس التنفيذي لمصفاة دانغوتي، إن المنشأة تمتلك فائضاً من وقود الطائرات يسمح لها بتلبية احتياجات أسواق حول العالم.
وكان تأثير هذا التحول واضحاً بصورة خاصة في أوروبا، حيث واجهت شركات الطيران وموردو الوقود نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في الأسعار.
ووفقاً لشركة "كبلر" المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة، سجلت صادرات وقود الطائرات من مصفاة دانغوتي إلى أوروبا مستوى قياسياً بلغ 272 ألف طن متري في أبريل، بزيادة 75% مقارنة بشهر مارس، ونحو ثلثي أعلى من الرقم القياسي السابق المسجل في سبتمبر.
وجاءت فرنسا في صدارة الدول المستوردة للوقود النيجيري خلال الشهر ذاته بحجم 163 ألف طن متري، تلتها إسبانيا بـ88 ألف طن، ثم المملكة المتحدة بـ22 ألف طن.
فنزويلا تستعيد موقعها
في المقابل، بدأت فنزويلا استعادة موقعها تدريجياً داخل أسواق النفط العالمية، مع اتجاه المشترين للبحث عن بدائل للخام الخليجي.
وأدت الاضطرابات الحالية إلى وضع أكثر من 11 مليون برميل يومياً من صادرات الخام الخليجي في دائرة الخطر، ما دفع مصافي التكرير في آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية إلى تنويع مصادر الإمدادات.
وبالنسبة لفنزويلا، جاء هذا التحول في توقيت مثالي، بعدما عانت البلاد لسنوات من العقوبات وضعف الاستثمارات وتراجع الإنتاج النفطي.
غير أن التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، إلى جانب تحسن الإنتاج، وضعت كاراكاس في موقع مناسب للاستفادة من الطلب المتزايد على الإمدادات البديلة.
ووفقاً لبيانات الشحن وسجلات شركة النفط الحكومية الفنزويلية "PDVSA"، بلغت صادرات النفط الخام الفنزويلي 1.25 مليون برميل يومياً خلال مايو، وهو أعلى مستوى منذ سنوات، كما يمثل ثالث ارتفاع شهري متتالٍ.
وقفزت الصادرات بنسبة 61% على أساس سنوي، مع ارتفاع الشحنات إلى مختلف الأسواق الرئيسية، حيث استوردت الولايات المتحدة نحو 558 ألف برميل يومياً، والهند 427 ألف برميل يومياً، بينما بلغت صادرات أوروبا نحو 169 ألف برميل يومياً.
الهند تعزز علاقتها مع كاراكاس
وتحركت الهند بشكل خاص لتعزيز علاقاتها النفطية مع كاراكاس، ضمن مساعيها لإيجاد بدائل مستقرة لإمدادات الخليج.
واستضاف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هذا الأسبوع القائمة بأعمال الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز في نيودلهي، حيث ناقش الجانبان فرص التعاون في مشروعات الطاقة المتعلقة بالتنقيب والإنتاج والتكرير.
وقال المسؤول بوزارة الخارجية الهندية رودريندرا تاندون إن كاراكاس تنظر إلى نيودلهي باعتبارها "شريكاً مفضلاً" في قطاع الطاقة، فيما من المقرر أن تلتقي رودريغيز بعدد من كبار التنفيذيين في قطاع الطاقة خلال زيارتها التي تستمر حتى 7 يونيو.